الاحتجاجات الشعبية الواسعة المناهضة للحكومة التي شهدتها ايران منذ عدة أيام، واجتذبت بحسب بعض المصادر، الكثير من الشباب والعمال وأسفرت عن مقتل عدد من المواطنين، فضلا عن أبناء الطبقة المتوسطة المتعلمين الذين شكلوا ركيزة احتجاجات مؤيدة للإصلاح قبل نحو عام. الاحتجاجات الحالية التي تعد الأخطر منذ عام 2009 التي اندلعت بعد إعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للبلاد، عدها البعض رسالة مهمة الى أصحاب القرار في هذا البلد تعوهم الى ضرورة الإسراع بإصلاح الوضع الداخلي ومعالجة المصاعب الاقتصادية والقضاء على الفساد وغيرها من الملفات الاخرى التي أضرت كثيرا بالشعب الايراني خصوصا في السنوات الاخيرة، حيث اكدت بعض التقارير إن البطالة تعد من القضايا الكبرى في إيران مع نسبة 25 في المائة من خريجي الجامعات عاجزون عن العثور على عمل لمدة بلغت 4 سنوات بعد التخرج. وتقول الإحصاءات الرسمية إن معدلات البطالة تقترب من 12 في المائة، وعندما يتعلق الأمر بالمناطق الحضرية الكبرى فإن المعدلات ترتفع عن ذلك بكثير.

ثم هناك مشكلة التضخم، الذي بلغت نسبته 13 في المائة على أساس سنوي، ويسبب التآكل الشديد في الدخول الضئيلة للأسر المتوسطة في البلاد. ومما يزيد الأمور سوءاً انتشار الفساد والاختلاس على نطاق كبير وواسع، يضاف الى ذلك الصراعات السياسية والحزبية التي اسهمت كثيرا في عرقلة الإصلاحات الحكومية لحسن روحاني، الذي انتقد ايضا طريقة ادارة البلاد في ظل التطورات الحاصلة، فيما اكد خصومه ان ما حصل هو مؤامرة خارجية تهدف الى ضرب ايران من الدخل.

وقال الحرس الثوري الإيراني إن الشعب وقوات الأمن تمكنوا من إخماد اضطرابات أثارها أعداء أجانب في حين اجتمع البرلمان مع مسؤولين أمنيين لبحث أخطر تحد للمؤسسة الدينية منذ 2009. وشهدت إيران اضطرابات استمرت نحو أسبوع قتل فيها 22 شخصا وألقي القبض على أكثر من 1000 وفقا لما قاله مسؤولون إيرانيون. وامتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 80 مدينة وبلدة في الريف وشارك فيها آلاف من الشبان وأبناء الطبقة العاملة الغاضبين من الفساد والبطالة والفجوة الآخذة في الاتساع بين الفقراء والأغنياء.

وقال الحرس الثوري في بيان نشر على موقعه الإخباري على الإنترنت (سباه نيوز) ”الشعب الثوري الإيراني وعشرات الآلاف من قوات الباسيج والشرطة ووزارة الاستخبارات كسروا سلسلة (الاضطرابات) التي صنعتها... الولايات المتحدة وبريطانيا والنظام الصهيوني والسعودية والمنافقون ومؤيدو الملكية“. وقال التلفزيون الرسمي إن البرلمان عقد جلسة مغلقة لمناقشة الاضطرابات مع وزيري الداخلية والاستخبارات وقائد الشرطة ونائب قائد الحرس الثوري. ومع تراجع الاحتجاجات رفعت الحكومة القيود التي فرضتها على تطبيق إنستجرام وهو أحد مواقع التواصل الاجتماعي التي استخدمت في حشد المحتجين.

أسباب الاحتجاجات

وفي هذا الشأن قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن المحتجين الإيرانيين الشبان ليسوا راضين عن أمور عديدة من بينها الاقتصاد وإنهم لن يصبروا على آراء ونمط معيشة تبناه جيل ثوري سابق. كما دعا الرئيس روحاني، الذي هزم مرشحين محافظين مناهضين للغرب وفاز في الانتخابات العام الماضي، إلى رفع القيود المفروضة على وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها المحتجون المناهضون للحكومة وذلك في أصعب تحد تواجهه السلطات المتشددة منذ عام 2009.

ونقلت وكالة تسنيم للأنباء عن روحاني قوله ”سيكون تحريفا (للأحداث)، وكذلك صفعة للشعب الإيراني، القول إن مطالبه كانت اقتصادية فقط“. وأضاف ”الشعب له مطالب اقتصادية وسياسية واجتماعية“. وقال روحاني (69 عاما) إن عنصر الفجوة بين الأجيال مرتبط بالاضطراب الذي وقع ويبدو أن من قام به شبان دون الخامسة والعشرين من العمر. وقال ”لا يمكن أن نختار نمط معيشة ثم نطالب جيلا جاء بعدنا بجيلين بقبوله. هذا مستحيل... آراء جيل الشباب عن الحياة والعالم مختلفة عن آرائنا“.

