تواجه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي تقود اليوم حكومة مثقلة بالعديد من الأزمات، وتحديات كبيرة ومشكلات مهمة، إذ تحيط الفضائح بعدة وزراء في حكومتها ويدور صراع مفتوح داخل حزبها حول كيفية الخروج من الاتحاد الأوروبي فضلا عن جدال مستمرا بشأن ما إذا كانت هي الشخص المناسب للمنصب. وكانت ماي قد دعت لانتخابات مبكرة في يونيو حزيران وقدمت نفسها للناخبين باعتبارها رمز ”القيادة القوية المستقرة“ على أمل الفوز بهامش كبير. لكن حملتها فشلت في جذب الناخبين، وبدلا من ترسيخ موقعها خسرت ماي أغلبيتها البرلمانية.

ومنذ ذلك الحين تخرج حكومتها المنقسمة من أزمة لتدخل في أخرى. وبلغ هوان ماي مداه في كلمة ألقتها في مؤتمر حزبها عندما وصل محتج إلى المنصة ليسلمها خطابا بإنهاء الخدمة في مزحة كوميدية قبل أن تتساقط حروف من شعار معلق خلفها. وحققت رئيسة الحكومة البريطانية في وقت سابق، نجاحًا مهمًا بتوصلها إلى اتفاق تاريخي مع الاتحاد الأوروبي بشأن شروط بريكست، لكنها تعرّضت على الفور لانتقادات من متشدّدين في الداخل بسبب تقديمها تنازلات.

وتوصلت بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق تاريخي بشأن شروط بريكست، يسمح للطرفين بإطلاق محادثات صعبة بشأن العلاقة المستقبلية عقب انفصال بريطانيا عن الاتحاد. وقال الرئيس السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة يوكيب، نايجل فاراج، وهو أحد محركي استفتاء العام الماضي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لإذاعة بي.بي.سي: هذا ليس بريكست”. وأضاف على تويتر، قائلًا: التوصل إلى اتفاق في بروكسل أخبار طيبة للسيدة ماي، إذ يمكننا الآن المضي قدمًا نحو المرحلة التالية من الإذلال.

وكانت ماي كما نقلت بعض المصادر، التي يحاصرها منافسون مؤيدون للخروج من الاتحاد الأوروبي، وفصائل أخرى داخل حزبها المحافظ تؤيد الاتحاد الأوروبي، تواجه خطر الإطاحة بها منذ الانتخابات العامة في حزيران/يونيو الماضي والتي خسرت فيها الأغلبية. وكشفت صحيفة صن، في وقت سابق ، مخططًا للإطاحة بماي وتعيين كبير مفاوضي بريكست ديفيد ديفيس رئيسًا للوزراء. ومع أن ذلك الخطر قد يكون تراجع الآن، فإنه لم ينته، وستواجه ماي جهودًا مضنية للحصول على تأييد برلماني للاتفاق. وأثارت حملة اخرجوا من الاتحاد الأوروبي ردَّ فعل لاذع على الاتفاق، وقالت: ساستنا الخائفون باعوا البلاد في آخر الطريق، ووصفت الاتفاق أنه استسلام تام.

معارك جديدة

وفي هذا الشأن وبعد ستة أشهر من الاضطرابات توقع البعض أن تطيح بها قبل نهاية السنة، نجحت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي في ابرام اتفاق مع بروكسل حول بريكست، لكنه لا يمثل سوى استراحة لالتقاط الأنفاس قبل معارك جديدة. وكانت ماي بحاجة إلى قرار القادة الأوروبيين الذين وافقوا على بدء شق جديد من المفاوضات مع بريطانيا بما في ذلك مستقبل العلاقات التجارية لكي تبقى على رأس الحكومة، بعد ان اهتزت شرعيتها اثر خسارة المحافظين الغالبية المطلقة في البرلمان في انتخابات الصيف الماضي المبكرة.

