تتوارد الاخبار عن زيادة النشاط الالماني في المجال العسكري، بداية من تعزيز قدرات الجيش في الداخل نتيجة مخاوف جدية من تخلي امريكا عن حمايتها او ابتزازها حيث سياسات ترامب الغامضة، وتوسع برلين قدراتها على المستوى الخارجي عبر بيع السلاح لزبائنها بالشرق الاوسط او فتح اسواق جديدة.

حلف الناتو هو الطريق الاسهل لتحشر المانيا نفسها في سكة سباق استعراض القوة المتصاعد خلال السنوات الاخيرة، اذ لوحظ ازدياد النشاط الالماني وبشكل لافت اثار الكثير من التساؤلات حول مستقبل الجيش الالماني وسيناريوهات الحرب الباردة الثانية.

تنفق ألمانيا حاليا 1.2 بالمائة من إجمالي ناتجها المحلي على القطاعات الدفاعية، علما أن الهدف المحدد لدول حلف شمال الأطلسي هو 2 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي. ولا تلحظ خطة الحكومة المقبلة لميركل سوى زيادة طفيفة ترفع هذه النسبة إلى 1.5 بالمائة حتى 2021. ويقول دبلوماسيون إن تراخي ألمانيا في هذا المجال يثير توترات مع فرنسا لا سيما في ما يتعلق بمشاريع الدفاع عن أوروبا. وجعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه النقطة التي أسماها "أوروبا الدفاع" إحدى أولويات مشروعه لإعادة إحياء أوروبا.

وانتقدت رابطة الجيش الألماني أوجه القصور في تسليح الجيش، مطالبة بتحسين إمداداته بالسلاح والعتاد، وقال رئيس الرابطة أندري فوستنر في تصريحات سابقة لشبكة "إيه آر دي" الألمانية الإعلامية إنه يتعين إجراء تحسينات في توفير الذخائر والعتاد للجيش والإسراع في تنفيذ ذلك. ولكن المفتش العام للجيش الألماني، فولكر فيكر، نفى هذه التقارير. وقال في برلين إن القوات الألمانية مسلحة بالقدر الكافي للإيفاء بالتزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمهام التي تشارك فيها. وأضاف فيكر أن الجنود الألمان يقدمون خدمة ممتازة، وقال: "لم يتردد على مسامعي سواء في ألمانيا أو من حلفائنا أي شكاوى". ولكنه أقر بأن جاهزية الجيش لا تزال غير مرضية، موضحا أنه تم وضع خطة تنموية تمتد لعام 2030 لسد القصور في الجيش.

قد يبدو للوهلة الاولى ان عملية تسليح الجيش الالماني وما يترتب عليها تتعلق بمواجهة الاخطار الخارجية وتحديدا في اطار سباق التسلح الجديد الذي اطلقه الغرب لمواجهة روسيا والصين، الا ان برلين لديها مشاريع اخرى وهو ما يجعلها بحاجة لاعادة النظر في الكثير من القضايا الداخلية والخارجية وفق متطلباتها الوطنية تحديدا.

العراق ميدان للنفوذ

تقول الحكومة الالمانية انها تقدم برنامجا خاصا لدعم الجيش العراقي عبر دورات تدريبية تتعلق بإزالة مخلفات الحرب وشفافية البنى القيادية للجيش والخدمات الطبية والصحية واللوجستية، حسب معلومات القناة الأولى للتلفزيون الألماني "ARD". فيما لا يزال التعاون في هذا المجال مستمراً بين مدربين من الجيش الألماني والبيشمركة الكردية في شمال العراق.

وإلى جانب استمرار المشاركة في القتال مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش"، تضع ألمانيا أمر تقوية الجيش العراقي المركزي ودعمه في صلب مهمات الجيش الألماني في العراق. ويجري الحديث بشكل خاص عن "دورات تدريبية متخصصة" تهدف إلى إعداد مدربين محليين لمواصلة تدريب بقية وحدات الجيش العراقي إلى جانب إجراءات تدريبية تهدف إلى إعادة بناء القدرات القتالية والتنظيمية للجيش العراقي والقوات الأمنية الأخرى التابعة للحكومة المركزية في بغداد.

الهدف: إعداد جيش لعموم العراق

من جانبها وخلال زيارتها الأخيرة للعراق مطلع شهر شباط/فبراير أكدت وزير الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين على المهمات اللوجستية والصحية بشكل خاص. وبالإضافة إلى ذلك يكون من مهمات الجيش الألماني المستقبلية في العراق أن يلعب دوراً استشارياً فيما يخص بناء البنى القيادية الشفافة للجيش العراقي. بحسب تقرير لموقع دويتشة فيلة الالماني.

