ما زالت ليبيا ومع نهاية عام 2017 غارقة في الفوضى والانقسام السياسي، الذي حول البلاد الى ساحة حرب كبيرة، فرغم أن هذا العام وكما نقلت بعض المصادر شهد أوّل اتفاق بين حكومة الوفاق الوطني، والجنرال المتقاعد خليفة حفتر، قائد قوات "الجيش الوطني الليبي" الذي يبسط سيطرته على شرق البلاد، حول تنظيم انتخابات تنهي الانقسام، إلّا أن الخلاف عاد ليظهر بعد أشهر من الاتفاق، فيما استمرت الفوضى الأمنية التي سمحت لشبكات تهريب البشر بالعمل لدرجة الحديث عن وقوع أسواق نخاسة في بعض المناطق.

الخلاف الجديد بين حفتر والسراج يعود إلى ما أعلنه الأوّل، عندما صرّح أن اتفاق الصخيرات، الذي رعته الأمم المتحدة ووُقع في مدينة الصخيرات المغربية يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، انتهى تماماً، وأن كل الاسماء المنبثقة عنه "فقدت شرعيتها المزعومة"، في إشارة منه إلى السراج الذي كان أكبر الأسماء التي اختيرت في هذا الاتفاق. وكان منتظرا أن يرفض السراج تصريحات حفتر، عندما ردَّ بأنه لا يوجد أيّ تاريخ لانتهاء الاتفاق السياسي، إلّا عندما يحدث تسليم السلطة لهيئة منتخبة من الشعب. واتهم السراج بعض الموقعين على اتفاق الصخيرات بالتراجع وعدم الوفاء بالتزاماتهم.

غير أن السراج وجد نفسه في وضع صعب بما أن الاتفاق، ينصّ من الناحية القانونية على تشكيل حكومة لمدة عام، قابلة للتمديد مرة واحدة، وقد انتهى أجل سنتين دون أن يتمكن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق من نيل ثقة البرلمان الذي يدعم خليفة حفتر. لكن وفي الإطار ذاته، يبقى الدعم الأممي حاضراً للسراج رغم نهاية المهلة القانونية، فالمبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، طالب بعدم تقويض العملية السياسية، كما أكد مجلس الأمن الدولي أن اتفاق الصخيرات يعدّ "الإطار الوحيد القابل للاستمرار".

الكثير من الليبيين اعتبروا أن هذا الاتفاق وُلد ميتاً، إذ وُقع في غياب الكثير من الشخصيات البارزة، وفي غياب ممثلين رئيسيين عن أطياف مهمة سواء عن البرلمان الليبي، أو عن المؤتمر الوطني العام الذي كان يبسط نفوذه على طرابلس. ورغم أن الاتفاق شمل تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق بمثابة الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة، إلّا أنه لم ينجح في لمّ شتات الليبيين بسبب الخلاف على بعض مواده كالمادة الثامنة التي تنقل كافة صلاحيات المناصب العسكرية والأمنية العليا إلى حكومة الوفاق

وقد قام المبعوث الأممي فعلا بإجراء جولات حوار لأجل تعديل الاتفاق منذ شهر سبتمبر الماضي، إذ اعترف أن الاتفاق "تم التوصل إليه على عجل ما أدى إلى عدم تبنيه من قبل كل الأطراف". وقد وضع المبعوث خطة لتعديل الاتفاق منها عقد مؤتمر أممي يحضر فيه جميع من تم استبعادهم من الاتفاق، حتى يتم الاتفاق على مشروع للدستور وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية عام 2018، غير أن جلسة المفاوضات الأولى التي انعقدت في تونس شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لصياغة تعديل الاتفاق، انتهت متعثرة بتبادل التهم بين مجلس النواب ومجلس الدولة التابع للمجلس الرئاسي.

اتفاق الصخيرات

ما زالت ليبيا عالقة في ازمة انتقالية بلا حل قابل للاستمرار في المدى المنظور، رغم توقيع اتفاق سياسي قبل عامين لإنهاء الفوضى والانقسامات العميقة بين طرفي النزاع. وتعكس عملية خطف ثم قتل محمد مفتاح اشتيوي رئيس بلدية مصراتة، ثالث مدن ليبيا، حجم الفوضى المستمرة. وفي الموازاة تستمر مأساة مئات آلاف المهاجرين جراء هذه الازمة فيما يعيش كثيرون بينهم جحيما على أبواب اوروبا.

