الأوضاع المأساوية في سوريا والتي تفاقمت بشكل خطير بسبب استمرار الصراع المسلح الذي أسهم بدمار البلاد، لا تزال محط اهتمام العديد من المنظمات الإنسانية في العديد من دول العالم كما يقول بعض المراقبين، الذين أكدوا على ان تردي الأوضاع في هذا البلد، الذي يعيش أسوأ أزمة إنسانية شهدها العالم، قد تجاوزت كل الحدود ووصلت الى مراحل خطيرة يصعب السيطرة عليها بسبب عدم الاهتمام العالمي، هذا بالإضافة الى الصمت الخطير تجاه بعض التدخلات الخارجية من قبل بعض الدول العربية والإقليمية التي ساهمت بشكل مباشر في صناعة هذه المأساة، من خلال دعم وتميل الجماعات الإرهابية المسلحة لأهداف مختلفة.

وفيما تدخل الأزمة المروعة في سوريا عامها الخامس، قال عدد من كبار مسؤولي الأمم المتحدة إن المجتمع الدولي فشل في إنهاء الأزمة السورية، وقد حصدت هذه الحرب الطاحنة المستمرة وكما تشير بعض المصادر، أرواح عشرات آلاف الأشخاص وشردت الملايين وخلفت دمارا هائلا، كما ضربت الاقتصاد الوطني للبلاد التي باتت مقسمة إلى مناطق نفوذ بين مختلف أطراف النزاع، من جانب اخر قدر تقرير للأمم المتحدة أن الاقتصاد السوري خسر جراء استمرار الحرب الدائرة منذ أربع سنوات مائتي مليار دولار حتى نهاية العام الماضي، كما أدت هذه الأزمة إلى ارتفاع نسبة الفقراء لتفوق 80% من مجموع السكان، وتقليص متوسط أمد الحياة في سوريا بمقدار عشرين عاما.

كما كشف التقرير عن فقدان ثلاثة ملايين سوري أعمالهم، وهو ما يعني أن أكثر من 12 مليون سوري فقدوا مصدرهم الأول للدخل. وقد زادت نسبة البطالة في البلاد من 14.9% في 2011 إلى قرابة 57.7% في نهاية العام الماضي. والأسس التي يستند إليها الاقتصاد السوري تعرضت للتدمير المنهجي، إذ فقدت البلاد بنيتها التحتية والنسبة الكبرى من اليد العاملة.

أكثر من 215 ألف قتيل

من جهته أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان الأحد أن الحرب في سوريا أسفرت عن سقوط 215 ألف قتيل منذ بدء الحركة الاحتجاجية على نظام بشار الأسد في 15 آذار/مارس 2011.

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن: "أحصينا 215 الفا و518 قتيلا خلال أربع سنوات من الحرب بينهم 66 ألفا و109 مدنيون". وبين القتلى عشرة آلاف و808 أطفال، 39 ألفا و227 من مسلحي المعارضة وبينهم المقاتلين الأكراد السوريين. أما قوات النظام، فقد خسرت 46 ألفا و138 جنديا و30 ألفا و662 من قوات الدفاع الوطني، إلى جانب 674 من مقاتلي "حزب الله" اللبناني الشيعي و2727 مقاتلا شيعيا جاءوا من دول أخرى.

ويثير عجز الأسرة الدولية عن وقف حمام الدم شعورا بالمرارة والتخلي لدى السوريين الذين يواجهون بحسب الأمم المتحدة "أخطر وضع إنساني طارئ في عصرنا"، وفر نحو أربعة ملايين شخص من سوريا، لجأ أكثر من مليون منهم إلى لبنان.

وداخل سوريا نفسها هناك أكثر من سبعة ملايين نازح بينما يعيش نحو ستين بالمئة من السكان في الفقر. وقد دمرت البنى التحتية مما أدى إلى نقص حاد في الكهرباء والمياه وحتى المواد الغذائية في المناطق المحاصرة.

وبالرغم من الاستياء الدولي، فإن الرئيس السوري بشار الأسد لا يزال وربما أكثر من أي وقت سبق متمسكا بالسلطة. وتعزز قواته من سيطرتها على ضواحي العاصمة دمشق ومدينة حلب، من بين آخر معاقل المجموعات المعارضة. بحسب فرانس برس.

ومجموعات المعارضة المسلحة تلك تبدو مشتتة أكثر من أي وقت مضى إذ أضعفها التفوق العسكري للقوات النظامية التي تستهدفها بالبراميل المتفجرة وتتلقى الدعم من حلفاء من الخارج مثل "حزب الله".