ولكن الاتفاق المبرم مع بروكسل والذي وصفته بانه "خطوة مهمة على طريق بريكست" حاز على ثناء حزبها رغم انقسامه بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي بين من يؤيدون انفصالا حاداً ومن يطالبون بانفصال ناعم. وعلى الرغم من هذه الانقسامات ومن استقالة وزيرين في كانون الثاني/يناير اثر فضائح، صمدت ماي وحافظت حتى على شعبيتها اذ بين استطلاع نشرته صحيفة "تايمز" ان المحافظين يتقدمون بنقطة على حزب العمال المعارض بحصولهم على 42% من الأصوات المؤيدة.

حتى أن تيريزا ماي نجحت في إقناع الحزب الوحدوي حليفها الحكومي الصغير في إيرلندا الشمالية بتأييد الاتفاق بعد ان كان معارضا للنسخة الأولى منه بسبب مخاوفه من العودة إلى الاجراءات الحدودية مع إيرلندا. ولكن تصويت 11 متمردا داخل الحزب المحافظ لصالح تعديل يؤكد دور البرلمان في اقرار اتفاقات بريكست الأربعاء ذكَّر ماي بمدى ضيق هامش المناورة لديها.

وقد يؤدي هذا إلى تقييد يديها في المفاوضات المقبلة التي يتوقع أن تكون شائكة، فهناك مسائل لم تحل مثل تحديد العلاقات المقبلة مع باقي الاتحاد الأوروبي. ويقول تشارلز غرانت من مركز الاصلاح الأوروبي للبحوث "لم تحدد الحكومة بعد مطالبها وهذا لن يكون سهلاً. أيا كانت هذه المطالب، سيتعامل الاتحاد الأوروبي معها بصرامة"، متوقعاً "أزمة كبيرة".

ولكن من مصلحة الدول السبع والعشرين ضمان الاستقرار السياسي في بريطانيا وتيريزا ماي عرفت حتى الآن كيف تحافظ على توازن بين مختلف تيارات الحزب المحافظ وتوقعات بروكسل. ويقول المحلل تيم بيل استاذ العلوم السياسية في جامعة كوين ماري في لندن ان "القادة الأوروبيين يعرفون أنها أهون الشرور، فهم لا يعرفون من سيخلفها اذا وصل الأمر إلى تغيير رئيس الوزراء".

ويضيف ان موقفها البراغماتي وان لم يكن مثاليا حول الخروج من الاتحاد الأوروبي "يجعل منها الخيار الأوحد في داخل الحزب المحافظ المنقسم حول بريكست". ولكن مواقف ماي ستزداد صعوبة مع اقتراب تاريخ بريكست المتوقع في 29 آذار/مارس 2019. ويقول تيم بيل "سيتعين اتخاذ قرارات خلال هذه الفترة، ولن يكون الجميع راضيا". ويضيف ان تيريزا ماي تريد اقامة "شراكة جديدة وثيقة وخاصة" مع الاتحاد الأوروبي مع الحد الأدنى من العراقيل التجارية. بحسب فرانس برس.

وقد تشبه هذه العلاقة الجديدة الاتفاق التجاري المبرم حديثا بين الاتحاد الأوروبي وكندا أو ذاك الذي ينظم العلاقة مع النروج عضو السوق الموحدة دون ان تكون ضمن الكتلة الأوروبية. وايا كان الخيار الذي سيتم الاحتفاظ به، فإنه سيغضب قسما من المحافظين. وأمام هذا المشهد، لا يخفي بعض نواب المعارضة قلقهم. ويقول تشوكا أومونا أحد رجالات حزب العمال المعارض لبريكست "لقد بدأ العد العكسي ونحن لا نزال بعيدين عن اتفاق".

