في كلمةٍ مقتضبة مساء الثلاثاء، أعقبت إقالته من منصب وزير الخارجية الأميركية، نقل ريكس تيلرسون صلاحياته إلى نائبه، على أن يغادر منصبه نهاية الشهر الحالي. تيلرسون الآتي من خارج عالم السياسة، لم يأتِ على ذكر الرئيس دونالد ترامب أو أسباب إقالته له، مكتفياً بتوجيه التحيّة إلى فريقه في الوزارة؛ وأكّد على ضرورة "ضمان الانتقال المنظّم والسلِس، في وقت لا تزال تواجه فيه البلاد تحدّيات كبيرة على صعيد السياسة والأمن القومي".

مسألة إقالة تيلرسون، لم تأت بين عشية وضحاها، خصوصاً أن وسائل الإعلام الأميركية، وعلى مدى أشهر، كتبت عشرات التقارير عن عزم ترامب استبدال وزير خارجيته، إلى أن أعلن الرئيس ذلك بتغريدة صباحية، أقال فيها تيلرسون وعيّن المدير الحالي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، مايك بومبيو، مكانه، كما عيّن بديلاً عنه جينا هاسبل على رأس وكالة الاستخبارات المركزية، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

في تغريدته، كتب ترامب: "مايك بومبيو مدير الاستخبارات المركزية سيصبح وزير خارجيتنا الجديد. سيقوم بعمل رائع!". أضاف: "جينا هاسبل ستصبح المديرة الجديدة للاستخبارات المركزية وأول امرأة يقع الاختيار عليها لهذا المنصب. تهانيَّ للجميع!". وفي تغريدته، شكر ترامب تيلرسون، إذ قال: "أخيراً، أريد أن أشكر ريكس تيلرسون على خدمته. لقد تمّ تحقيق الكثير خلال الأشهر الـ14 الماضية، وأتمنى له ولعائلته الخير".

اهانة لامريكا

الصحافة الامريكية غطت قضية اقالة تيلرسون بكثافة، بين معترض على نمو ديكتاتورية "ديمقراطية" واخر على طريقة توحي بانهيار قيم امريكا المعتمدة على البناء المؤسساتي، فقد قالت صحيفة الواشنطن بوست إن إقالة وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، من قبل الرئيس دونالد ترامب عبر تغريدة على تويتر "مثلت إهانة للدبلوماسية الأمريكية".

وأوضحت الصحيفة في افتتاحيتها أن تيلرسون كان وزيراً "ضعيفاً"، فالمسؤولون النفطيون المخضرمون لم يدركوا أبداً أساسيات الدبلوماسية، ومن ذلك أهمية الاتصال العام، فقد أضر تيلرسون بشدة بوزارة الخارجية، وتجاهل مهنيتها، فقد غادر العشرات من الموظفين أثناء عملية إعادة التنظيم التي لم تكن موفقة، كما أنه تجاهل المبادئ الأمريكية من خلال التقليل من شأن حقوق الإنسان، وثبت أنه مفاوض غير فعال، سواء مع حلفاء الولايات المتحدة في دول الخليج أو مع خصومها مثل روسيا.

ولكن مع ذلك، فلا يبدو أن أياً من تلك النقاط التي سجلت على تيلرسون كانت سبباً لإقالته من خلال تغريدة للرئيس ترامب، الثلاثاء، التي شكلت الإهانة الأخيرة التي وجهها ترامب لكبير الدبلوماسية الأمريكية، بحسب الصحيفة.

لم يكن تيلرسون- تتابع "واشنطن بوست"- يسير بنفس النسق مع ترامب في السياسة الخارجية، فقد عارضه في ملفات عدة، منها إبطال الاتفاق النووي مع إيران ومعاهدة باريس للمناخ، كما عارضه في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وعندما تحدث تيلرسون عن أهمية أن تُعطى الدبلوماسية فرصتها للتفاوض بخصوص كوريا الشمالية، قال ترامب، في تغريدة له، إن ذلك مضيعة للوقت، وبينما كان تيلرسون يرى أن التفاوض مع كوريا الشمالية قد يكون بعيد المنال، خرج ترامب ليوافق على عقد قمة مع الرئيس الكوري الشمالي.