أما الدول الغربية التي طالبت برحيل الأسد عن السلطة في العام 2011 فأصبحت اليوم أقل حدة تجاهه إذ انشغلت بصعود تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي ينظر إليه اليوم على أنه التنظيم "الإرهابي" الأكثر خطورة والأكثر تمويلا في العالم. وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قال بوضوح إن أولوية واشنطن اليوم هي الإطاحة بهذا التنظيم.

العالم مسؤول

وفي هذا الشأن قالت منظمات غير حكومية ان المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جزئية عن "اسوا اعوام" النزاع السوري بالنسبة للمدنيين لأنه لم يعرف كيف يدير الكارثة البشرية التي تتفاقم كلفتها. وفي تقرير بعنوان "الفشل في سوريا"، انتقدت 21 منظمة للدفاع عن حقوق الانسان عدم قدرة الدول على تطبيق قرارات مجلس الامن الدولي الهادفة الى حماية المدنيين الذين دمرت حياتهم الحرب التي تجتاح سوريا منذ اربع سنوات.

ودعت ثلاثة قرارات للامم المتحدة في 2014 اطراف النزاع في سوريا الى حماية المدنيين وتمكين ملايين السوريين من الحصول على المساعدة الانسانية. وقال التقرير "ومع ذلك فان القرارات والامال التي حملتها، ذهبت ادراج الرياح بالنسبة للمدنيين السوريين. فقد تم تجاهلها او تخريبها من قبل اطراف النزاع ودول اخرى اعضاء في الامم المتحدة وحتى من اعضاء في مجلس الامن الدولي".

وكانت سنة 2014 الاشد دموية في النزاع حيث قتل خلالها 76 الف شخص على الاقل من 210 آلاف قتلوا منذ 15 آذار/مارس 2011. ومع دخول الحرب سنتها الخامسة لا تبدو بارقة حل في الافق. وقال يان ايغلاند الامين العام للمجلس النروجي للاجئين الذي شارك في التقرير "لقد خنا مثلنا العليا لانه لا يفترض بنا ان نتفرج على اناس يعانون في 2015". ويشير التقرير الى استهداف بنى تحتية مدنية بدون تمييز بما فيها مدارس ومؤسسات صحية والحد من دخول المدنيين اليها عند الحاجة.

ويؤكد التقرير الذي وقعته بالخصوص اوكسفام ولجنة الاغاثة الدولية ومنظمة سايف ذي تشلدرن، ان 7,8 ملايين سوري يعيشون في مناطق حددتها الامم المتحدة كمناطق "يصعب الوصول اليها" لتزويدها بالمساعدة اي ضعف العدد المسجل في 2013. وفي حين تتزايد الحاجات فان التمويل لا يتبع هذه الزيادة. فقط 57 بالمئة من الاموال اللازمة لدعم المدنيين واللاجئين السوريين تم توفيرها في 2014 مقابل 71 بالمئة في 2013. واشار ايغلاند الى ان الامم المتحدة ستحتاج 8,4 مليارات دولار لمساعدة المدنيين السوريين العام القادم.

وقال متسائلا "هذا يمثل سدس كلفة الالعاب الاولمبية في سوتشي. كيف يمكن لروسيا ان تمول العاب سوتشي ولا تقدم مساهمة كبيرة لهذه العملية التي ينقصها التمويل؟". واضاف "نحن لا نمنح اي امل لملايين الشبان السوريين (..) كيف لا يمكن تصديق انه من السهل ان يستقطبهم التطرف؟". من جهته قال روجر هيرن المدير الاقليمي لمنظمة سايف ذي تشلدرن "في كل مكان في سوريا الاطفال لا يتلقون تعليما لانه لا يمكننا الوصول اليهم. دمر العديد من المدارس والاولياء يخشون ارسال ابنائهم الى المدارس".

وطالبت القرارات التي أقرتها الأمم المتحدة العام الماضي بإنهاء عمليات القتل والتعذيب وازالة الحواجز كي يتسنى دخول المساعدات الانسانية. وقال دانيال جوريفان المتخصص في شؤون السياسة السورية بمؤسسة أوكسفام الخيرية البريطانية "هناك المزيد من عمليات القتل والمزيد من التفجيرات وزيادة هائلة في النزوح وزيادة كبيرة في عدد الاشخاص الذين في حاجة إلى مساعدات انسانية." وأضاف "قرارات مجلس الأمن فشلت بشكل أساسي."

