ازداد التوتر في بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية بشكل كبير في الفترة الاخيرة، بسبب بعض الملفات والقضايا الخلافية، منها وكما نقلت بعض المصادر ملف دعم واشنطن لأكراد سوريا، بمعدات عسكرية ولوجستية، فضلًا عن احتضان أمريكا لفتح الله كولن. وكذلك من الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأزمة بين البلدين، اعتقال أنقرة للقس الأمريكي أندروا برانسون، والمتهم بدعمه لتنظيمات إرهابية وقيامه أيضًا بعمليات تجسس على تركيا لحساب الولايات المتحدة الأمريكية، التي عمدت الى اتخاذ قرارات جديدة اغضبت انقرة، ومنها فرض عقوبات على وزيرى العدل والداخلية التركيين وقرارات اقتصادية اخرى اضرت كثيرا بتركيا، التي تسعى اليوم الى اتخاذ اجراءات مضادة وهو ما قد يسهم في تعقيد الامور.

وترى الولايات المتحدة بحسب بعض المصادر أن تركيا قد ذهبت بعيدا في معارضتها السياسة الأمريكية، وأنها تجاوزت نقطة اللاعودة، وماضية في تعميق علاقتها بخصوم الولايات المتحدة وفى مقدمتهم روسيا وإيران والصين، فقد أعلنت تركيا رفضها طلب الولايات المتحدة بالمشاركة في فرض عقوبات على إيران، وفى التوقيت نفسه كانت تركيا تشارك في الجولة العاشرة في مباحثات سوتشي.

وتعهدت تركيا بأن تلعب دورا رئيسيا في احتواء معظم المعارضة السورية المسلحة، وأن تسلم سوريا المناطق الواقعة تحت سيطرتها والجماعات الموالية لها، لتكون قد شاركت في دق المسمار الأخير في نعش الجماعات المسلحة في سوريا، وتعلن دمشق انتصارها النهائي والكامل دون أن تحقق الولايات المتحدة وحلفاؤها شيئا من تلك الحرب الطويلة والمكلفة، بل مضت تركيا في اتفاق شراء منظومة صواريخ إس 400 من روسيا، لتكون الدولة الوحيدة في حلف الناتو التي تشترى أسلحة متطورة من روسيا، وفشلت كل المحاولات الأمريكية في إلغاء تلك الصفقة.

والضغائن التي يحملها أردوغان لا تقل عن ضغائن الإدارة الأمريكية، وكانت نقطة التحول الأولى في سياسات أردوغان عندما أسقطت تركيا طائرة سوخوي روسية فى 24 نوفمبر 2015، وهدد الرئيس الروسي بوتين بإسقاط أي طائرة تركية تقترب من السماء السورية، فاستغاث أردوغان بحلف الأطلنطي والولايات المتحدة، وجاءت الإجابة صادمة بأن الناتو لا ينوى التدخل، ليجد نفسه وحيدا في مواجهة روسيا، لكن التحول الأكبر كان محاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان في 15 يوليو 2016، والتي يعتقد أردوغان أن الولايات المتحدة ضالعة فيها، على الأقل بشكل غير مباشر، واتهم غريمه فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة بتدبير محاولة الانقلاب، ورفضت الولايات المتحدة طلب أردوغان بتسليمه، وهنا شعر أردوغان أن الولايات المتحدة تستهدف وجوده الشخصي.

وتعززت المخاوف مع الدعم العسكري الأمريكي للقوات الكردية فى شمال سوريا، والتي يراها أردوغان أكبر خطر يهدد وحدة تركيا، وأخذ يلوح أردوغان بأنه سيغير وجهته بتعزيز علاقته مع روسيا، والتى بدأت بتوقيع عدد من الاتفاقيات، من بينها إقامة خط غاز السيل الجنوبى من روسيا إلى جنوب ووسط أوروبا مرورا بتركيا بدلا من أوكرانيا، إلى جانب بناء محطات نووية وزيادة حجم التبادل التجاري، كما يعتقد أردوغان أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين وراء الأزمة الاقتصادية الأخيرة، والتي أدت إلى تدهور سعر الليرة التركية.

أردوغان يحذر

وفي هذا الشأن حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في افتتاحية نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ، من أن شراكة الولايات المتحدة مع تركيا قد تكون في خطر مؤكدا أن بلاده قد تبدأ بالبحث عن حلفاء جدد. وبلغت العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي أدنى مستوى لها منذ عقود على خلفية عدة مسائل بينها اعتقال أنقرة للقس الأمريكي آندرو برانسون إثر تهم تتعلق بالإرهاب.

وأدى تدهور العلاقات إلى تراجع الليرة التركية إلى مستوى قياسي مقابل الدولار. وتهاوت الليرة التركية بنسبة 16% مقابل الدولار مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مضاعفة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم التركيين. وكتب أردوغان في مقاله "ما لم تبدأ الولايات المتحدة باحترام سيادة تركيا وإثبات أنها تتفهم المخاطر التي تواجهها بلادنا، فقد تكون شراكتنا في خطر". وأضاف "على الولايات المتحدة التخلي عن الفكرة الخاطئة بأن علاقتنا قد تكون غير متكافئة وأن تدرك حقيقة أن لدى تركيا بدائل قبل فوات الأوان". وتابع أن "الفشل في التراجع عن هذا التوجه أحادي الجانب والذي يفتقد إلى الاحترام سيدفعنا إلى البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد".