استقالة غرين

من جانب اخر اضطرت تيريزا ماي لقبول استقالة نائبها وحليفها المقرب داميان غرين الذي اقر بانه كذب بشان اكتشاف مشاهد اباحية في حاسوبه، لتجد نفسها أكثر عزلة على راس الحكومة البريطانية. واثر اتهامه بالتحرش الجنسي بصحافية، واجه غرين ايضا اتهامات بالاحتفاظ بمواد اباحية في حاسوبه بالبرلمان في 2008 وهو ما كان نفاه.

لكن اثر تحقيق أجرته اجهزة رئاسة الحكومة اضطر للاعتراف بان الشرطة أبلغته باكتشاف تلك المشاهد الاباحية. وفي رسالة الاستقالة التي نشرتها رئاسة الحكومة، اقر غرين بانه ادلى بتصريحات "غير دقيقة ومضللة". وكتب "اقر بانه كان يجدر بي ان اكون اكثر وضوحا في تصريحاتي الصحافية". واضاف ان الشرطة "تحدثت الى محامي في 2008 بشأن المضمون الاباحي في حاسوبي واثارت المسألة معي اثناء محادثة هاتفية في 2013". بيد انه واصل نفي "المزاعم التي لا اساس لها والمهينة" التي تتهمه بمشاهدة وتنزيل محتويات اباحية على الحاسوب.

وردت ماي في رسالة موجهة إليه أنه ازاء هذا التصرف الذي "يخالف قواعد السلوك الوزاري" فهي تطلب منه الاستقالة. ومع مغادرة داميان غرين تفقد ماي حليفا ثمينا. وقالت في رسالتها أنها اضطرت "بحزن شديد" لطلب استقالة غرين الذي تعرفه منذ ايام الجامعة، واشارت الى انهما "صديقان وزميلان طوال مسيرتهما السياسية".

وكان غرين بالفعل احد الداعمين النادرين بلا شروط لتيريزا ماي التي عليها ان تدير حكومة منقسمة بشأن بريكست وان تثبت سلطتها لحسم بعض الملفات الاساسية في المفاوضات بشأن العلاقة المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الاوروبي التي تبدأ مع بروكسل في 2018. ويسدد رحيل غرين ضربة جديدة لصورة الحكومة البريطانية التي تضررت برحيل عضوين في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

فقد استقال وزير الدفاع مايكل فالون بعد اتهامه في فضيحة تحرش جنسي في حين اضطرت بريتي بارتل وزيرة الدولة للتنمية الدولية للتخلي عن مهامها لتجاوزها قواعد عمل الحكومة حيث التقت دون علم نظرائها في الحكومة شخصيات سياسية اسرائيلية. بيد ان هذه الاستقالة الجديدة لا يتوقع ان تتسبب في ازمة خطيرة، بحسب تحليل رئيسة القسم السياسي لهيئة الاذاعة البريطانية لورا كيونسبيرغ التي اشارت الى ان غرين كان رجل ظل وغير معروف لدى الجمهور. بحسب فرانس برس.

واضافت المحللة "باتت الحكومة بحسب ما يروج من باب السخرية في ويستمنستر ضعيفة ومستقرة حيث استعادت رئاستها نوعا من السيطرة على الاجندة في الاسابيع الاخيرة"، ومع تراجع الحديث عن رحيل تيريزا ماي الذي اثير بعد الانتخابات التشريعية الفاشلة في حزيران/يونيو 2017 التي فقدت فيها الاغلبية المطلقة. وفي ملخص التحقيق الذي نشرته رئاسة الحكومة، لم تقدم نتائج نهائية حول سلوك غرين في ما يتعلق باتهامات الصحافية كاتي مالتبي الناشطة السابقة في حزب المحافظين التي قالت انه وضع يده على ركبتها اثناء لقاء في حانة في 2015 ولاحقا بعث لها برسالة نصية تتضمن "ايحاءات". وفي رسالته لم يعترف غرين بالوقائع التي تحدثت عنها الصحافية لكنه اقر وعبر عن الاسف "للأذى" الذي سببه للصحافية. وعلقت تيريزا ماي "امر جيد انك اعتذرت".

