تطورات جديدة تشهدها قضية الاتفاق النووي الذي أبرمته ايران عام 2015 مع القوى الكبرى والذي يتعرض باستمرار لانتقادات من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووصفه بانه أسوأ اتفاق على الإطلاق جرى التفاوض عليه، حيث بدأت القوى الأوروبية وإيران محادثات تهدف لطمأنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تجارب الصواريخ الباليستية التي أجرتها إيران مؤخرا ونفوذها الإقليمي مع الإبقاء على الاتفاق النووي. ويرى بعض المراقبين ان هذه التحركات ربما ستفشل خصوصا وان ايران التي ماتزال تعاني من اضرار العقوبات الامريكية سترفض تقديم اي تنازلات جديدة بشأن ملفها النووي وقدراتها الصاروخية، وهو ماقد يسهم بخلق ازمة جديدة في المنطقة التي تعيش حالة من عدم الاستقرار.

ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء عن مسعود جزائري المتحدث باسم القوات المسلحة قوله إن طهران ستمضي قدما في برنامجها الصاروخي رغم الضغوط الغربية. وأضاف ”البرنامج الصاروخي الإيراني سيستمر دون توقف وليس من حق القوى الأجنبية التدخل في هذا الأمر“. وقال أيضا إنه من غير المسموح لأي مسؤول إيراني ”بحث هذه القضية مع أجانب“. من جانب اخر قال يوكيا أمانو مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إن انهيار الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع القوى العالمية سيكون ”خسارة فادحة“ في إشارة لتهديد أمريكي بالانسحاب منه. وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق إلا إذا ساعد الكونجرس والحلفاء الأوروبيون في ”إصلاحه“ من خلال اتفاق آخر.

ووصف أمانو، الذي تراقب وكالته التزام إيران بالقيود التي فرضها الاتفاق على أنشطتها النووية، الاتفاق بأنه ”مكسب صرف“ للتحقق النووي إذ منح الوكالة إشرافا أكثر شمولا على إيران. وأثار أمانو في خطاب ألقاه أمام اجتماع فصلي لمجلس محافظي الوكالة احتمال الانهيار الاتفاق. وقال”الاتفاق يمثل مكسبا مهما للتحقق... إذا ما فشل الاتفاق ستكون خسارة فادحة للتحقق النووي وللاتفاقات متعددة الأطراف“. وأضاف أن إيران تنفذ التزاماتها بموجب الاتفاق الذي رفع عنها أيضا عقوبات اقتصادية مؤلمة مؤكدا نتائج تقرير فصلي سري للوكالة عن إيران صدر في وقت سابق.

وقال إن الوكالة طلبت توضيحا من إيران بشأن خططها لتطوير وحدات دفع نووية بحرية كما ذكر في التقرير بما يشير إلى أن الوكالة لم تتلق ردا بعد. وقال أمانو للدول الأعضاء وعددها 35 دولة في الاجتماع المغلق ”طلبت الوكالة من إيران تقديم المزيد من الإيضاحات فيما يخص الخطط المتعلقة بتطوير دائرة وقود نووية لوحدات دفع نووية بحرية“. وقالت إيران علنا منذ فترة طويلة إنها تخطط لوحدات دفع نووية لقطعها البحرية لكن محللين ودبلوماسيين يقولون إنه لا يزال احتمالا بعيدا. وأبلغت إيران الوكالة رسميا بتلك المساعي في يناير كانون الثاني فيما اعتبر على نطاق واسع تحذيرا دبلوماسيا لإدارة ترامب التي تراجعت عن التقارب الذي انتهجه سلفه باراك أوباما.