صقر الكراهية

في الجانب الاخر وصل "الصقر" مايك بومبيو إلى قيادة دفة الدبلوماسية الأمريكية، لكن هذا الرجل ليس مجرّد دبلوماسي أو سياسي، بل صاحب أيديولوجيا "متطرّفة" ستضع بصماتها على السياسة الخارجية لبلاده.

ويُعتبر بومبيو من صقور التيار المناوئ لموسكو، وقد حذّر في السابق من أن بوتين "زعيم خطر"، فضلاً عن كونه معارضاً شرساً للاتفاق النووي مع إيران؛ الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، كما يجاهر بالعداوة لتركيا، وهو ما يهدّد مستقبل علاقات بلاده مع الدول الثلاث.

وصرح بأن بعض رجال الدين الإسلامي شجعوا على الهجمات الإرهابية. وقال "عندما تكون غالبية الهجمات الإرهابية المدمرة التي تعرضت لها أميركا في الأعوام الـ20 الأخيرة من أناس يعتنقون ديناً معيناً، وقاموا بالهجمات باسم ذلك الدين، فإن هناك التزاماً خاصاً يقع على الزعماء الروحيين لذلك الدين. وبدلاً من أن يردوا على تلك الأفعال، فإن صمت تلك القيادات الإسلامية في أنحاء أميركا يجعلهم ضمناً متواطئين".

خلال توليه منصبه كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية، طابق بومبيو لهجة تصريحات السياسة الخارجية لترامب. وقال "كي تكون وكالة الاستخبارات المركزية ناجحة، يجب أن تكون هجومية وقاسية وأن تعمل من دون رحمة وبلا هوادة". وسبق أن مازح بشأن اغتيال الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

وحاز بومبيو على ثقة ترامب في الموجزات اليومية للأمن القومي، إذ تكيّف مع نفور الرئيس من قراءة التقارير الطويلة عبر تحضير المعلومات الاستخباراتية في رسوم بيانية مبسطة حول المخاطر والتهديدات الدولية.

بعد اختياره، عبّر بومبيو عن امتنانه لترامب، وقال في بيان: "أنا ممتنّ جداً للرئيس ترامب للسماح لي بالخدمة كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية، ولهذه الفرصة (التي أتاحها لي) للعمل كوزير للخارجية". وأضاف: "قيادته جعلت أميركا أكثر أمناً وأتطلّع قدماً لتمثيله والشعب الأميركي أمام باقي العالم، من أجل تحقيق المزيد من الازدهار الأميركي".

ملكة التعذيب

وللمرة الأولى في تاريخ الاستخبارات الأمريكية، تقود سيدةٌ الجهاز الاستخباراتي الأقوى في العالم، بعد قرار الرئيس دونالد ترامب، الثلاثاء 13 مارس 2018، تعيين جينا هاسبيل خلفاً لمايك بومبيو، الذي تمت ترقيته ليكون وزيراً للخارجية.

وتطلق الصحافة الأمريكية على هاسبيل اسم "المرأة المرعبة"؛ وذلك لدورها في الإشراف على البرامج السرية للـ"CIA". انضمت هاسبيل، المخضرمة في عمليات التجسس السرية، إلى وكالة الاستخبارات عام 1985، وعملت في عدة مواقع حول العالم، بينها سفارة واشنطن في لندن، وتقلدت العديد من المناصب داخل الاستخبارات الأمريكية.

كما حصلت هاسبيل على جائزة التميز في مكافحة الإرهاب من قِبل الرئيس جورج دبليو بوش، وجائزة دونوفان، وميدالية الاستحقاق في الاستخبارات من الفئة الرئاسية، وجائزة الرتبة الرئاسية.