وقالت الأمم المتحدة العام الماضي إن الحكومة السورية وافقت على دخول قوافلها إلى المناطق المحاصرة أو التي يصعب الوصول اليها في سوريا. ولا تعمل الأمم المتحدة في مناطق كبيرة من سوريا تخضع لسيطرة تنظيم داعش. وقال التقرير إن عمليات التمويل للأغراض الانسانية تناقصت. وأضاف أنه في عام 2013 تم توفير 71 في المئة من الأموال اللازمة لدعم المدنيين داخل سوريا واللاجئين في الدول المجاورة. لكن النسبة تراجعت في عام 2014 إلى 57 في المئة فقط. بحسب رويترز.

وأجاز قرار صدر في يوليو تموز للأمم المتحدة القيام بعمليات اغاثة عبر الحدود دون موافقة دمشق لكن التقرير قال ان هذا الأمر اعاقته قيود من دول مجاورة مثل تركيا والأردن. ورسم تقرير منفصل نشرته اثنتان من منظمات الامم المتحدة العاملة في سوريا صورة قاتمة للحياة بعد أربعة أعوام من الصراع. وأشار التقرير إلى تقلص عدد السكان بنسبة 15 في المئة وإنخفاض متوسط العمر 24 عاما ليصبح 55 عاما في المتوسط بعد أن كان 79 عاما. وانخفض الناتج الاجمالي المحلي للبلاد بنحو 120 مليار دولار ويعيش أربعة من بين كل خمسة سوريين تحت خط الفقر. وأضاف التقرير أن نصف تلاميذ المدارس لم يذهبوا إلى المدرسة خلال الاعوام الثلاثة الأخيرة.

الأسد ودعم الشعب

على صعيد متصل أعلن الرئيس السوري بشار الاسد في حديث بثه التلفزيون البرتغالي ان النجاح كان حليفه بعد اربع سنوات من الحرب على الرغم من تكتل الغرب ودول الخليج والمال والسلاح، لانه يحظى بدعم شعبه. وقال الاسد في المقابلة التي تحدث فيها باللغة الانكليزية "كيف يمكن لثورة ان تنهار او تفشل اذا كانت تحظى بدعم الغرب وبدعم دول اقليمية في موازاة هذه الاموال والسلاح، فيما هناك ديكتاتور يقتل شعبه كما يقال (...). شعبه ضده والدول الاقليمية ضده والغرب ضده، وقد نجح".

واضاف "هناك احتمالان: اما انكم تكذبون علينا (المسؤولون الغربيون)، واما انكم تتحدثون عن سوبرمان. هو ليس بسوبرمان، هو رئيس عادي. وقد استطاع ان يستمر لاربع سنوات، فقط لانه يتمتع بدعم الشعب، ولا يعني ذلك دعم كل الشعب (...) بل شريحة واسعة من السوريين".

وقال الاسد في تقييمه للوضع في بلاده ان "سوريا ليست دولة فاشلة". وتابع "المؤسسات لا تزال تعمل، والرواتب تدفع، حتى... في بعض مناطق سيطرة الارهابيين". واكد ان "السوريين مصممون على المضي في محاربة الارهاب ودعم حكومتهم" على الرغم من "الماساة الانسانية" التي تعيشها بلادهم. واعتبر ان الارقام التي "تذكر في وسائل الاعلام الغربية" عن عدد القتلى والذي يفوق المئتي الف "مبالغ بها".

وكرر الاسد ان التظاهرات التي خرجت في المدن والبلدات السورية في الاشهر الاولى من النزاع "لم تكن يوما سلمية"، مشيرا الى ان هؤلاء المتظاهرين قتلوا رجال شرطة، وان على المسؤولين الغربيين ان يقولوا للرأي العام في بلادهم "الحقيقة" في شان سوريا. واوضح ان الحقيقة هي ما كانت تقوله السلطات السورية منذ البداية حول وجود "ارهابيين" في سوريا يستهدفون الشعب والدولة.

وجدد الرئيس السوري اتهام الغربيين بدعم المجموعات الارهابية التي تقاتل في سوريا ضد النظام، بالاضافة الى الدعم الذي تتلقاه هذه المجموعات من السعودية وقطر وتركيا. وعن الموقف الفرنسي بالتحديد، قال ان "مصالح مالية تدفع المسؤولين في فرنسا الى استبدال قيم الحرية والاخوة والديموقراطية وكل الاشياء التي كانوا يروجون لها، بالبتردولار"، معتبرا ان الفرنسيين يقفون ضد النظام السوري بسبب علاقاتهم مع دول الخليج المبنية على هذه المصالح.