أوروبا وإيران

وفي هذا الشأن بدأت القوى الأوروبية وإيران محادثات بشأن دور طهران في الشرق الأوسط ضمن جهود تهدف لطمأنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتجاوبها مع مخاوفه بشأن الاتفاق النووي المبرم بين الحكومة الإيرانية والقوى العالمية عام 2015. وبعدما حذر ترامب من فرصة أخيرة أمام”أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه على الإطلاق“، تعمل بريطانيا وفرنسا وألمانيا مع مسؤولين أمريكيين لرسم إستراتيجية تهدف إلى تحسين الاتفاق النووي المبرم مع إيران لدفع ترامب إلى الموافقة على استمراره بتجديد قرار تخفيف العقوبات الأمريكية يوم 12 مايو أيار.

وبالتوازي مع هذه الجهود، بدأت القوى الأوروبية الثلاث وبالتعاون مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي، مناقشات مع إيران لبحث قضايا إقليمية وسط مخاوف دول غربية وخليجية وإسرائيل ترى دور إيران في سوريا ولبنان واليمن والعراق مزعزعا للاستقرار. وتنفي طهران الاتهام وتتهم الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بتأجيج التوتر في الشرق الأوسط.

وعقد مسؤولون كبار أول اجتماع على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا وركز على دور إيران في الصراع اليمني. وقال دبلوماسيان أوروبيان ومسؤول إيراني إن من المقرر أن يجتمع المسؤولون مجددا في إيطاليا الشهر الجاري. وأكد دبلوماسي أوروبي ثالث انعقاد اجتماع ميونيخ. وقال دبلوماسي أوروبي كبير”في ميونيخ عرضنا أمورا نظن أنهم مسؤولون عنها في اليمن. وبالطبع قالوا إنهم غير مسؤولين عنها ورسمنا بعض الأمور للمضي قدما“. وأضاف قائلا”الإيرانيون متعاونون جدا لكن عقد اجتماع إيجابي لا يعني (بالضرورة) أننا سنرى أي تأثير له في عالم الواقع“.

وقال مسؤول إيراني كبير”من الممكن تضييق معظم الفجوات مع الغرب...لكن ذلك يحتاج إلى حسن نية والكثير من العمل... ينبغي على الغرب أن يكسب ثقتنا مجددا...لم ينفذ الاتفاق النووي بالكامل فكيف نثق بهم في قضايا أخرى“. تأتي المحادثات مع الأوروبيين بعد أخطر مواجهة حتى اليوم بين إسرائيل وقوات مدعومة من إيران في سوريا الشهر الماضي. وقال الدبلوماسي الكبير إن الأوروبيين يأملون في بحث دور الفصائل المسلحة المؤيدة لإيران في جنوب لبنان وجنوب سوريا في جولة المناقشات المقبلة. وقال مسؤول كبير بالاتحاد الأوروبي”في العلن يقولون (الإيرانيون) إنهم لا يرغبون في قبول ذلك. لكن نعتقد أنه توجد أرضية لإحراز تقدم“.

وأكدت القوى الأوروبية للولايات المتحدة أنها ستعمل على رسم إستراتيجية إيرانية تشمل برنامج الصواريخ الباليستية مقابل إحجام ترامب عن الانسحاب من الاتفاق النووي. ويعقد مسؤولون أوروبيون وأمريكيون اجتماعا في برلين يوم 15 مارس آذار. وقال دبلوماسي فرنسي كبير”نريد استمرار الاتفاق النووي لكننا نبلغ الإيرانيين أن لدينا بعض المشكلات معهم. ونود أن نرى تقدما في هذه القضايا وإلا فبسبب ترامب ستؤدي (المشكلات) إلى انهيار الاتفاقية“.

طهران ترفض

الى جانب ذلك رفضت طهران تقديم أي التزامات إلى وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بشأن مسألة الصواريخ البالستية والدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما كان يريده الوزير في محاولة أوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي. وطلب وزير الخارجية الإيراني من لودريان أن تلعب أوروبا دورا بناء أكثر لحماية الاتفاق، في وقت يهدد الرئيس الأمريكي بالانسحاب منه وفرض عقوبات جديدة على إيران.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في ختام يوم من المحادثات في طهران أنه "لا يزال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي القيام به" بشأن البرنامج البالستي الإيراني والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وأتت تصريحات لودريان بعد أن رفضت إيران تقديم أي التزامات بشأن صواريخها البالستية ودورها في المنطقة، وهو ما كان يريده الوزير الفرنسي في محاولته لإنقاذ الاتفاق النووي مع إيران الذي تهدد واشنطن بالانسحاب منه.

