ما تزال تونس وبعد سنوات طويلة على ثورة الياسمين التي اسهمت بإسقاط نظام بن علي، تعاني الكثير من المشكلات والازمات بسبب الصراعات السياسية التي اوصلت البلاد وبحسب بعض المراقبين، الى منعطف خطير يمكن ان يسهم في خلق حالة من عدم الاستقرار خصوصا مع غياب الحلول والإجراءات الحكومية واستمرار المشكلات الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، الذي سعى الى الخروج في مظاهرات واحتجاجات من اجل المطالبة بتغير الواقع الحالي، كما دفعت حالة الاحباط وبحسب بعض المراقبين، العديد من الشباب الى الانتماء الى تيارات وجماعات مسلحة استفادت كثيرا من المشكلات والازمات المستمرة، وتشهد تونس، التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على السياحة، حالة طوارئ منذ نوفمبر تشرين الثاني عام 2015 لكن الأمن تحسن منذ تسببت سلسلة هجمات مسلحة استهدفت السياح في انهيار شبه كامل للقطاع قبل ثلاث سنوات.

وفيما يخص اخر التطورات في هذا البلد فقد فجرت امرأة عمرها 30 عاما نفسها وسط العاصمة تونس فأصابت 15 شخصا، بينهم عشرة من الشرطة، في تفجير كسر هدوءا مستمرا منذ ثلاث سنوات بعد هجمات متشددين قتل فيها العشرات عام 2015. ولم تتبن أي جهة مسؤولية الهجوم حتى الآن. وفي أول تعليق رسمي، قال الرئيس الباجي قائد السبسي ”كنا نعتقد أنه تم القضاء على الإرهاب لكن نحن نأمل ألا يقضي الإرهاب على تونس خصوصا أن المناخ السياسي سيء جدا“. ونقلت وكالة تونس أفريقيا للأنباء عن مصدر بوزارة الداخلية قوله إن المفجرة ليس لها تاريخ معروف من التشدد. وقالت وسائل إعلام محلية إن المرأة اسمها منى ونشرت صورا لها.

وقتل 21 شخصا عام 2015 خلال احتجاز رهائن في متحف باردو الوطني في العاصمة التونسية، وقتل مسلح 38 شخصا في منتجع ساحلي. وفي العام التالي حاول المتشددون السيطرة على بلدة بن قردان قرب الحدود مع ليبيا.

ولم تقع هجمات بهذا الحجم منذ ذلك الحين، لكن الاقتصاد لا يزال مضطربا ويساور السلطات القلق من المتشددين الذين يحتمون في ليبيا. وتونس من الديمقراطيات القليلة في العالم العربي، وهي الدولة الوحيدة التي أطاحت بحاكم مستبد قضى فترة طويلة في السلطة خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011 دون أن يتسبب ذلك في اضطرابات واسعة النطاق أو حرب أهلية.

عمل معزول وبدائي

وفي هذا الشأن اعتبرت السلطات التونسية الاعتداء الانتحاري الذي أسفر عن عشرين جريحاً ووقع في الشارع الرئيسي في العاصمة، "معزولاً" و"بدائياً"، وأشارت الى أنها لازالت تسعى إلى تحديد دوافع المنفذة التي تحمل شهادة جامعية وتتحدر من عائلة متواضعة. والاعتداء هو الأول منذ قرابة ثلاث سنوات. وخلف عشرين جريحا إصاباتهم غير خطرة، بحسب بيان رسمي. وصرّح وزير الداخلية التونسي هشام الفراتي أثناء زيارته موقع التفجير أن الانتحارية "ليس لديها سجل وليست معروفة لسوابقها أو مظاهرها الدينية". وأضاف "إنه عمل معزول، قوات الأمن في حالة تأهب، لقد تدخلوا بسرعة كبيرة" معتبراً أن "الاعتداء بدائي".

وقالت مصادر أمنية إن الانتحارية لم تكن تحمل على الأرجح "حزاما ناسفا"، بل "قنبلة يدوية الصنع". وأظهرت التحقيقات بشأن اعتداءات عامي 2015 و2016، التي أسفرت عن مقتل العشرات، أن التحضيرات كانت تحصل في ليبيا المجاورة حيث تأصل تنظيم داعش مستغلاً الفوضى السائدة في البلاد. وبين الجرحى العشرين، 15 شرطياً. ولم تتبن أي جهة التفجير. وقال مصدر في وزارة الداخلية ان البحث جار عن متواطئين مفترضين.