في كانون الاول/ديسمبر 2015 أدى توقيع اتفاق الصخيرات (المغرب) بإشراف الامم المتحدة إلى تشكيل حكومة وفاق وطني وإنعاش الآمال بعودة تدريجية إلى الاستقرار. لكن هذا الاتفاق الذي فشلت جميع محاولات تعديله أدى بحسب الخبراء الى تعزيز الانقسامات. واكدت فيدريكا سايني فاسانوتي من مؤسسة بروكينغز في واشنطن "اعتقد انه لم يقدم البتة حلا حقيقيا"، معربة عن الاسف "لخسارة وقت قيم لأن الاتفاق لم يلق في اي وقت اعتراف الشعب الليبي".

ولم تلق حكومة الوفاق الاجماع منذ اتخاذها طرابلس مقرا في اذار/مارس 2016، وما زالت عاجزة عن فرض سلطتها في انحاء واسعة في البلاد ما زالت خاضعة لعشرات الفصائل المسلحة. كما ان خصومها طعنوا في شرعيتها على اساس انها تولت مهامها بدون الحصول على ثقة البرلمان المنتخب في 2014 والذي يتخذ مقرا في طبرق شرقا، على ما كان اتفاق الصخيرات ينص.

وتواجه حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج عداء مستمرا من البرلمان المذكور والحكومة الموازية المنبثقة منه المدعومين بقوات يقودها المشير خليفة حفتر المثير للجدل. وقد يزداد ضعف هذه الحكومة مع انتهاء تفويضها في 17 كانون الاول/ديسمبر. ونص اتفاق الصخيرات على تشكيل هذا الجهاز التنفيذي لولاية من عام قابل للتمديد مرة واحدة.

واعتبر حفتر ان تاريخ 17 كانون الاول/ديسمبر يشكل "منعطفًا تاريخيا خطيرا" اذ "تنتهي فيه صلاحية ما يسمى بالاتفاق السياسي لتفقد معه كل الأجسام المنبثقة عن ذاك الاتفاق بصورة تلقائية شرعيتها المطعون فيها منذ اليوم الأول من مباشرة عملها". لكن سايني فاسانوتي اعتبرت على العكس ان انتهاء تفويض حكومة الوفاق لا يغير الكثير، معتبرة انها "لم تكن في اي وقت لاعبا سياسيا فعليا في ليبيا".

اما حفتر الذي يتهمه خصومه بالسعي الى السلطة واقامة ديكتاتورية عسكرية في البلاد، فيريد استغلال فرصة حلول أجل التفويض لمحاولة "السيطرة بالقوة" بحسب مسؤول في حكومة السراج. "لكن تهديدات وجهت إليه مباشرة من جهات في المجتمع الدولي أثنته عن ذلك"، بحسب المسؤول الذي رفض كشف اسمه.

ولمح حفتر بنفسه إلى ذلك مؤكدا تعرضه "لتهديدات بإجراءات دولية صارمة" اذا تجرأ على اتخاذ مبادرات خارج الإطار الذي رسمه المجتمع الدولي والامم المتحدة. كما اعتبر مجلس الامن الدولي ان اتفاق الصخيرات هو "الاطار الوحيد القابل للحياة لإنهاء الازمة السياسية في ليبيا" في انتظار انتخابات مقررة في 2018. واعتبر ايساندر العمراني مدير فرع شمال افريقيا في المجموعة الدولية للأزمات ان حفتر المثير للجدل لا يملك "قوة او دعما كافيا" للسيطرة على مجمل اراضي ليبيا. وتابع "انه يواجه خصوصا معارضة شديدة في الغرب ولا سيما في مصراتة"، على بعد 200 كلم شرق طرابلس التي تعد المجموعات المسلحة الأقوى في ليبيا.

ويسعى الموفد الاممي الخاص لليبيا غسان سلامة إلى اجراء انتخابات في 2018 تنفيذا لخطة العمل التي عرضها في ايلول/سبتمبر في نيويورك. لكن محللين يشككون في فرص نجاح هذه الانتخابات. واعتبرت سايني فاسانوتي انها "قد تكون سلاحا ذا حدين لانها قد تفاقم الانقسامات بين الخصوم"، مضيفة "لست واثقة بانه الحل الأفضل حاليا". بحسب فرانس برس.