وتابع "بشأن الاستمرار في الاتفاق النووي نحن متفقون، وأثبتنا ذلك لأننا ألغينا عقوباتنا وسمحنا باستئناف العلاقات التجارية بين فرنسا وإيران". وأضاف "علينا القيام بكل ما في وسعنا لكي يصمد هذا الاتفاق التاريخي". والتقى الوزير الفرنسي نظيره الإيراني محمد جواد ظريف والرئيس حسن روحاني والأميرال علي شمخاني الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي. وأضاف لودريان حول لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين الثلاثة "أطلعتهم على تساؤلات فرنسا حول هاتين المسألتين". وأضاف أن الجانبين تحدثا "بحرية" و"حزم" مضيفا أن "المحادثات كانت صريحة".

إلا أن ترامب يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2015، أحد أسوأ الاتفاقات التي وقعت عليها الولايات المتحدة. وأعطى ترامب الأوروبيين مهلة تنتهي في 12 أيار/مايو من أجل إصلاح "الثغرات الخطيرة" في الاتفاق وإلا فإن الولايات المتحدة ستنسحب منه وستعيد فرض العقوبات على إيران.

وتسعى فرنسا للحصول من طهران على تعهدات بشأن الحد من برنامجها البالستي وتدخلها في الشرق الأوسط، حيث تتهم باريس الجمهورية الإسلامية بانتهاج سياسة "هيمنة" في المنطقة. إلا أن السلطات الإيرانية تكرر القول منذ أشهر أنها لن تقبل التفاوض حول هذين الموضوعين مؤكدة أن لا تراجع في هذا المجال. وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن ظريف قال للودريان أن بإمكان أوروبا "لعب دور بناء أكثر لحماية" الاتفاق النووي عبر ممارسة "ضغوط على الولايات المتحدة لكي تلتزم بما تعهدت به".

وكان ظريف قد انتقد في مقابلة نشرتها صحيفة "اعتماد" الإصلاحية "التطرف" الذي تبديه دول الاتحاد الأوروبي حيال إيران "من أجل إبقاء الولايات المتحدة داخل الاتفاق حول النووي الإيراني". وحذر ظريف من أن هذا الموقف "سيلحق ضررا في نهاية المطاف بسياسة أوروبا". وكان لودريان قد أعلن قبيل توجهه إلى إيران في مقابلة مع صحيفة "جورنال دو ديمانش" الفرنسية أن لدى إيران "برامج بالستية يصل مدى صواريخها آلاف الكيلومترات الأمر الذي لا يتطابق مع قرارات مجلس الأمن ويتجاوز الحاجات الأمنية البحت لحماية حدود إيران" مضيفا أن طهران "ستتعرض لعقوبات جديدة" إذا لم "تعالج جذريا" هذه المشكلة.

وارتدى الأميرال شمخاني بزته العسكرية خلال لقائه الوزير الفرنسي، مع العلم أنه لا يرتديها عادة إلا لدى لقائه مسؤولين عسكريين. وأفاد بيان صادر في ختام هذا اللقاء أن شمخاني أعلن أن "تعزيز القدرات الدفاعية لإيران، وخصوصا القدرات البالستية تشكل ضرورة لا مفر منها في إطار سياسة الردع الإيرانية". وإذا كان لودريان وروحاني التقيا على ضرورة الإبقاء على الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، فإنهما كانا على خلاف كبير بشأن الوضع في سوريا. بحسب فرانس برس.

