أبرز الكثير من التحديات يواجهها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل الانتخابات الرئاسية التي ينتظر ان يعاد انتخابه خلالها لولاية ثانية، ولعل من أهم هذه التحديات هو الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه الشعب المصري، خصوصا وان شريحة واسعة من المصريين قد اكدت ان الإجراءات الإصلاحية التي وعدت بها الحكومة لتحسين الأوضاع لم تؤت ثمارها. وتعاني مصر منذ سنوات من ازمات ومشكلات امنية واقتصادية كبيرة دفعت السلطات في هذا البلد المهم، الى وضع خطط واجراءات متعددة من اجل معالجة بعض تلك الازمات، حيث أطلقت الحكومة وكما نقلت بعض المصادر، برنامجا للاصلاح الاقتصادي عام 2014 حصلت بموجبه مصر في 2016 على قرض بقيمة 12 مليار دولار على ثلاث سنوات من صندوق النقد الدولي. وتضمن البرنامج اجراءات لتعويم الجنيه. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2016، قرر البنك المركزي تعويم الجنيه ليرتفع الدولار من 8,8 جنيهات الى حوالى 17,5 جنيها حاليا. واضافة الى تعويم الجنيه، تضمن برنامج الاصلاح خفض دعم المحروقات وفرض ضريبة القيمة المضافة.

وتسبب تعويم العملة في موجة تضخم غير مسبوقة للاسعار بلغت ذروتها في تموز/يوليو 2017 حين سجّل المؤشر السنوي 34,2%، إلا أنه أخذ في الانخفاض وصولا إلى 17% بنهاية الشهر الماضي. ويعيش نحو 28% من سكان مصر (93 مليون نسمة) تحت خط الفقر وفقا للإحصاءات الرسمية.

وتقول عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة بجامعة القاهرة علياء المهدي إنه على الرغم من أن بعض اجراءات الحكومة إيجابية، الا ان قرار تحرير سعر الصرف كان "الاسوأ في تطبيقه" بسبب انعكاساته السلبية على المواطنين وما نتج عنه من ارتفاع الاسعار. وقالت "إذا كان تحسن الاقتصاد سيكون على حساب حالة وحياة المواطن فإن الهدف من برنامج الاصلاح لم يقابل".

أوضحت الخبيرة الاقتصادية انه يجب التركيز من جانب الحكومة على قطاعات "الصناعة والزراعة والخدمات لتقليل البطالة بشكل مستمر وحقيقي في حين أن المشروعات القومية لا تحتاج إلا عمالة مؤقته" تنتهي بانتهائها. وفي العام 2015، وبعد افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة اعلن السيسي عن مشروع العاصمة الجديدة على مساحة قرابة 170 كيلومترا مربعا ويفترض ان تدب بها الحياة تدريجيا ابتداء من العام القادم وتوفر الكثير من فرص العمل.

وقدّم السيسي في كانون الثاني/يناير الماضي ما أسماه ب"كشف حساب" عما تم انجازه في فترته الرئاسية الاولى واصفا ما تحقق على صعيد الاقتصاد ب"الطفرة غير المسبوقة". وقال السيسي "أنجزنا خلال أقل من أربع سنوات ونكاد ننتهي من إنشاء ما يقرب من 11 ألف مشروع (..) بتكلفة نحو 2 تريليون جنيه". واشار الرئيس المصري الى ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى نحو 37 مليار دولار مقابل 16 مليار دولار في 2014. كذلك اشار إلى انخفاض معدلات البطالة من 13,4% في 2014 إلى 11,9% حاليا. وأعلن صندوق النقد في وقت سابق أن نظرته المستقبلية للاقتصاد المصري "ايجابية" بعد استكماله المراجعة الثانية لبرنامج الإصلاح في البلاد. وتوقع الصندوق أن تحقق مصر معدل نمو اقتصادي بنسبة 4,8% خلال العام المالي الحالي الذي ينتهي في حزيران/يونيو مقارنة بـ4,3% تم تحقيقها العام المالي الفائت.

الطبقة الوسطى

وفي هذا الشأن استبدال السيارات الحديثة بأخرى أرخص، الحد من التسوق في متاجر البقالة مرتفعة الأسعار، والتخلي عن قضاء العطلات في الخارج، تلك بعض الاستراتيجيات التي يكتشفها المصريون من الطبقة الوسطى للنجاة من الغرق بعد أن ارتفعت تكاليف معيشتهم ارتفاعا فلكيا بسبب تحرير سعر صرف العملة قبل عام. وحررت مصر سعر الجنيه في نوفمبر تشرين الثاني 2016 في إطار حزمة قرض مع صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، وفقدت العملة نصف قيمتها مما تسبب في تدهور القوة الشرائية ودفع التضخم لمستويات قياسية مرتفعة تجاوزت 30 بالمئة هذا الصيف.