واعتبر العمراني انه "من دون تحسين العلاقة بين حفتر والغرب، ولا سيما مصراتة، سيصعب تنظيم انتخابات ذات مصداقية". لكن الجامعي الليبي محمد القطعاني اشار فقط الى حلين متوافرين للازمة الليبية، "فإما ان يقبل الجميع بخطة سلام، واما بحل عسكري يرتسم بين قطبي النزاع، اي قوات حفتر من جهة وقوات مصراتة من جهة اخرى".

انتخابات في ليبيا

على صعيد متصل اعلن المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في شرق ليبيا، انه يؤيد اجراء انتخابات في ليبيا في 2018 يطالب بها المجتمع الدولي، مهددا في المقابل بالاستيلاء على السلطة في حال فشلت العملية السياسية. وفي تصريح ادلى به لقناة ليبيا الحدث القريبة منه، رفض حفتر ما اعتبره "دعاية مغرضة بأن القيادة العامة تقف ضد أي حل سياسي، وأننا نعرقل الجهود السلمية المحلية والدولية وأننا نرفض التوافق بين الليبيين وضد الحوار ولا نؤمن إلا بالعنف واستخدام القوة في حل الخلافات والنزاعات ونحب الحرب ونكره السلم وأننا لا نؤمن بالديموقراطية وضد الانتخابات".

وتدارك حفتر "لكن في الحقيقة التي أود أن يعلمها كل الليبيين وباختصار شديد هي أننا نحن من دفع العالم إلى القبول على مضض بمسار الانتخابات كحل أساسي ومبدئي يتقدم كل المراحل للوصول إلى اتفاق سياسي" في ليبيا. ودعا حفتر الى اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية "دون مماطلة ودون غش أو تزوير"، محذرا في المقابل "كل من تسول له نفسه" من "التلاعب بالعملية الانتخابية".

وقبل اعلانه هذا، كان موقف حفتر غامضا حيال اجراء الانتخابات في 2018، والتي تندرج ضمن خطة العمل التي تقدم بها مبعوث الامم المتحدة الخاص الى ليبيا غسان سلامة. ولا يعترف حفتر وحكومته المنبثقة من برلمان منتخب في 2014 والذي يتخذ مقرا في طبرق شرق البلاد، بشرعية حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، والتي تشكلت بموجب اتفاق الصخيرات (المغرب) بإشراف الامم المتحدة في كانون الاول/ديسمبر 2015.

ولم تلق حكومة الوفاق الاجماع منذ اتخاذها طرابلس مقرا في اذار/مارس 2016، وما زالت عاجزة عن فرض سلطتها على انحاء واسعة في البلاد ما زالت خاضعة لعشرات الفصائل المسلحة. كما ان خصومها طعنوا في شرعيتها على اساس انها تولت مهامها بدون الحصول على ثقة برلمان طبرق، وهو ما ينص عليه اتفاق الصخيرات. وكان حفتر اعلن ردا على اعتبار مجلس الامن الدولي اتفاق الصخيرات "الاطار الوحيد القابل للحياة لإنهاء الازمة السياسية في ليبيا"، ان الاتفاق السياسي "انتهت صلاحيته".

واثر موقفه هذا مخاوف من امكان اعتماده خيار "السيطرة بالقوة" على السلطة. الا ان محللين يقولون ان حفتر ليس لديه القوة اللازمة ولا يتمتع بالدعم الكافي للتقدم غربا حيث تنتشر مجموعات مسلحة معادية له هي الاقوى في ليبيا. وتأتي تصريحات حفتر في اعقاب حملة لمناصريه طالبوه فيها بتولي السلطة من طريق "تفويض شعبي". بحسب فرانس برس.

واعلن حفتر "مما لا شك فيه أنه إذا ما استنفدت جميع الوسائل المعتادة في انتقال السلطة سلميا عن طريق انتخابات حرة ونزيهة، فإن التفويض سيصبح خيارا متقدما قد لا يوجد سواه على الساحة السياسية". واعتبر ان "تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي شيء وعمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا شيء آخر، فالاتفاق السياسي انتهى بشكل تلقائي بعد مرور سنتين على توقيعه، وهذا كلام غير قابل للنقاش أو الجدل".