وكان ترامب قد أعلن مضاعفة الرسوم الجمركية في تغريدة عبر "تويتر" قال فيها "علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في الوقت الحالي". وقلل أردوغان في خطاب من أهمية الأزمة التي تواجهها العملة المحلية، داعيا الأتراك إلى عدم القلق جراء تقلب سعر الصرف. وأوضح أن لدى أنقرة بدائل "من إيران إلى روسيا والصين وبعض الدول الأوروبية". وأدى اعتقال القس الأمريكي منذ تشرين الأول/أكتوبر 2016 إلى تراجع العلاقات المتوترة أصلا مع واشنطن. واعتبر ترامب أن اعتقال برانسون "معيب تماما" وحث أردوغان على إطلاق سراحه "فورا".

وفي مقاله في "نيويورك تايمز"، قال أردوغان إن "محاولة إجبار حكومتي على التدخل في العملية القضائية هو أمر لا يتوافق مع دستورنا وقيمنا الديمقراطية المشتركة". وسجلت الليرة التركية تراجعا حادا تغذيه الأزمة بين أنقرة وواشنطن على الرغم من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد أن بلاده ستخرج منتصرة من هذه "الحرب الاقتصادية"، داعيا مواطنيه إلى تحويل ما يملكونه من عملات أجنبية لدعم الليرة.

والليرة التركية التي خسرت نصف قيمتها تقريبا مقابل الدولار منذ مطلع العام، واصلت مسارها الانحداري متراجعة إلى مستويات قياسية. ودعا أردوغان الذي يواجه إحدى أصعب التحديات الاقتصادية منذ وصوله إلى السلطة في 2003، الأتراك إلى "الكفاح الوطني"، قائلا "إن كان لديكم أموال بالدولار أو اليورو أو ذهب تدخرونه، اذهبوا إلى المصارف لتحويلها إلى الليرة التركية"، في كلمة ألقاها في بايبورت (شمال شرق) ونقلتها شبكة "تي آر تي" التلفزيونية الرسمية. وقال أردوغان قبلها "لن نخسر في هذه الحرب الاقتصادية".

لكن هذه التصريحات لم تفعل سوى أن زادت من الضغوط على الليرة فيما تأثرت الأسواق المالية بالأزمة فانخفضت أسهم عدة بنوك أوروبية في حين فتحت بورصة وول ستريت على انخفاض، وهو ما يؤشر إلى الخشية من عدوى عالمية. ورأى المحلل لدى "إكس تي بي" ديفيد تشيثام في مذكرة أن تراجع الليرة التركية "يظهر أن المستثمرين متخوفون بشكل متزايد من أزمة نقدية شاملة وشيكة".

ولدى إعلانه على تويتر رفع التعرفة على واردات الصلب والألمنيوم من تركيا أعلنت الرئاسة التركية بعيد هذه التغريدة أن أردوغان تحادث هاتفيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين وأنهما تباحثا بشكل خاص في الوضع في سوريا والمبادلات التجارية. وتعاني العملة الوطنية ، من الأزمة الدبلوماسية الخطيرة بين أنقرة وواشنطن، وريبة الأسواق المتزايدة حيال فريق أردوغان الاقتصادي.

وإلى هذا الخلاف الدبلوماسي الأمريكي التركي، تتخوف الأسواق من المنحى الذي ستتخذه سياسة أردوغان الاقتصادية، في وقت يتحفظ البنك المركزي التركي على رفع معدلات فائدته للحد من تضخم بلغ معدله السنوي حوالى 16% في تموز/يوليو. وحذرت الخارجية التركية من أن زيادة التعرفة الجمركية بمرتين على الصلب والألمنيوم ستضر بالعلاقات، متوعدة بالرد. وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان "يجب أن تعلم الولايات المتحدة بأن النتيجة الوحيدة التي ستجلبها مثل هذه العقوبات والضغوط... هي إلحاق الضرر بعلاقاتنا كحليفين". وأضافت "كما هي الحال مع كل الإجراءات التي اتخذت ضد تركيا، سيتم إعطاء الرد الضروري". وقالت إن هذه الخطوات "تجاهلت" أحكام منظمة التجارة العالمية.

وفي مواجهة هذا الوضع، أشار أردوغان بالاتهام إلى "لوبي معدلات الفائدة" من غير أن يحدد ملامح هذه الجهة الغامضة. وكان قد أعلن في خطاب سابق "إذا كان لديهم دولارات فلدينا شعبنا ولدينا حقنا ولدينا الله"، ما عزز مخاوف الأسواق. وتخطى القلق حدود تركيا مع نشر صحيفة "فاينانشال تايمز" مقالة ذكرت فيها أن البنك المركزي الأوروبي يخشى من احتمال انتشار عدوى هذه الأزمة النقدية إلى بعض المصارف الأوروبية الحاضرة بقوة في تركيا.