وقال أيمن، مالك إحدى محال بيع الكتب ”ارتفاع الأسعار غير الكثير... كنا نأمل في أمور جيدة من الرئيس السيسي.. هو رجل طيب وأنا انتخبته، لكننا لا نشعر بتقدم، كل ما يهمني هو أن يحصل ابني على حياة طيبة وبيت جيد“. وبالنسبة لأصحاب الأعمال مثل كريم، الذي يملك نشاطا تجاريا صغيرا في القاهرة، كان التغير صارخا. فقد ارتفعت فواتير الغذاء الشهرية من 1200 جنيه (67 دولارا) إلى 3200 جنيه (179 دولارا). ويعني ذلك أنه للمرة الأولى سيبدأ السعي لشراء الغذاء بأرخص الأسعار وأن يتخلى عن السلع الكمالية ويقلص استخدام السيارة كي يخفض الإنفاق على الوقود.

يعني ذلك أيضا أن يقوم بزيادة رواتب موظفيه للاحتفاظ بهم بل وبذل تضحيات كي يبقي أطفاله في المدارس. وقال ”الطبقة الوسطى لديها خياران، إما أن تنزلق إلى الطبقة الأدنى، وهو أمر من الصعب عليها القيام به، وإما أن تأخذ بزمام المبادرة... الجميع يحاولون أن يظهروا أنهم مازالوا في الطبقة الوسطى، يريدون أن يقنعوا أنفسهم بذلك“. وبالنسبة لآخرين، فالحفاظ على نمط حياة الطبقة الوسطى يعني السحب من المدخرات والتخلي عن المطاعم، أو حتى اللجوء إلى الأقارب للحصول على المساعدة لقضاء العطلات العائلية.

وقال إسلام عسكر مالك شركة مقاولات عن الطبقة الوسطى ”إنها تنقرض“ مضيفا ”لا توجد أسرة في مصر لم تتأثر سلبا بانخفاض الجنيه وزيادة الأسعار“. ويقول الاقتصاديون إن تآكل الطبقة الوسطى يبرز في أرقام مبيعات السيارات وانخفاض أسهم بعض شركات السلع الاستهلاكية وتدفقات السياحة إلى خارج البلاد. بحسب رويترز.

ويتأخر ترتيب السياسة عن الاعتبارات المالية بالنسبة للبعض مثل محمود العبادلي الذي يبحث عن أرخص سعر بين السيارات المعطوبة نتيجة حوادث في متجر لبيع السيارات المستعملة ويقول إن السيارة التي تبلغ قيمتها 300 ألف جنيه (17 ألف دولار) يمكن إصلاحها والحصول عليها بنصف ذلك السعر. وقال ”حين يقع حادث لسيارة، ينخفض سعرها... الجميع يسعون لهذا في الوقت الحالي لأنهم بحاجة للتوفير“.

مشاريع جدبدة

الى جانب ذلك قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن بلاده ستنفذ خلال السنتين أو الثلاث سنوات المقبلة مشروعا عمرانيا يتكلف مئة مليار جنيه (5.6 مليار دولار) في شبه جزيرة سيناء التي ينشط إسلاميون متشددون في شمالها. وبينما تتخلل منتجعات سياحية محافظة جنوب سيناء تعيش محافظة شمال سيناء وضعا اقتصاديا متراجعا وينقصها كثير من مشروعات البنية الأساسية والمشروعات التي توفر فرص العمل.

ومنذ 2013 تشهد شمال سيناء، التي تغلب عليها الصحراء والتي تمتد شرقا من قناة السويس إلى حدود إسرائيل وقطاع غزة، هجمات متكررة من جانب المتشددين تستهدف قوات الجيش والشرطة تقابلها القوات بحملات أمنية. وأمر السيسي الجيش ووزارة الداخلية بالقضاء على المتشددين بعد هجوم على مسجد في شمال سيناء قتل فيه أكثر من 300 شخص الشهر الماضي، وهو أسوأ هجوم شنه متشددون في تاريخ مصر الحديث.