تيارات متناحرة

الى جانب ذلك اجتمع أكثر من 90 من عمداء البلديات من مختلف التيارات السياسية الليبية المتناحرة لأول مرة في محاولة لتعزيز دورهم في علاج الأزمات المرتبطة بالصراع الدائر في البلاد وإبراز أنفسهم كقوة تعمل على الوحدة. والمجالس المحلية من القطاعات القليلة التي ما زالت تعمل في ليبيا حيث قسمت الأطياف المتناحرة الحكومة والمؤسسات الكبرى مع تنافسها على السلطة وعلى اقتناص حصة من إيرادات النفط المتناقصة.

وقال عبد الرحمن العبار عميد بلدية بنغازي ”المواطن عندما يتذمر من خدمة أو يشكو من خدمة يذهب إلى البلدية، ليس له مكان آخر ويحتج أمام البلدية“. وأضاف ”البلدية لها شخصية اعتبارية مستقلة ولها الذمة المالية المستقلة، إذن يجب أن تعزز سلطتها بما يمكنها من تقديم خدمات مناسبة للناس“.

وكانت الخدمات العامة ضعيفة طوال فترة حكم معمر القذافي رغم ثروة ليبيا النفطية. لكن الخدمات تدهورت بشدة مع انتشار حالة الفوضى وغياب القانون بعد انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بحكمه. وبدرجة كبيرة حلت حكومة مدعومة من الأمم المتحدة محل حكومة معلنة من جانب واحد في العاصمة طرابلس لكن حكومة ثالثة لا تتمتع بأي سلطة تقريبا ما زالت قائمة في شرق ليبيا وترتبط بالقائد العسكري خليفة حفتر.

وشهد الجميع تدهورا في ظروف المعيشة فأصبح السكان يسعون لحلول محلية أو مؤقتة. ويقول عبد الرحمن الحامدي عميد بلدية أبو سليم في طرابلس إنه ليس لديه سوى القليل من الموارد لدعم السكان الذين سحقهم تسارع معدلات التضخم ونقص السيولة وتعطل الخدمات. وقال الحامدي إن قيمة الأجور الشهرية أصبحت الآن تقل عن مئة دولار بسبب التراجع الحاد في قيمة الدينار الليبي في السوق السوداء في بلد كان من قبل من أغنى بلدان المنطقة.

وشهد حي أبو سليم معارك منذ الانتفاضة وحتى أوائل هذا العام كما أنه يضم عددا كبيرا من النازحين من مناطق مزقها الصراع. وقال الحامدي ”الوضع الأمني بصفة عامة حاليا مستقر نسبيا، الوضع الاقتصادي يعتبر مأساويا جدا باعتبار انعدام كل الخدمات الأساسية للمواطن الذي يعتبر أن من الطبيعي أن يتزود بالكهرباء أو بالماء أو بغاز الطهي أو يتحصل على السيولة وكذلك حتى الأشياء الغذائية“.

واستأنفت الأمم المتحدة عملية سلام في سبتمبر أيلول لكن عمداء البلديات لا يأملون في إحراز تقدم سريع. واجتماع الحمامات الذي نظمه مركز الحوار الإنساني، وهو منظمة دبلوماسية خاصة مقرها جنيف، يجمع عمداء بلديات من غرب البلاد متحالفين مع الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة بعمداء من الشرق بعضهم مثل العبار يدينون بمناصبهم لحفتر. وهم يبحثون سبل العمل كقوة تدفع صوب المصالحة كما يضغطون من أجل نقل سلطات.

وقال يوسف البديري عميد بلدية غريان التي تقع على بعد 80 كيلومترا جنوبي طرابلس والذي يستعين بمشاية بعد أن أصيب برصاصة قناص في أوائل العام الماضي ”كل البلديات الليبية لها تواصل مع بعضها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب والجنوب، لا يوجد عندنا أي مشاكل ودائما فيه تعاون كبير وتواصل ولقاءات دائمة“.بحسب رويترز.

وأضاف ”اللامركزية هي من أكبر الحلول المفروض العمل عليها بدليل أنه خلال الثلاث سنوات ونصف الماضية لم يكن هناك وجود أصلا لحكومات، ولكن البلديات هي التي كانت موجودة بالرغم من عدم وجود أي ميزانيات ومقومات لعمل البلديات. البلديات هي التي حافظت على الاستقرار وسلامة الأهالي“. وتابع ”حل اللامركزية نعتبره حلا مهما جدا جدا يستوجب العمل عليه“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1