وعن زيارة عدد من اعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية اخيرا الى سوريا والتي اثارت جدلا واسعا في فرنسا، قال الاسد ان "الزيارة لم تكن مفاجئة". واضاف "كان لدينا انطباع قوي بان معظم المسؤولين في الحكومة (الفرنسية) عرفوا بها مسبقا ولم يعارضوها"، مضيفا "لم يكن الوفد الاول الذي يأتي الى سوريا من فرنسا ودول اخرى. هناك وفود مختلفة من نشطاء ووسطاء وبعض المسؤولين اتوا لكي يتحدثوا معنا تحت الطاولة". واشار الى ان "الزيارة كانت منظمة بطريقة رسمية، وكان لديهم جدول زمني وقد تم التحضير لها قبل اسابيع".

وردا على سؤال عن الحل الذي يراه للنزاع المتشعب، قال الاسد "الحل سياسي"، لكنه استدرك قائلا ان "ما حدث في جنيف ليس المثال الذي نتطلع اليه"، في اشارة الى المفاوضات التي جرت قبل سنة بين وفدين من الحكومة والمعارضة برعاية الامم المتحدة من دون ان تؤدي الى نتيجة على صعيد الحل السياسي. واوضح "نحن لم نختر الطرف الاخر في جنيف، اختير من الغرب وتركيا والسعودية وقطر، وبالتالي ليس معارضة سورية"، مشيرا الى ان الحوار يكون مع طرف سوري فقط.

وعما اذا كان هذا يعني استبعاده للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، قال "اذا كان هذا الائتلاف صنع في الغرب او في اي دولة اخرى، هذا يعني انه ليس سوريا ولن يقبل به الشعب السوري". وعن اللقاء الذي تم في موسكو في مطلع العام بين ممثلين عن الحكومة وممثلين عن المعارضة بدعوة من الحكومة السورية، قال الاسد "لدينا امور مشتركة مع بعض المعارضين الذين كانوا في موسكو ولكن هذه فقط بداية الحوار، والحوار قد يتطلب وقتا طويلا". بحسب فرانس برس.

وتابع "في ظل عدم وجود طرف نتفاوض معه ويمكن ان يؤثر على المقاتلين على الارض، مَضَينا في مصالحات مع المسلحين في بعض المناطق وهذا الامر نجح، وهذا حل سياسي واقعي". وتمكنت القوات السورية من اجراء مصالحات مع مجموعات مسلحة في عدد من القرى والبلدات السورية، قوامها ادخال المساعدات الانسانية اليها وفك الحصار عنها مقابل وقف القتال وتسليم السلاح.

سوريا محرومة من الأنوار

في السياق ذاته أعلنت منظمات غير حكومية ان سوريا تعيش بدون انوار بشكل شبه تام حيث 83% منها لم تعد تعمل بسبب الحرب الاهلية التي تجتاح البلاد منذ اربع سنوات. واوضح تحالف من 130 منظمة غير حكومية في بيان انه من خلال دراسة صور التقطت بالاقمار الاصطناعية فان علماء من جامعة ووهان في الصين اكتشفوا ان "عدد الانوار المرئية في سوريا ليلا قد هبط الى 83%" منذ بدء الحرب في اذار/مارس 2011.

والاكثر تضررا هي مدينة حلب في شمال البلاد مع97% من الانوار مطفأة في الليل. وقال وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد ميليباند الذي يترأس حاليا لجنة "انترناشونال ريسكيو كوميتي" العضو في تحالف المنظمات غير الحكومية ان "سوريا دخلت في عصر الظلام". بحسب فرانس برس.

من جهته، قال كسي لي واضع الدراسة ان "المعطيات حول الانوار في الليل لا تكذب ابدا". واضاف ان "المزيد من الانوار المطفأة هذا يعني المزيد من المهجرين والمزيد من تدمير البنى التحتية وقطع التيار الكهربائي". واضاف ان "هذه الصور الملتقطة على بعد 800 كلم فوق الارض تساعدنا على فهم الام ومخاوف السوريين العاديين يوميا". والاستثناءات هي في محافظة دمشق مركز السلطة ومحافظة القنيطرة بالقرب من الحدود الاسرائيلية حيث 35% و47% على التوالي من الانوار مطفأة ليلا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0