وانعكست أزمة الليرة التركية على أسهم مصارف أوروبية كبرى منها "دويتشه بنك" و"كومرتز بنك" الألمانيان و"يونيكريديت" و"إينتيسا سانباولو" الإيطاليان مرورا بـ"سانتاندير" الإسباني، فسجلت تراجعا في تداولات. وقال مايكل هيوسون المحلل لدى "سي إم سي ماركتس" إن "المستثمرين كانوا يعتبرون الأزمة النقدية في تركيا مشكلة محلية. لكن يبدو أن سرعة تدهور (الليرة) تعزز المخاوف من احتمال انكشاف مصارف أوروبية على النظام المصرفي التركي".

وحرصا منه على توجيه إشارات إيجابية إلى الأسواق، شدد وزير المال الجديد براءة البيرق، وهو صهر أردوغان، على "أهمية استقلالية البنك المركزي" التركي. وسعى البيرق عبثا منذ تعيينه في هذا المنصب بعد إعادة انتخاب أردوغان في حزيران/يونيو، لطمأنه الأسواق التي تنظر بقلق إلى هيمنة الرئيس بشكل متزايد على الشؤون الاقتصادية وتتخوف من مواقفه البعيدة عن النهج التقليدي. بحسب فرانس برس.

وأردوغان الذي بات يمسك بكامل الصلاحيات التنفيذية بموجب تعديل دستوري مثير للجدل مكنه أيضا من تعيين حاكم البنك المركزي، يعلن صراحة معارضته لرفع معدلات الفائدة من أجل ضبط التضخم. إلا أن العديد من خبراء الاقتصاد يدعون إلى زيادة معدلات فائدة البنك المركزي لكبح التضخم، عملا بوسيلة تستخدم بصورة تقليدية في العالم لضبط ارتفاع الأسعار ودعم العملة الوطنية، ويرون أن ذلك أمر لا بد منه. ولزمت شبكات التلفزيون الرئيسية والصحف واسعة الانتشار، ومعظمها تحت سيطرة السلطة، الصمت حيال انهيار الليرة التركية.

تحالف جديد

من جانب تصدرت العلاقات الاقتصادية بين موسكو وأنقرة محور المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره التركي، رجب طيب أردوغان. وناقش بوتين وأردوغان تعزيز العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا، فضلا عن الحديث بشأن بدء مشاريع مشتركة، خاصة في قطاع الطاقة، وفقا لوسائل الإعلام الرسمية الروسية مثل وكالة "تاس"، التي نقلت التفاصيل عن خدمة الصحافة في الكرملين.

وتحدث بوتين وأردوغان أيضًا عن القضايا الثنائية والإقليمية، وناقشا آخر التطورات في سوريا ومحادثات السلام في أستانا في المستقبل. وتأتي المكالمة الهاتفية في أعقاب العقوبات والإجراءات التجارية التي اتخذها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في حق روسيا وتركيا مؤخرا. وعلى خلفية أزمة احتجاز القس الأمريكي "أندرو برونسون" الذي يخضع للإقامة الجبرية في منزله في تركيا حاليا، وكان الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، قد اقترح في شهر سبتمبر من العام الماضي الإفراج عن برونسون إذا سلمت واشنطن جولن، في صفقة تبادل، إلا أن الولايات المتحدة رفضت الفكرة، وفي المقابل رفضت أنقرة الإفراج عن القس الأمريكي واعتبرت ذلك تدخلا سافرا في عمل القضاء التركي.

ولد القس الأمريكي برونسون عام 1968 ويعيش في تركيا منذ 23 عاما في مدينة أزمير، ويرعى كنيسة إنجيلية صغيرة هناك يبلغ عدد أتباعها نحو 25 شخصا فقط، وحسبما أفاد موقع BBC العربية، لديه ولدان يعيشان معه في تركيا. وأُلقي القبض عليه قبل أكثر من عامين، بتهمة الارتباط بحزب العمال الكردستاني وجماعة فتح الله جولن، الذين تعتبرهما تركيا منظمات إرهابية وهو ما ينفيه محامو برونسون والولايات المتحدة في الدفاع عنه.

وفي الخامس والعشرين من يوليو الماضي، تم الإفراج، عن القس الأمريكي من سجنه في تركيا لأكثر من عام ونصف، بسبب مشكلات صحية يعاني منها، على أن يتم وضعه قيد الإقامة الجبرية في منزله في الوقت الذي تستمر فيه محاكمته. وكانت هذه القضية تسببت في توتر العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، وقالت محكمة في محافظة إزمير التركية إن برونسون سيتم مراقبته إلكترونيا وسيمنع من مغادرة منزله، كما سيمنع من مغادرة تركيا، حسبما أفاد موقع سكاي نيوز العربية. وغرد ترامب مدافعا عن برونسون قبل إطلاق سراحه بأيام قليلة قائلا إن احتجازه"عار بكل معنى الكلمة"، مؤكدا أنه "لم يرتكب أي خطأ".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0