تطورات مهمة شهدتها الساحة السياسية في المانيا، حيث اسفرت الانتخابات الأخيرة عن صعود حزب "بديل لألمانيا" المناهض للهجرة والمؤسسة الحاكمة وحصوله على المركز الثالث، وشبه انهيار للحزب الاشتراكي الديمقراطي. ورغم أن حزب ميركل احتل المركز الأول فإنه خسر الكثير من الأصوات مقارنة بالانتخابات الماضية، هذه النتائج المهمة اثارت الكثير من التوقعات فقد اكد بعض المراقبين ربما ستدخل البلاد في أزمات ومشاكل جديدة، خصوصا وان حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتشدد قد تعهد بحسب بعض المصادر، بإتباع سياسة جديدة تجاه بعض الملفات والقضايا المهمة واكد انه سيتصدى لما وصفه بـ"غزو الأجانب" للبلاد.

واستغلت حملة حزب "البديل من أجل ألمانيا" تداعيات قرار ميركل في عام 2015 بفتح الحدود أمام اللاجئين والمهاجرين، وغالبيتهم من الشرق الأوسط. وهز نجاح الحزب اليميني أركان المؤسسة السياسية في ألمانيا، ونُظمت احتجاجات ضد الحزب المناهض للإسلام في مدن عديدة عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات. ومع استبعاد إمكانية تشكيل تحالف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي، فإن الخيارات أمام ميركل ستكون محدودة، ومساعيها لتشكيل ائتلاف جديد قد تستغرق فترة طويلة.

ووفقا لنتائج الانتخابات الجديدة، سيكون هناك ستة أحزاب في البرلمان الألماني للمرة الأولى منذ الخمسينيات من القرن الماضي. ومن أجل تشكيل أغلبية برلمانية مريحة، فإن ميركل قد تضطر للتحالف مع أحزاب أصغر وهي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الحر الذي يعود للبرلمان بعد غياب أربع سنوات بالإضافة إلى حزب الخضر. ورفضت جميع هذه الأحزاب العمل مع حزب "البديل من أجل ألمانيا".

وتبدأ المستشارة الألمانية انجيلا ميركل مهمة جس نبض الشركاء السياسيين من أجل تشكيل ائتلاف حكومي وذلك بعد فوزها بولاية رابعة كمستشارة للبلاد على الرغم من ضعف موقفها الذي أحدثه ازدياد شعبية اليمين المتطرف. وحصل التكتل المحافظ بزعامة ميركل على 33 بالمئة من الأصوات بانخفاض 8.5 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات 2013 حيث يبدو أن سبب التراجع هو تعامل ميركل مع أزمة اللاجئين في 2015. وهذه هي أدنى نسبة من أصوات الناخبين يحصل عليها التكتل المحافظ منذ 1949.

ولاية جديدة

وفي هذا الشأن فاز المحافظون الألمان بالانتخابات التشريعية، إلا أن الدخول التاريخي لليمين القومي والشعبوي إلى مجلس النواب عكر إلى حد كبير فرحة انتصار أنغيلا ميركل بولاية رابعة. ومع أن الحزبين المحافظين الحليفين الاتحاد المسيحي الديمقراطي، والاتحاد المسيحي الاجتماعي، حلا في الطليعة، إلا أن النتائج التي حصلا عليها تعتبر الأدنى تاريخيا.

وكتبت صحيفة بيلد الشعبية على موقعها الإلكتروني "زلزال انتخابي"، مشيرة إلى أن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل بحصوله على 32,9 % من الأصوات "سجل أسوأ نتيجة له منذ 1949" ونشوء الجمهورية الاتحادية. ولفتت الصحيفة إلى أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي "حصل على النتيجة الأسوأ له حتى الآن" (20,8% من الأصوات)، بينما فرض القوميون والشعبويون في حزب البديل لألمانيا (13% من الأصوات) أنفسهم بصفتهم "القوة السياسية الثالثة" في البلاد.

وأقرت ميركل بأنها كانت تتوقع الحصول على "نتائج أفضل"، كما اعتبرت أن دخول القوميين المتشددين البرلمان يعتبر "تحديا جديدا". واتصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بميركل "لتهنئتها" على فوزها بالانتخابات، مؤكدا أنهما سيواصلان معا "بعزم" مسيرة "التعاون الضروري" بينهما. وبات يعود اليوم إلى ميركل تسلم المستشارية للمرة الرابعة وتشكيل الحكومة الجديدة مع شركاء آخرين غير الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي سارع إلى التأكيد بعد صدور هذه النتائج الأولية، أنه قرر الانتقال إلى المعارضة بعد أن حكم مع ميركل خلال السنوات الأربع الماضية.