وقال الحرس الثوري الإيراني، الذي يمثل عصب جهاز الأمن الإيراني منذ ثورة عام 1979، إن قوات الأمن قضت على اضطرابات استمرت أسبوعا غذاها من وصفهم بأعداء خارجيين. وبدأت الاحتجاجات على الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها الشباب والطبقة العاملة وامتدت إلى أكثر من 80 مدينة وقال مسؤولون إيرانيون إن 22 قتيلا سقطوا خلالها وألقت السلطات القبض على أكثر من ألف شخص.

وقال حميد شهرياري مساعد رئيس السلطة القضائية إنه تم التعرف على كل قادة حركة الاحتجاجات واعتقالهم وإنهم سيعاقبون عقابا شديدا وربما يواجهون عقوبة الإعدام. وقال مشرعان إيرانيان إن معتقلا عمره 22 عاما لقي حتفه في السجن. وأكد مدير السجون مصطفى محبي نبأ الوفاة على الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة القضائية قائلا إن المعتقل ”شنق نفسه داخل دورة مياه “. وكان كثير من المحتجين انتقدوا سياسة إيران الخارجية في منطقة الشرق الأوسط حيث تدخلت في سوريا والعراق في معركة على النفوذ مع المملكة العربية السعودية.

وأثار الدعم المالي الذي تقدمه إيران للفلسطينيين وجماعة حزب الله الشيعية اللبنانية أيضا غضب الإيرانيين الذين يريدون أن تركز الحكومة جهودها على المشاكل الاقتصادية المحلية. وكان روحاني فاز بفترة ولاية ثانية العام الماضي بإطلاق وعود للناخبين عن توفير المزيد من الوظائف للشباب الإيراني من خلال جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية والحريات الفردية والتسامح السياسي وكلها أهداف شكك فيها منافسه الرئيسي في سباق الانتخابات.

وردد روحاني بعضا من العبارات التي تميزت بها حملته الانتخابية فقال إنه يجب السماح للمواطنين بانتقاد جميع المسؤولين الإيرانيين دون استثناء. ووجه المتظاهرون غضبهم في البداية إلى الأسعار المرتفعة وما يتردد عن الفساد، غير أن الاحتجاجات أخذت منعطفا سياسيا نادرا ما تشهده إيران إذ دعا عدد متزايد من الناس إلى تنحى الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي. والزعيم الأعلى هو القائد العام للقوات المسلحة كما أنه يعين رؤساء الهيئات القضائية. ويتم اختيار الوزراء الرئيسيين بموافقته كما أن له القول الفصل في السياسة الخارجية الإيرانية. وفي المقابل يتمتع الرئيس بسلطات قليلة.

وقال روحاني ”لا أحد بريء. وللناس انتقاد الجميع“. كما رفض روحاني الدعوات التي يطلقها رجال الدين المحافظون الذين طالبوا الحكومة بمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل بشكل دائم. ومع انحسار الاحتجاجات رفعت الحكومة القيود التي فرضتها على تطبيق انستجرام أحد الأدوات المستخدمة في تعبئة المحتجين. غير أن تطبيق تلجرام الأكثر استخداما لا يزال محجوبا. وكانت الحكومة قالت إن القيود مؤقتة.

وقال روحاني ”استخدام الناس لوسائل التواصل الاجتماعي يجب ألا يقيد بصفة دائمة. ولا يمكن أن نتصف باللامبالاة حيال حياة الناس وأعمالهم“. ونقلت صحيفة (دنياي اقتصاد) الإيرانية اليومية عن مرتضى موسويان مدير تكنولوجيا المعلومات في وزارة الثقافة قوله إن 9000 شركة تأثرت بحظر تطبيق تلجرام. ويستخدم نصف المواطنين الإيرانيين، وعددهم 80 مليون نسمة، تطبيق تلجرام. بحسب رويترز.

وعرض التلفزيون الإيراني صورا لمسيرات أخرى مؤيدة للحكومة في عدة مدن من بينها سنندج في غرب البلاد رفع فيها المشاركون صورا للزعيم خامنئي ورددوا هتافات التأييد له. ونشرت معصومة ابتكار نائبة الرئيس الإيراني تغريدة على تويتر قالت فيها إن روحاني يصر على ضرورة الإفراج عن كل الطلبة المعتقلين. وقال وزير التعليم محمد بطحائي إن كثيرين من التلاميذ بين المعتقلين وإنه يطالب بإطلاق سراحهم قبل موسم الامتحانات. وقالت منظمة العفو الدولية إن أكثر من ألف إيراني اعتقلوا محتجزون في سجون ”تشتهر بالتعذيب وأشكال أخرى من سوء المعاملة خلال الأيام السبعة الأخيرة“ وإن كثيرين محرومون من الاتصال بذويهم ومحاميهم.