وقال السيسي خلال احتفال أقيم يوم السبت في مدينة الإسماعيلية لافتتاح عدد من مشروعات التنمية في منطقة قناة السويس ”فيه (هناك) تكليف لوزارة الإسكان والهيئة الهندسية (للقوات المسلحة) لمشروع قومي وتخطيط عمراني متكامل سيتم تنفيذه خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة“. وأضاف أن المشروع سينفذ سواء بقي في الحكم أو انتخب غيره رئيسا.

ولم يذكر السيسي متى يبدأ المشروع أو مصادر تمويله أو تفاصيل المنشآت التي ستقام في نطاقه. وحول نشاط المتشددين الذين بايعوا تنظيم داعش في 2014 قال السيسي إن الجيش سيقاومهم ”بكل العنف“ مشددا على أن حماية أراضي البلاد يستحق التضحية من الجميع. وجاء هذا التصريح بعد أيام من هجوم وقع على مطار مدينة العريش عاصمة شمال سيناء خلال تفقد وزيري الدفاع والداخلية الوضع الأمني بالمدينة. وأعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم. بحسب رويترز.

وقال السيسي ”سيناء أرضنا“ مضيفا أن القوات المسلحة ستقاوم المتشددين ”بكل العنف... بكل العنف. أيوا بكل العنف... وسوف نضع حدا للإرهاب الموجود فيها“. وقال مشيرا فيما يبدو إلى هجوم المطار ”أنا عايز اطمنكم، اطمنوا تماما... لا تقلقوا ... زحمة الأحداث اللي تمت خلال الفترة اللي فاتت الناس قالت أيه الحكاية؟ لا لا.. حكاية أيه؟ احنا مستعدين نضحي من أول أنا.“ ومن بين المشروعات التي تفقدها السيسي أربعة أنفاق تحت قناة السويس قاربت على الانتهاء وأقيمت لزيادة ربط شمال سيناء بباقي البلاد.

الزيادة السكانية

على صعيد متصل يؤكد علي عبد العزيز المتحدر من صعيد مصر والذي يعمل خفيرا لبناية في القاهرة أنه غير مقتنع بدعوات تنظيم الاسرة التي تروج لها الحكومات المصرية المتعاقبة منذ عقود، لأن "الابناء عزوة والرزق يأتي من عند الله فهو من يمنح وهو من يأخذ". ولعبد العزيز عشرة أولاد. وهو يقيم بمفرده في القاهرة، بينما تعيش زوجته مع أبنائه في قريته الواقعة بالقرب من مدينة ملوي بمحافظة المنيا (220 كيلومترا جنوب القاهرة) حيث الحياة "كلفتها اقل بكثير ومختلفة عن حياة القاهرة"، بحسب قوله.

ويضيف "نحن نعيش في حدود قدراتنا المالية ولسنا معتادين على أكل اللحم والخضروات كل يوم مثل أهل القاهرة وانما نأكل اللحوم مرة واحدة اسبوعيا". ويتابع "الأبناء حماية، فهم من يتولون رعاية اهلهم ماديا وصحيا عندما يكبرون في السن". لكن مشكلة الزيادة السكانية في مصر تكاد تشكل قنبلة موقوتة مع تجاوز عدد المواطنين المئة مليون، ليصل الى"104,2 ملايين، منهم 94,8 مليونا بالداخل و9,4 ملايين بالخارج"، بحسب ما أعلن رسميا في ايلول/سبتمبر.

وبحسب تقرير للامم المتحدة صدر في أيار/مايو 2017، سيصل عدد سكان مصر في 2030 الى 119 مليونا. وبما ان 95 % من البلاد ذات طبيعة صحراوية، تتركز الكثافة السكانية تاليا على ضفاف نهر النيل. وفي 2016، وصلت الكثافة السكانية في العاصمة المصرية الى خمسين الفا في الكيلومتر المربع الواحد تقريبا، وبلغ عدد السكان فيها نحو عشرين مليونا. ويصف رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء اللواء ابو بكر الجندي معدلات الزيادة السكانية في مصر بانها "كارثة"، مشيرا الى أن "عدد المواليد يزيد عن مليونين و600 ألف كل عام". ويضيف "المشكلة ان ليس هناك وعي في المجتمع بأننا أمام مصيبة".

ويتابع ان معدل نمو السكان يزداد دائما بين "الافقر"، مشيرا الى ان "نسبة الفقر في مصر تبلغ 27,8 % وتزيد عن 50 % في بعض مناطق الصعيد". ويتابع "كلما زاد الفقر زاد معدل الإنجاب لأن الآباء يعتبرون الأبناء مصدر دخل وليس بندا للانفاق"، إذ يلقون بالأبناء منذ الصغر في سوق العمل مضيفا "هكذا فإن الفقير يأتي بفقير وتستمر الدائرة المفرغة". وقد وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مشكلة الزيادة السكانية بانها "تحدٍّ بنفس خطورة الارهاب".