وبات من المرجح أن تسعى ميركل إلى التحالف مع الحزب الليبرالي الديمقراطي ومع حزب الخضر لتشكيل أكثرية. وسارع الليبراليون الألمان الشركاء المحتملون لميركل في الحكومة المقبلة إلى التحذير من أنهم سيعارضون مشروع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لموزانة منطقة اليورو. وعكرت النتيجة التاريخية التي حققها حزب "البديل" لألمانيا، على ميركل وعلى المحافظين فرحتهم بالبقاء في السلطة.

وهي المرة الأولى التي يدخل فيها هذا الحزب إلى البرلمان وهو معروف بمواقفه المناهضة للهجرة وللإسلام وللاتحاد الأوروبي. وبعدما فشل في دخول مجلس النواب خلال الانتخابات الأخيرة عام 2013، فإنه اليوم يتفوق على اليسار الراديكالي (دي لينكي 9%) وعلى الليبراليين (نحو 10%) وعلى الخضر (نحو 9%). وفي وقت كانت ميركل تركز في حملتها الانتخابية على ضرورة الحفاظ على الازدهار الاقتصادي الذي تنعم فيه البلاد، كان حزب البديل لألمانيا يشن عليها الهجمات العنيفة، ويشيد بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإنعزالية، وبتصويت البريطانيين إلى جانب بريكسيت.

وأشادت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان بـ "حلفائها" في حزب "البديل لألمانيا" لتحقيقهم "هذه النتيجة التاريخية"، ورأت في ذلك "رمزا ليقظة الشعوب". غير أن العديد من المدن الألمانية شهدت خروج متظاهرين احتجاجا على فوز حزب "البديل لألمانيا". وتجمع مئات الأشخاص قرب أحد النوادي في وسط برلين حيث كان أنصار حزب البديل يحتفلون بانتصارهم، وردد المتظاهرون هتافات "كل برلين تكره حزب البديل" و"لا للنازيين".

ويتهم القوميون ميركل بـ"الخيانة" لفتحها أبواب البلاد عام 2015 أمام مئات الآلاف من طالبي اللجوء وغالبيتهم من المسلمين. وقالت ألكسندر غولاند إحدى رئيستي لائحة حزب البديل لألمانيا بعد إعلان النتائج "سنغير البلاد" واعدة بـ "مطاردة" ميركل "واستعادة بلادنا وشعبنا". ووصفت أليس فيدل الرئيسة الثانية للائحة الحزب اليميني القومي النتائج بأنها "رائعة" مضيفة "نحن هنا لنبقى". وأوضحت أن أول ما سيقوم به حزبها هو المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية بشأن قرار ميركل فتح أبواب الهجرة عامي 2015 و2016.

ولم يتأخر المجلس المركزي ليهود ألمانيا عن التعبير عن قلقه إزاء الفوز الذي حققه اليمين القومي، وأصدر بيانا دعا فيه إلى "التعبئة دفاعا عن الديمقراطية وعن القيم" التي تمثلها البلاد. وبات اليوم على المستشارة أن تبرر أمام حلفائها من الاتحاد المسيحي الاجتماعي في مقاطعة بافاريا، وأمام الشريحة المحافظة في حزبها الاتحاد المسيحي الديمقراطي، مواقفها الشديدة الوسطية وانفتاحها الكبير على المهاجرين.

وتمكن حزب البديل لألمانيا من قضم أصوات من المحافظين رغم تطرف بعض قياداته ودعوتهم الألمان إلى أن يكونوا فخورين بأعمال جنودهم خلال الحرب العالمية الثانية، وهو أمر لم يحصل سابقا في بلد تقوم هويته الأساسية على نبذ النازية ونبذ التطرف. ولم يتردد وزير الخارجية سيغمار غابريال في القول حتى قبل موعد الانتخابات، أن دخول حزب البديل لألمانيا إلى البوندستاغ سيسجل عودة النازيين إلى ألمانيا "للمرة الأولى منذ أكثر من سبعين عاما".

ومع حصول اليسار الراديكالي دي لينكي على نحو 9 % فهذا يعني أن نحو ربع الناخبين اختاروا التطرف. وهذه الظاهرة التي اقتحمت دولا أوروبية عدة تبدو للمرة الأولى واضحة اليوم في ألمانيا. أما الخاسر الأكبر في نهاية اليوم الانتخابي الطويل في ألمانيا فهو بدون منازع الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي والزعيم الحالي للحزب الاشتراكي الديمقراطي مارتن شولز الذي قاد الاشتراكيين الديمقراطيين إلى هزيمتهم الرابعة على التوالي بمواجهة ميركل التي تبدو كأنها لا تقهر.