عُيِّنت جينا هاسبيل، (61 عاماً)، في عام 2013 مديرةً للخدمة الوطنية السرية، التي تُعد الذراع السرية لوكالة الاستخبارات، إلا أنه تم استبدالها بعد عدة أسابيع، نتيجة الجدل بشأن دورها في عمليات التحقيق التي اعتُمدت بعد هجمات سبتمبر والتي استُخدمت فيها تقنيات تعذيب مثل الإيهام بالغرق، وفقاً لتقارير صحفية صدرت حينها.

آخر المناصب التي شغلتها، كان عندما اختيرت في فبراير عام 2017، لمنصب نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية من قِبل الرئيس دونالد ترامب.

وكان بومبيو قال عند تعيينها لتكون المسؤول الثاني في الوكالة: "إن جينا جاسوسة مثالية ووطنية مخلصة، تملك أكثر من 30 عاماً من الخبرة في الوكالة، وهي أيضاً قيادية محنّكة مع قابلية ممتازة للقيام بالمهام ودفع من يحيطون بها".

ملاحقة اوربية

وبعد تعيينها أول مديرة لوكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عادت إلى الأضواء من جديد، مطالبات حقوقية، بملاحقة جينا هاسبل، على خلفية إدارتها سجناً سرياً في تايلاند، وتعذيب معتقلين.

فقد دعا المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، ومقره برلين، المدّعين الفيدراليين الألمان، إلى إصدار مذكرة توقيف بحق هاسبل، وذلك منذ تعيينها في منصب نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، في 2 فبراير/شباط 2017.

وضغط المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، في البداية، من أجل إصدار اتهامات ضد عملاء غير معروفين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، في ديسمبر/كانون الأول 2014، بعد أن نشرت لجنة معينة في مجلس الشيوخ الأميركي، تقريرها حول برنامج الاعتقال والاستجواب لدى "سي آي إيه".

هوية مكشوفة

وعلى الرغم من أنّها كانت عميلة سرية في ذلك الوقت، إلا أنّ تعيين هاسبل في منصب نائب مدير "سي آي إيه"، أمكن من تحديد هويتها.

وقدّم المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، في يونيو/حزيران 2017، رسالة إلى المدعين العامين، نشرت على موقع المجموعة على الإنترنت، وجاء فيها: "يمكن الآن نسب بعض الأحداث المعروفة بالفعل لها (هاسبل)". وأكدت متحدثة باسم المدعي العام الاتحادي، لقناة "دوتشي فيله" الألمانية، أنّها تلقّت الرسالة، وقالت إنّه سيتم تقييمها بعناية.

وقال ولفغانغ كاليك، الأمين العام للمركز الأوروبي لحقوق الإنسان، لقناة "دوتشي فيله" الألمانية، إنّه "يجب علينا دائمًا أن نحاول إيجاد زاوية أو حافز جديد للسلطات القضائية". وأضاف أنّ "المثير للاهتمام حول هاسبل، هو المقارنة بين المعروف حالياً عن حياتها المهنية، وذكر أنشطتها في تقرير التعذيب".

وما يجعل قضية هاسبل أكثر إثارة للاهتمام، بالنسبة للمركز الحقوقي، هو أنّها بحكم منصبها، من المتوقع أن تسافر إلى أوروبا، الأمر الذي قد يجعلها في موقف حرج إذا كانت هناك مذكرة توقيف أوروبية بحقها.

وقال ولفغانغ كاليك، الأمين العام للمركز الأوروبي لحقوق الإنسان إنّ "هذا يجعلها بمعرض عن الحصانة. قد تخضع لإجراءات المقاضاة، ونريد من المدعين العامين أن يكونوا مستعدين".

ورفع المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، اتهامات إلى مدعين عامين في عدة بلدان أوروبية، من قبل، عندما تمكّن من تحديد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية بالاسم، ونجح، في بعض الأحيان، في إصدار أمر اعتقال ضدهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1