وغداة هذا الاعتداء الأول في العاصمة منذ 2015، عادت الحياة إلى طبيعتها في شارع الحبيب بورقيبة المزدحم وأعادت المقاهي فتح أبوابها. وتم تعزيز انتشار الشرطة في هذه الجادة التي تخضع للمراقبة عادةً وحيث تقع وزارة الداخلية والسفارة الفرنسية وكاتدرائية تونس. وكانت الانتحارية منا قبلة تحمل شهادة جامعية في الأعمال باللغة الانكليزية وهي من بلدة زردة النائية في ولاية المهدية على الساحل الشرقي للبلاد. ووفق عائلتها، لم تجد الشابة التي تخرّجت منذ ثلاث سنوات، عملاً في قطاع الأعمال لكنها كانت تساعد أحياناً وتهتمّ بالماشية.

واستجوبت الشرطة شقيقي الانتحارية، بحسب والديها اللذين اعتبرا ان ابنتهما "ساذجة" و"تم التلاعب" بعقلها. وتحدثا عن شابة "مثالية" وعزباء كانت تمضي معظم وقتها على حاسوب. ويعاني حوالي ثلث حاملي الشهادات من البطالة في تونس حيث لا يزال الاقتصاد بطيئاً بعد اكثر من سبع سنوات من ثورة 2011.

وأكد المحلل السياسي سليم خراط أن "هذا الأمر يُظهر أن الأسباب العميقة التي تقف خلف تطرف الشباب لا تزال سائدة". وتابع "يجب ألا يتسبب هذا الاعتداء بحملة قمع أمنية" معتبراً الدعوات إلى تطبيق حالة طوارئ أكثر تشدداً "مقلقةً". وتستهدف المجموعات الجهادية المسلحة التي تنشط خصوصاً في المناطق الجبلية على الحدود مع الجزائر، بشكل متكرر قوات الأمن التونسية. ولم تتوقف السلطات حتى اليوم عن تمديد حال الطوارئ السارية منذ سلسلة الاعتداءات الدامية في تونس وسوسة عام 2015. بحسب فرانس برس.

ومنذ ربيع عام 2016، شهد الوضع الأمني تحسناً واضحاً وبعد أن خلت البلاد من السياح، عاد هؤلاء بكثافة إلى تونس في السنتين الماضيتين، ما سمح بانعاش هذا القطاع الحيوي بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي. وتستعدّ تونس الناجية الوحيدة من "الربيع العربي"، لانتخابات رئاسية وتشريعية حاسمة في 2019. ويأتي الاعتداء الاخير في وقت تعتبر الحياة السياسية في تونس غير مستقرة بسبب صراعات على السلطة، خصوصاً في صلب حزب "نداء تونس" الذي أسسه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي. واعتبر قائد السبسي (90 عاماً) أن هذا الاعتداء "يذكرنا بأنه لدينا مشاكل أخرى في تونس" غير التنافس على السلطة.

فريسة الارهاب

الى جانب ذلك قالت ذهبية والدة الانتحارية التي قضت في عملية تفجير بوسط العاصمة التونسية أن "ابنتي كانت فريسة الارهاب" الذي أعدها لتكون أول انتحارية في البلاد. وبدت والدة الانتحارية منا قبلة بحالة صدمة وهي محاطة بجاراتها ولا تكاد تصدق ان ابنتها (30 عاما) انتحرت. وكانت الانتحارية تعيش مع أسرتها في قرية زردة في منطقة ريفية مهمشة بولاية المهدية (الساحل الشرقي).

واضافت ذهبية وهي تخبط بيديها على رجليها جالسة على بساط من البلاستيك مخاطبة ابنتها "لماذا فعلت بنا هذا؟ ماذا فعلنا لك لتجعلينا نعيش هذه الكارثة؟". واعتبرت الام ان ابنتها البكر قامت من خلال التفجير في الشارع الرئيسي بالعاصمة "بتدمير كامل أسرتها وخصوصا شقيقتها وشقيقيها". ولا يفهم الوالدان الاميان كيف أن ابنتهما التي كانت تمضي الكثير من الوقت على حاسوبها ولا تغادر الا قليلا المنزل المتواضع، تم تجنيدها لارتكاب الاعتداء. وقالت الام بحسرة "لقد أوقعوا (الارهابيون) بها لانها ساذجة وهشة، رغم أننا عملنا كل شيء لتنهي دراستها. وكانت مدللة".