الإطاحة بماي

في السياق ذاته قالت صحيفة صنداي تايمز إن 40 نائبا بالبرلمان البريطاني من حزب المحافظين الذي تتزعمه رئيسة الوزراء تيريزا ماي وافقوا على التوقيع على رسالة تعلن عدم الثقة في ماي. ويقل هذا بثمانية عن العدد اللازم لإجراء انتخابات على زعامة الحزب وهي الآلية التي يمكن بها عزل ماي من رئاسة الحزب واستبدالها بزعيم آخر. وتواجه ماي صعوبة في الحفاظ على سلطتها على حزبها منذ الانتخابات المبكرة التي جرت في الثامن من يونيو حزيران والتي دعت إليها معتقدة إنها ستفوز فيها بفارق كبير ولكنها بدلا من ذلك أسفرت عن فقدها أغلبيتها في البرلمان. بحسب رويترز.

وتعاني حكومة ماي من انقسامات بشأن كيفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كما أنها تضررت من عدة فضائح طالت وزراء. ولم تستطع حكومة ماي تأكيد سلطتها على وضع سياسي تسوده الفوضى ويضعف موقف لندن في محادثات الخروج من الاتحاد الأوروبي. وفشلت محاولة سابقة للإطاحة بماي في أعقاب كلمتها في المؤتمر السنوي للحزب ولكن محافظين كثيرين مازالوا يشعرون باستياء من أداء ماي.

الى جانب ذلك اتهمت رئيسة وزراء اسكتلندا القومية الحكومة البريطانية بأنها "غير كفؤة على الاطلاق" في ما يتعلق بمفاوضات بريكست وقالت ان الوضع الراهن يظهر ان اسكتلندا يجب ان تكون مستقلة. وقالت نيكولا ستورجن خلال جلسة للبرلمان الاسكتلندي في ادنبره ، هذه الحكومة المحافظة البريطانية، بالمعنى الدقيق للكلمة، إنها حكومة من المحافظين والحزب الديموقراطي الوحدوي، أظهرت بأنها مدعية وكاذبة وغير كفؤة على الاطلاق".

وقالت ستورجن ان الديموقراطيين الليبراليين الذين يعارضون اجراء استفتاء ثان على استقلال اسكتلندا، هم "انتقائيون" في دعمهم لاعادة الاستفتاء. واضافت ان فكرة اجراء استفتاء ثان على بريكست يوما ما "قد يصعب مقاومتها" لكن الاولوية القصوى هي لاقناع البرلمان البريطاني بالحاجة لابقاء بريطانيا في السوق الاوروبي الموحد والاتحاد الجمركي.

واضافت "اذا قام حزب العمال بتنظيم اموره واذا قام جيريمي كوربن (زعيم العمال) بتنظيم اموره، فإن هذا الموقف كما اعتقد سيحصل على غالبية في مجلس العموم". لكنها قالت ان "الدرس الحقيقي" هو ان اسكتلندا "ستكون دوما تحت رحمة قرارات متهورة تتخذها حكومات المحافظين في وستمنستر" ما لم تصبح مستقلة. وتابعت "كلما بكّرنا في اخذ زمام مستقبلنا بيدنا هنا في اسكتلندا كان ذلك افضل، وهذا الاسبوع اثبت ذلك".

وصوتت اسكتلندا لصالح البقاء ضمن بريطانيا بنسبة 55 بالمئة في استفتاء في 2014، وصوتت بنسبة 62 بالمئة في 2016 مع البقاء ضمن الاتحاد الاوروبي. وبحسب آخر الاستطلاعات فإن التأييد للاستقلال ارتفع الى 47 بالمئة، فيما ارتفع التأييد للبقاء داخل الاتحاد الاوروبي الى 68 بالمئة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0