وليست هذه المشكلة جديدة في مصر، البلد العربي الاكبر ديموغرافيا. فقد بدأت منذ سبعينات القرن الماضي مع تزايد معدلات النمو السكاني ما دفع المصريين الى اطلاق اسم "الصين الشعبية" على أحياء مثل بولاق الدكرور المكتظ بالسكان في الجيزة (جنوب العاصمة المصرية) حيث المباني السكنية متلاصقة، بينما يسير المارة والسيارات وراكبو الدراجات البخارية والتوك توك جنبا الى جنب في الطريق العام وسط اكشاك بيع الفاكهة والخضروات والحلويات والمرطبات وجميع انواع البضائع.

وتتبنى الحكومة المصرية شعار "2 كفاية" في إطار حملة لتنظيم الاسرة. وتسهم حملات التوعية الى حد ما في تراجع عدد الولادات، ولكن ليس بشكل كاف. وفي مركز تنظيم الاسرة في قرية أم خنان في محافظة الجيزة، تدافع هيام محمد بقوة عن قرارها الاكتفاء بثلاثة أطفال، "لا أريد لأبنائي ان يشعروا بالحرمان". واعتادت هيام وهي ربة اسرة في الثانية والثلاثين، شأنها في ذلك شأن الكثير من السيدات الاخريات في القرية، التردد على المركز مرة كل شهر للحصول على اقراص لمنع الحمل تقدمها وزارة الصحة مجانا. وتقول "لدي ثلاثة أطفال وساكتفي بهم حتى استطيع ان اوفر لهم حياة جيدة. فالتعليم أصبح مكلفا، والحياة اصبحت صعبة مع ارتفاع الاسعار. ولو أنني أنجبت خمسة أو ستة أطفال، فلن أتمكن حتى من توفير الغذاء لهم".

وتعبر مديرة مركز تنظيم الاسرة في المركز الطبيبة فردوس حامد عن ارتياحها لأن "درجة الوعي بين الاهالي هنا مرتفعة". وتقول إن "الأقبال يزداد" على وسائل منع الحمل "بسبب الظروف الاقتصادية"، في إشارة الى موجة الغلاء التي شهدتها مصر منذ تحرير سعر صرف العملة الوطنية قبل عام ما ادى الى ارتفاع التضخم ليصل معدله السنوي الى 33,26 % في ايلول/سبتمبر الماضي.

وتعتقد أستاذة أمراض النساء في كلية طب القصر العيني منى ابو الغار أن زيادة معدل المواليد يرجع الى "إهمال القيادة السياسية للموضوع منذ منتصف العقد الماضي". وتقول "المشكلة يجب ان تؤخذ بجدية أكبر ولا بد من حملات إعلامية مستمرة في الاذاعة والتلفزيون للتوعية بأهمية تنظيم الاسرة لكي تستطيع الدولة توفير الخدمات للناس". وتشدد على أهمية رعاية المسؤولين لهذه الحملة، وكذلك الازهر "لدحض الفتاوى الدينية التي تفيد بان تنظيم الاسرة مخالف لتعاليم الاسلام".

ولا يتردد الازهر في دعم الحملات الحكومية في هذا المجال. وقال وكيل الأزهر عباس شومان أخيرا إن "هناك مفاهيم مغلوطة حول القضية السكانية"، لافتًا إلى أن "الزيادة السكانية عبء على موارد الدولة وانطلاقها للتنمية". وأكد "أن تنظيم الأسرة حلال وليس حرامًا". ويحذر رئيس مركز "بصيرة" لاستطلاعات الرأي ماجد عثمان الخبير في المشكلة السكانية، من ان استمرار معدل الزيادة السكانية الراهن هو بمثابة "انتحار جماعي". بحسب فرانس برس.

ولكن اللواء الجندي يؤكد ان "أجهزة الدولة المختلفة بدأت في وضع البعد السكاني في اعتبارها"، مشيرا الى ان "الدعم النقدي (50 جنيها شهريا للفرد) الذي تقدمه وزارة التموين للفقراء بات مقصورا على اربعة افراد فقط في كل اسرة". ويضيف "كذلك الدعم النقدي الذي تقدمه وزارة التضامن الاجتماعي اصبح مربوطا ببقاء الاطفال في التعليم وعدم خروجهم من المدارس".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1