وأضافت الام "حتى أنني بعت ارضا فيها شجر زيتون لكي أشتري لها كما طلبت حاسوبا قبل أربع سنوات". وبحسب الام فقد كانت تخصص وقتها "لاعداد دكتوراه. ولذا، كانت تنعزل كثيرا في غرفتها للتركيز على دراستها او ارسال طلبات عمل". وقال الوالدان ان لاشيء كان يوحي أنها تتطرف. وتابعا "لم يكن هناك أي تغيير في طبعها (...) لاشيء كان يشير الى أنها اعتنقت افكارا متطرفة". واضافت الام "حتى حجابها كانت ترتديه منذ نيلها البكالوريا وكانت تصلي مثل الجميع دون تقوى مميزة".

والانتحارية العزباء كانت حصلت على اجازة في اللغة الانكليزية منذ ثلاث سنوات لكنها لم تعثر على عمل. وكانت تعيش مع أسرتها وتهتم احيانا بالاغنام. وكانت أبلغت أمها وخالتها التي تعيش في المنزل أيضا، أنها تنوي التوجه لقضاء بضعة أيام في سوسة للبحث عن عمل. وعند مغادرتها المنزل عرض عليها خالها ايصالها حتى موقف الحافلة لكنها رفضت قائلة انها تنوي التوجه الى طبيب في بلدة سيدي علوان التي تبعد سبع كلم عن قرية زردة، بحسب ما أكد الخال حبيب السعفي.

وعلمت الاسرة بمقتل ابنتها الانتحارية من الشرطة التي أوقفت شقيقيها لاستجوابهما. واعتبر الوالد محمد المريض من الصيف بعد تعرضه لجلطة دماغية ويلزم الفراش منذ شهرين اثر كسر في الساق، ان ابنته "لا يمكن أبدا أن تؤذي أحدا، وقد تم بالتأكيد التلاعب بعقلها". واتهم والد الانتحارية قادة البلاد بالمسؤولية بسبب "المحاباة وتهميشهم للشباب" عن "المصير الحزين" لابنته التي قال انها "مثالية ووردة الاسرة وألطف افرادها". ويعاني ثلث الشبان من خريجي الجامعات في تونس من البطالة ويعتبر الحصول على فرصة عمل صعب جدا خصوصا لشبان المناطق الاقل نموا والريفية وذلك بعد ثماني سنوات من الثورة. بحسب فرانس برس.

وراى المحلل السياسي سليم الخراط ان الانتحارية "تجسد نموذج الشبان المتطرفين وأغلبهم من مناطق مهمشة خصوصا ريفية ومحبطين وبلا أفق رغم دراستهم". وقالت سعيدة خالة الانتحارية بصوت متهدج "اذا كانت عاشت لتحصل على هذه النهاية، فاني افضل الا تكون ولدت ابدا. لقد رحلت لكن الان نحن فقط من سيدفع الثمن ومن سيستمر في العيش في الالم".

انتقادات مستمرة

من جانب اخر نشرت "منظمة العفو الدولية" تقريرا قالت فيه إن القيود التي تفرضها السلطات التونسية على السفر بحجة الأمن تُفرض في كثير من الأحيان بأسلوب "تعسفي وتمييزي ينتهك الحقوق الأساسية للإنسان". وقالت المنظمة في بيانها إنها أعدت تقريرا بعنوان "القيود التعسفية المفروضة على حرية التنقل في تونس"، تصف فيه حالات ما لا يقل عن 60 شخصا تم منعهم بشكل غير قانوني من السفر إلى الخارج، أو تم تقييد حركتهم داخل تونس بين عامي 2014 و2018.

ومنذ 2013 قيدت وزارة الداخلية التونسية حركة ما يقرب من 30 ألف شخص في إطار إجراءات سرية لمراقبة الحدود تُعرف باسم "الإجراء S17". وهي إجراءات لا يمكن للعموم الاطلاع عليها، وتفتقر إلى الإشراف القضائي الكامل، وفقا للمنظمة. وبعد ثورة 2011، شهدت تونس عمليات للإسلاميين المتطرفين قتل خلالها عشرات من عناصر الأمن والجيش في هجمات وكمائن تبنت غالبيتها "كتيبة عقبة بن نافع". كما تقول السلطات التونسية إنها منعت العديد من الجهاديين من السفر إلى سوريا وليبيا للالتحاق بالجماعات المسلحة.