في هذا السياق صرحت الوزير فون دير لاين بالقول: "طلبت بغداد وأربيل أيضاً منا أن نساعد على تطبيق إصلاحات ضرورية، منها ما يخص بإعادة ترتيب شؤون وزارة الدفاع وتوسيع الهيكل التنظيمي للوزارة"، حسب قول الوزيرة. وأضافت الوزيرة أن العراقيين طلبوا مساعدات في الجانب اللوجستي أيضاً. وقالت الوزير في هذا السياق إنها "طلبات تخص عناصر استقرار على المدى البعيد تساعد على وضع العراق في المستقبل كي يكون قادراً على امتلاك جيش قوي وذي قدرات قتالية عالية وموال للدولة. وهو أمر تعتزم ألمانيا المساهمة فيه".

يشار إلى أنه وقبل التعديل الحالي على نص مهمة الجيش الألماني في العراق أن نقاشاً ساخناً كان يدور حول جدوى المهمة الألمانية في العراق على المدى البعيد. في هذا السياق كان للسياسي من حزب الخضر والخبير بالشؤون الخارجية في كتلة الحزب البرلمانية أوميد نوريبور رأي مفاده: "الهدف يجب أن يكون في نهاية المطاف وحدة البلد الداخلية".

وأضاف نوريبور في حديث مع إذاعة "دويتشلاندفونك" "يجب أن تكون عملية إصلاح للقطاع الأمني للبلد بحيث لا يكون هناك في النهاية، مثل تشكيلاً سنيا بحتاً أو شيعياً بحتاً أو كردياً بحتاً، بل يجب أن يكون التشكيل الأمني عراقياً بحتاً"، وإذا حدث ذلك، فسيكون ذلك بمثابة "خطوة كبيرة إلى الأمام".

التعاون مع الأكراد

وتشكل التطورات على مضمون إطار المهمة التي صادقت عليها الحكومة الألمانية تغييراً كبيراً في مهمة الجيش الألماني في المنطقة والذي كان سائداً لحد الآن. ورغم أن مشاركة ألمانيا في مهمة القوات الدولية لمكافحة "داعش"، كالطلعات الجوية الاستطلاعية وتزويد الطائرات بالوقود من الجو ستبقى كما كانت لحد الآن، لكن مهمة الجيش الألماني في شمال العراق والذي كان يتمثل بتدريب قوات البيشمركة الكردية ستنتهي بحلول الثلاثين من حزيران /يونيو المقبل.

ويبقى السؤال وفي إطار التغييرات على إطار مهمة الجيش الألماني في العراق عن حجم نشاط الجيش الألماني في المنطقة الكردية بشمال العراق في المستقبل. فهناك حديث عن ضرورة توازن مناسب ما بين الحكومة المركزية في بغداد والمنطقة الكردية بشمال البلاد. لكن الجملة التي تليها تلغي هذا الهدف، حسب معلومات القناة الأولى للتلفزيون الألماني "ARD" ، حيث تشير المعلومات إلى أن الحكومة الألمانية تضع مهمة زيادة قدرات القوات العسكرية العراقية المركزية على رأس الأولويات فيما يخص نشاط الجيش الألماني في العراق وفي المنطقة.

ولا يمكن اعتبار أن في الأمر تناقضاً بالضرورة. ففي نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي أجرى الرئيس السابق للإقليم الكردي مسعود بارزاني استفتاء غير ملزم قانوني بشأن انفصال الإقليم عن العراق، وصوت أكثر من 90% من أكراد المنطقة لصالح الاستفتاء، إلا أن المحكمة العراقية العليا اعتبرت الاستفتاء غير قانوني. ورغم ذلك تم إجراء الاستفتاء، مما دفع بالمحكمة العليا العراقية إلى إلغاء النتيجة. وفي الأول من تشرين الثاني/نوفمبر قدم مسعود بارزاني استقالته من منصبه. وفي تشرين الأول/ أكتوبر تم وقف نشاط الجيش الألماني التدريبي في المنطقة الكردية لفترة قصيرة.

تصورات كردية متحفظة

ويقول هينر فورتيغ، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط "GIGA" في هامبورغ في لتصريح لموقع DW "إنه ومنذ انتهاء أزمة الاستفتاء باتت العلاقة بين منطقة الحكم الذاتي والحكومة المركزية تشهد نسبياً نوعا من الانفراج". ويضيف الباحث الأكاديمي "أنه ومنذ ذلك الوقت لا يبدو أن الأكراد لديهم طموح واضح للمستقبل القريب في الانفصال، فبعد النهاية الكارثية للاستفتاء لا توجد مؤشرات على محاولة الانفصال عن الدول العراقية".