وبعد أن حذر لودريان من "مخاطر وقوع كارثة إنسانية" في سوريا وأيضا من "مخاطر انفجار إقليمي" أضاف "إننا مصممون على المساهمة في وقف الأزمة التي تتسع لكن إيران وروسيا على علاقة مباشرة بالنظام وهما بلدان قادران على التدخل بقوة". إلا أن روحاني اعتبر من جهته أنه "لا يوجد أي وسيلة لتسوية الأزمة السورية سوى تعزيز الحكومة المركزية في دمشق".

مفاعلات بحرية

في السياق ذاته أظهر تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أطلقت تحذيرا دبلوماسيا لواشنطن بطرحها احتمال بناء مفاعلات نووية للسفن، وأنها ظلت ملتزمة بالقيود المفروضة عليها بموجب الاتفاق النووي الموقع مع القوى العالمية الكبرى. ويعارض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق النووي الموقع في 2015 لأسباب منها أنه مقيد بفترة زمنية محددة ولأنه لا يشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وهدد بانسحاب بلاده منه ما لم يعمل حلفاؤها الأوروبيون على ”إصلاحه“ باتفاق آخر ملحق به.

ومنذ تولى ترامب السلطة قبل أكثر من عام، التزمت إيران بالقيود التي حددها الاتفاق على بنود تشمل مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، وذلك في مقابل رفع عقوبات اقتصادية صارمة فرضت عليها. وأظهر تقرير فصلي سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران لا تزال ملتزمة بالقيود الرئيسية المفروضة على أنشطتها النووية بموجب الاتفاق لكنها أبلغت الوكالة أيضا ”باتخاذ قرار بإنشاء وحدات دفع نووية بحرية في المستقبل“.

وأثارت إيران هذا الاحتمال من قبل. وأمر الرئيس حسن روحاني في 2016 ببدء التخطيط لتطوير وحدات دفع بحرية نووية ردا على ما وصفه بخروقات للاتفاق من جانب الولايات المتحدة. وكان روحاني يلمح إلى نقص المنافع الاقتصادية التي عادت على إيران من الاتفاق بسبب عزوف الكثير من المؤسسات، ومنها بنوك غربية كبرى، عن العمل في بلاده خشية مخالفتها عقوبات مالية أمريكية ظلت مفروضة بعد إلغاء عقوبات دولية أخرى.

وقال دبلوماسي كبير إن بيان إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يوضح إن كانت تشير لنفس بياناتها السابقة لكنه بدا ردا على تصريحات ترامب. وتابع قائلا ”رسميا، الأمر غير واضح. لكن بشكل غير رسمي، يدور تساؤل: لماذا الآن؟ من الواضح أن هناك صلة... باحتمال أن يكون مستقبل الاتفاق النووي نفسه محل شك“.

وأضاف أن الإشعار الذي قدمته الوكالة عن وحدات الدفع البحري يمكن أن يغطي نطاقا واسعا من الخطط خلال أي فترة زمنية، وهو ما يعني أن الأمر لا يدعو للقلق. وأفاد التقرير الذي اطلعت‭‭‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬‬‬عليه رويترز بأن الجمهورية الإسلامية لم تتجاوز القيود على مخزوناتها من اليورانيوم المنخفض التخصيب والماء الثقيل ولم تخصب اليورانيوم لمستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المئة مثلما ينص الاتفاق. بحسب رويترز.

وطلبت الوكالة من إيران ”المزيد من الإيضاحات والتفاصيل“ وأضافت أن اتخاذ قرار ببناء منشآت جديدة من أجل الدفع النووي البحري يتطلب تزويدها بمعلومات عن التصميم الأولي. وأشار التقرير إلى أن إيران لم ترد بعد على طلب الوكالة. ويأتي التقرير السري للوكالة بعد تصريح من نائب وزير الخارجية الإيراني يوم الخميس قال فيه إن طهران ستنسحب من الاتفاق إذا لم تحصل على مكاسب اقتصادية واستمر عزوف البنوك الكبرى عن العمل معها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0