وفي عام 2013 فرضت السلطات التونسية "الإجراء S17" كجزء من خطة وطنية لمكافحة الإرهاب. وتقول السلطات إن هذه الإجراءات تهدف إلى منع الأفراد المشتبه بانتمائهم للجماعات الجهادية من الانضمام إلى الجماعات المسلحة في الخارج. وقالت هبة مورايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة "إن الطريقة التعسفية والتمييزية التي تطبق بها إجراءات S17، دون إذن قضائي مسبق، تنتهك حقوق الإنسان الخاصة بمئات الأشخاص". وأضافت "لا شك في أن وقف الهجمات المسلحة ضد المدنيين في الداخل والخارج يجب أن يكون من الأولويات بالنسبة للسلطات التونسية، ولكن إعطاء الشرطة حرية فرض قيود شاملة وغير قانونية على سفر مئات الأشخاص بعيدا عن أعين القضاء، هي إجراءات مضللة، وليست حلا للتهديدات الأمنية في تونس". بحسب فرانس برس.

ويصف تقرير "منظمة العفو الدولية" الصادر كيف استهدفت إجراءات S17 التمييزية الأشخاص "بسبب معتقداتهم الدينية أو مظهرهم، ومثال على ذلك الرجال الذين يطلقون لحاهم أو النساء المنقبات (...) وفرضت هذه التدابير دون تقديم أي دليل يربط بين المتأثرين بأي نشاط إجرامي أو جماعات مسلحة ودون إذن قضائي". ولا تزال حالة الطوارئ سارية في تونس منذ 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، حين قُتل 12 عنصرا في الأمن الرئاسي وأصيب عشرون آخرون في هجوم انتحاري استهدف حافلتهم بوسط العاصمة تونس وتبناه تنظيم داعش.

الإصلاحات في تونس

على صعيد متصل نجا رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد من محاولات حزبه (نداء تونس) والنقابات لإقالته من منصبه، لكن في وقت تلوح فيه الانتخابات في الأفق، لا يبدو أن الطريق أمامه سالك لتنفيذ إصلاحات اقتصادية بدعم من صندوق النقد الدولي. ويأمل المانحون الغربيون في بقاء الشاهد من أجل الاستقرار في البلد الذي شهد تسع حكومات منذ الإطاحة بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي في عام 2011.

وتونس في قلب أزمة اقتصادية عاصفة منذ نحو ثماني سنوات مع عزوف المستثمرين‭‭‭‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬‬‬‬وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، وتسعى لدعم ميزانيتها عبر برنامج تمويل بقيمة 2.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي الذي يضغط على تونس لتسريع نسق الإصلاحات والذي يعارضه اتحاد الشغل بشدة. وبدأ الشاهد (43 عاما) بعض الإصلاحات الضريبية ورفع أيضا أسعار المحروقات عدة مرات هذا العام وصمد لأكثر من عامين في المنصب وهي أطول فترة لرئيس حكومة بعد ثورة 2011. لكن طيلة الأشهر الماضية، ظل رئيس الوزراء يصارع من أجل بقاء حكومته والمضي قدما في برنامجه الاقتصادي.

ومع اقتراب محطة الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي يتوقع أن تجري العام المقبل، زادت حدة الصراع السياسي بين اللاعبين الرئيسيين في البلاد. و أعلن حزب نداء تونس الحاكم تجميد عضوية رئيس الوزراء في أحدث توتر مع نجل الرئيس حافظ قائد السبسي الذي يحاول إزاحته من رئاسة الحكومة. لكن الشاهد يقول إن ابن الرئيس دمر الحزب الحاكم وهو بصدد تصدير مشاكل الحزب لمؤسسات الدولة مما قد يعرقل الإصلاحات الاقتصادية.

والخلاف بين الرجلين لم يكن سوى مقدمة لأزمة سياسية تعددت أطرافها لتشمل اتحاد الشغل وحزب النهضة الإسلامي وحتى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي. ويقول المحلل منذر بالضيافي ”الصراع غير مسبوق بين قصر القصبة (مقر الحكومة) وقصر قرطاج (مقر الرئاسة) .. ما حصل هو أن الشاهد أراد ممارسة كل صلاحياته الدستورية بما فيها الإقالات، لكنه وجد نفسه في صدام مع رئيس تعود أن يحكم بمفرده وأراد رئيس حكومة شابا لتحريكه مثلما يشاء“.