وكل ما يطمح إليه الأكراد حالياً هو العودة إلى ما كانوا يتمتعون به قبل الاستفتاء من مزايا الحكم الذاتي. ويقول فورتيغ في هذا السياق: "للأكراد برلمان خاص بهم وعملياً يحكمون أنفسهم بأنفسهم، وتمكنوا بشكل قانوني من تصدير النفط. كما لهم قوات عسكرية لحماية الحدود ومع البيشمركة يملك الأكراد عمليا جيشاً خاصاً بهم. ويسعى الأكراد حالياً إلى الحفاظ على هذه المكتسبات القديمة مع السعي المستمر لتوسيعها، حسب تعبير هينر فورتيغ.

الجيش الألماني كجسر بين بغداد وأربيل

يعرف إطار المهمة الألمانية في العراق قوات البيشمركة الكردية وبشكل لا يقبل اللبس بأنها جزء من "القوات العراقية النظامية". شكلياً يمكن اعتبار التعريف صحيحاً، رغم أن البيشمركة الكردية لم تحصل على رواتبها النظامية منذ سنوات من الحكومة المركزية في بغداد. وفي زيارتها للعراق مطلع شباط/فبراير المنصرم تحدثت وزير الدفاع فون دير لاين عن دور ألماني لبناء الجسور بين بغداد وأربيل.

ولم يستبعد تقرير دويتشة فيلة أن يلعب الجيش الألماني من خلال مهمته في العراق دوراً كبيراً في مساعي التقارب بين القوات الكردية وبقية القوات العسكرية العراقية. في نفس الوقت يمكن للتعريف الجديد للمهمة الألمانية أن تعمل من أجل تقريب الأكراد من بقية الدول الأوروبية.

الأكراد والغرب.. تقارب وخيبة أمل

ولدى المانيا انحياز واضح نحو تفضيل الاكراد على الجيش العراقي الذي ينظر بنوع من الريبة، اذ اذ يرى الخبير فورتيغ ان الاكراد لهم خبرة فيما يخص التعاون مع الغرب. ويضيف لقد عبر الأكراد في الماضي أكثر من مرة عن رغبتهم في التقارب مع الغرب وقاموا بنشاط مشترك أيضاً في هذا المجال، لكن الغرب أحبط الأكراد أكثر من مرة بعد أن كانوا قد علقوا آمالهم عليه.

وصارت لدى الاكراد قناعة بأن عملاً مشتركا مع الغرب على مدى سنوات طويلة ممكناً. كما شعر الأكراد بغبطة كبيرة عندما زودتهم ألمانيا بالسلاح لحماية الإيزيديين في حينها. في هذا السياق يقول الخبير فورتيغ "يجب مواصلة السير على خطى التعاون وبهذا الاتجاه"

توسيع المهمام مرفوض

لكن القرارات التي تصدر من الجهات العليا لا تلقى ردود فعل ايجابية من عناصر الجيش الالماني فقد دعت مجموعة من الجنود الالمان الى الانسحاب من العراق وذلك اعتراضا على مخطط لتوسيع مهمة بلادهم في العراق.

وقال متحدث باسم المجموعة التي تحمل اسم "دارمشتيتر زيجنال"، فلوريان كلينج، في تصريحات لإذاعة جنوب غرب ألمانيا حول ما إذا كان الجيش الألماني بإمكانه القيام بهذه المهمة: "لا، ليس بإمكانهم القيام بها. ليس لدينا حتى الطائرات التي تنقل جنودنا إلى هذه المهمة. الوضع مضطرب فيما يتعلق بالكوادر البشرية والعتاد على نحو يجعل الجيش الألماني على حافة الانهيار".

وأضاف كلينج: حيثما تتحرك القوات فإن هناك خطورة للسقوط في فخاخ تفجيرية والتعرض لهجمات. هذا الأمر برمته قد ينتهي على نحو سيء.

وأوضح كلينج أنه بدلاً من توسيع المهمة ينبغي للجيش الألماني التفكير في الانسحاب من العراق، وقال: "الفوضى في العراق أحدثها الأمريكان، وهم المسؤولن عنها. لدينا مسؤوليات كثيرة أخرى، مثل المهمة في مالي وأفغانستان. وأرى هذه المهمة أكثر جدوى بوضوح".

ومن المخطط أن يقرر مجلس الوزراء الألماني تمديد ست مهام خارجية للجيش وبررت وزيرة الدفاع الألماني أورزولا فون دير لاين، المهام الخارجية التي يشارك فيها الجيش الألماني في أفغانستان والعراق لدحر المتطرفين، مطالبةً بمزيد من الأموال للجيش الألماني.

اضف تعليق