جلسة مغلقة

الى جانب ذلك استمع نواب مجلس الشورى الإيراني (برلمان) في جلسة مغلقة إلى وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي ووزير الاستخبارات محمود علوي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني لبحث أسباب الاحتجاجات التي عرفتها البلاد مؤخرا، وتخللتها أعمال عنف. وقال النائب الإصلاحي غلام رضا حيدري للموقع الإلكتروني التابع لمجلس الشورى إن "مسؤولي الأمن أكدوا إطلاق سراح معظم الأشخاص الذين اعتقلوا" خلال موجة الاحتجاجات التي بدأت في28 كانون الأول/ديسمبر.

وقد تحدث عقب جلسة استمع النواب خلالها إلى وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي ووزير الاستخبارات محمود علوي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني بشأن المظاهرات التي تخللتها أعمال عنف. من جهته، أشار نائب آخر هو محمد رضا كشوي أن معظم المعتقلين من العاطلين عن العمل و"لا يحملون شهادات جامعية". وقال للموقع إن "اجتماع مجلس الشورى نظر مبدئيا في ظروف هؤلاء الاقتصادية والبطالة.. يحاول العدو التغلغل في البلاد عبر استغلال هذه القضايا".

وأكد النائب بهرام بارساي على أنه يجب إلقاء اللوم على عقود من سوء الإدارة بدلا من تحميل الرئيس حسن روحاني المسؤولية. وقال "آمل بأن نواجه الحقيقة ونتعلم الدروس من أخطاء الماضي." وانطلقت المظاهرات في البداية كاحتجاجات على الأوضاع المعيشية قبل أن تخرج عن السيطرة وتتحول إلى حراك ضد النظام برمته. بحسب فرانس برس.

وأعرب بعض النواب عن قلقهم بشأن القيود التي وضعت على الإنترنت خلال الاضطرابات، بما في ذلك الحظر الذي فرض على تطبيق "تلغرام" للرسائل النصية الذي أفاد مسؤولون أنه استخدم لإثارة العنف. وكتب المتحدث باسم رئاسة مجلس الشورى بهروز نعمتي على صفحته في موقع "إنستغرام" الذي حظر مؤقتا كذلك خلال الاحتجاجات أن "مجلس الشورى لا يؤيد استمرار التدقيق الذي يخضع له تلغرام، لكن على التطبيق أن يتعهد بأن لا يستخدم كأداة من قبل أعداء الشعب الإيراني".

الإطاحة بالنظام

من جانب اخر قال الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي إن إيران أحبطت محاولات من أعدائها في الخارج لتحويل الاحتجاجات المشروعة إلى تمرد للإطاحة بالجمهورية الإسلامية. وقال خامنئي على تويتر ”مرة أخرى تقول الأمة للولايات المتحدة وبريطانيا ومن يسعون للإطاحة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية من الخارج ’لقد فشلتم.. وستفشلون في المستقبل أيضا’“.

وقال خامنئي إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يسعى لجذب الأنظار عندما كتب تغريدة يدعم بها المحتجين قائلا إنهم يحاولون ”إبعاد حكومتهم الفاسدة“ وأنهم ”سيجدون دعما كبيرا من الولايات المتحدة في الوقت المناسب“. وأضاف خامنئي على تويتر ”هذا الرجل الذي يجلس على رأس البيت الأبيض، رغم أنه غير متزن على الإطلاق فيما يبدو، عليه أن يدرك أن هذه المسرحيات المتطرفة والمضطربة لن تمر دون رد“. وبالإضافة إلى واشنطن ولندن ألقى خامنئي باللوم في العنف على إسرائيل وجماعة مجاهدي خلق المعارضة ”وحكومة ثرية“ في الخليج في إشارة إلى السعودية منافس إيران على النفوذ في المنطقة.

وفي ظهور علني نادر، قال مدير جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) إن الاحتجاجات اندلعت بسبب فشل الرئيس حسن روحاني في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب لكنه أضاف أن من المستبعد أن تطيح بالمؤسسة الحاكمة. وقال يوسي كوهين في مؤتمر بوزارة المالية في القدس ”لدينا أعين وآذان أيضا في إيران“. وأضاف ”ينبغي ألا يعلق أحد آمالا عريضة، على الرغم من أنني سأكون سعيدا برؤية ثورة جادة“. بحسب رويترز.

ووصف خامنئي الاحتجاجات ”باللعب بالنار“ ولكنه قال إن من حق المواطنين الإعراب عن مخاوفهم المشروعة في تنازل نادر من زعيم عادة ما يبدي دعما واضحا للقمع الأمني. وكانت الاحتجاجات اندلعت أساسا بسبب الأوضاع الاقتصادية ثم تحولت إلى السياسة. ونُقل عن خامنئي قوله ”يجب التعامل مع هذه المخاوف. يجب أن نستمع. يجب أن نصغي. يجب أن نقدم إجابات بقدر استطاعتنا“ في تلميح إلى أن حكومة الرئيس حسن روحاني ليست وحدها من يجب عليه الاستجابة وإنما أيضا القيادة الدينية. وقال ”لا أقول أنه يجب عليهم المتابعة. أنا مسؤول أيضا. كلنا علينا المتابعة“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1