وقال إن السبسي فوجئ بأن هامش التحرك لديه أصبح ضعيفا في اتخاذ القرارات وفوجئ برئيس حكومة له طموحات سياسية قوية. وانضم رئيس الجمهورية، الذي عين الشاهد رئيسا للوزراء قبل عامين، إلى المطالبين باستقالة رئيس الوزراء أو الذهاب للبرلمان للتصويت على الثقة في الحكومة. لكن الشاهد تجاهل هذه الدعوات مكتفيا بقول إن ”الضجيج السياسي ونقص الدعم يشوش عمل الحكومة ويؤثر سلبيا في المقرضين الدوليين وإن التغيير سيضر بالتزامات تونس“.

ويستمد الشاهد ثقته وتمرده على قيادة حزبه من حصوله على دعم النهضة، وهي القوة الأولى في البرلمان ولها 69 نائبا، والتي تقول إنها تدعم الاستقرار الحكومي في وقت حساس تحتاج فيه البلاد إصلاحات اقتصادية. والشاهد واثق أيضا من الحصول على دعم كتلة برلمانية اسمها ”الائتلاف الوطني“ تضم 43 نائبا من بينهم نواب استقالوا من حزب نداء تونس وآخرون أعلنوا كلهم دعم الاستقرار الحكومي. وتحتاج حكومة الشاهد 109 صوتا في البرلمان وهو أمر أصبح على الأرجح في المتناول إذا تم عرض الحكومة على البرلمان لنيل الثقة.

يسير رئيس الحكومة الشاهد على خيط رفيع محاولا تجنب السقوط وسط عاصفة الصراع السياسي المحتدم وضرورة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المؤلمة مع تخفيف المصاعب الاجتماعية على التونسيين. ولا يبدو أن الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها تونس تثير اهتمام عموم التونسيين بقدر اهتمامهم بالوضع الاقتصادي الصعب وتدهور قدراتهم الشرائية أمام ارتفاع غير مسبوق في الأسعار. وتعاني فئات واسعة من التونسيين ويلات المشكلات الاقتصادية منذ ثورة 2011، لكن الشعور بالضيق زاد في الآونة الأخيرة مع صعود الأسعار بشكل كبير ووصول التضخم إلى مستويات قياسية بلغت 7.8 بالمئة إضافة إلى نقص العديد من السلع في الأسواق وهبوط احتياطي تونس من العملة الأجنبية الذي وصل قبل يومين إلى أدنى مستوياته عند ما يغطي حاجة الواردات في 68 يوما.

ويشكو التونسيون أيضا من تدني الخدمات العامة بما يشمل الصحة والتعليم وتزايد معدلات البطالة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات مما دفع بآلاف الشبان إلى ركوب مراكب الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا. لكن رغم تجاوز الشاهد لعقبات، فإن مهتمه لا تبدو يسيرة في إدارة معركة أخرى معقدة مع اتحاد الشغل ذي النفوذ القوي.

والشاهد أمام خيار صعب بين ضرورة القيام بالإصلاحات الاقتصادية التي يطلبها المقرضون لخفض العجز في الميزانية، ومن بينها تجميد الأجور، وبين طلبات النقابات التي تريد زيادات محترمة تتلاءم مع الوضع الصعب للموظفين والطبقات الضعيفة وعدم خصخصة الشركات العامة. وربما يكون تجميد الأجور، استجابة لرغبة صندوق النقد الدولي، مهمة صعبة على الشاهد في الوقت الحالي مع سعي حزبه لتفادي شبح الهزيمة أمام النهضة في الانتخابات. وبعد عامين من فرض ضرائب كثيرة على الأفراد والشركات، قال الشاهد إن ميزانية العام المقبل لن تتضمن أي ضرائب جديدة وإن الحكومة ستزيد المساعدات للفئات الضعيفة والمتوسطة. بحسب رويترز.

ويقول الصحفي والمحلل جمال العرفاوي ”التحدي المقبل أمام الشاهد هو استمالة الشارع لتفادي أي تصادم أو احتجاجات غير متوقعة عبر قانون مالية يبدو لي شعبيا. ولكن هل هو قادر على ذلك؟ ذلك هو التحدي، أن يحول وعوده إلى أفعال“. ويضيف ”يمكن للشاهد أن يستفيد من دعم النهضة وعشرات النواب للفوز بمنح الثقة، لكنني لست متأكداً من أنه يستطيع تمرير إصلاحات مؤلمة. ”هذا يعني أنه لا يمكن تنفيذ الإصلاحات العام المقبل“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0