وفشل الحزب الاشتراكي الديمقراطي في تقديم نموذج للتغيير ولم يستفد كثيرا من دخوله الحكومة مع ميركل منذ العام 2013. فهو ركز على شعارات حول العدالة الاجتماعية في حين أن البلاد تعيش نموا كبيرا ونسبة بطالة من الأدنى في تاريخها. حتى أن مستقبل شولز السياسي على رأس الحزب الاشتراكي الديمقراطي بات مهددا بعد أن كان مطلع العام الحالي يحمل الآمال الكثيرة لمناصري هذا الحزب. بحسب فرانس برس.

وإزاء هذه النتائج، وإثر موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي لجهة رفضه الاستمرار في الحكم، لن تكون مهمة ميركل سهلة في تشكيل ائتلاف حكومي جديد. الخيار الأسهل كان إبقاء الائتلاف مع الاشتراكيين الديمقراطيين، ومع غياب هذا الخيار تتجه الأمور نحو ائتلاف جديد يضم الحزب الليبرالي والخضر. إلا أن الخلافات بين الليبراليين والخضر حول مستقبل الديزل أو الهجرة لن تسهل الأمور نحو تشكيل هذا الائتلاف. ويمكن أن تتواصل المحادثات لتشكيل الائتلاف الجديد حتى نهاية العام الحالي، ولن تصبح ميركل مستشارة للمرة الرابعة إلا بعد نجاحها في تشكيل ائتلاف جديد. وسيكون على هذا الائتلاف الجديد تحمل مسؤوليات كبيرة إزاء إصلاح منطقة اليورو، ومستقبل العلاقات بين ضفتي الأطلسي، ومسألة العقوبات على روسيا.

انقسام في حزب البديل

الى جانب ذلك ظهر انقسام في حزب البديل من أجل ألمانيا المنتمي لليمين المتطرف بعد يوم واحد من تحقيقه المركز الثالث في انتخابات عامة مع قول زعيمته المشاركة إنها لن تجلس في البرلمان مع أعضاء حزبها. وانسحبت فراوكه بيتري، التي اعتبرت لفترة طويلة أشهر وجه في الحزب لكن ظهورها تراجع في الأشهر الماضية، من مؤتمر صحفي بحدة بعد أن قالت إنها ستقبل مقعدها البرلماني لكنها لن تكون جزءا من المجموعة البرلمانية لحزبها.

وقالت بيتري ”قررت أنني لن أكون جزءا من مجموعة البديل من أجل ألمانيا في البرلمان الألماني لكنني سأكون مبدئيا عضوا منفردا في البرلمان في مجلس النواب“. وأدلت بيتري بهذا الإعلان المفاجئ بعد أن حصل حزبها على نسبة 12.6 بالمئة من الأصوات. وقالت بيتري في مؤتمر صحفي مشترك مع قادة آخرين في الحزب ”أعتقد أن علينا أن نقر بصراحة اليوم بوجود خلاف على المحتوى في حزب البديل من أجل ألمانيا وأعتقد أن علينا ألا نسكت عن ذلك لأن المجتمع يدعو لحوار مفتوح“. بحسب رويترز.

ورفضت الإجابة عن مزيد من الأسئلة بما يشمل سؤالا عما إذا كانت ستبقى الزعيمة المشاركة للحزب لكنها قالت إن الناس سيسمعون أخبارا منها في الأيام المقبلة. وقال قادة الحزب إنهم لا يعرفون سبب انسحابها من المؤتمر. وكانت بيتري قد فجرت مفاجئة في أبريل نيسان عندما قالت إنها لن تقود حزبها في الحملة الانتخابية بعد أن اختلفت مع أعضاء بارزين في الحزب بسبب دفاعها عن تبني نهج أكثر اعتدالا. وقالت بيتري إن حزب البديل من أجل ألمانيا بصفته ”حزب لا سلطوي“ بإمكانه أن يكون ناجحا في المعارضة لكنه لن يتمكن من تقديم خيار للناخبين يتمتع بالمصداقية كحكومة وساقت ذلك كسبب لقرارها عدم استلام مقعدها البرلماني كجزء من مجموعة الحزب.

وحزب ميركل أقوى زعماء أوروبا لا يزال أكبر كتلة في البرلمان بينما تقول هي إن حزبها سيعمل على بناء الحكومة المقبلة مضيفة أنها متأكدة من الوصول إلى اتفاق حول تحالف سياسي بحلول عيد الميلاد.

من جهة اخرى حذر بعض قادة قطاع الاقتصاد من أن حزبا شبهه وزير الخارجية بالنازيين هو أمر قد يضر ألمانيا. وقال رئيس هيئة العمال الألمانية إنجو كرامر إن ”وجود حزب البديل من أجل ألمانيا في البرلمان هو أمر مضر لبلادنا“. وأضاف ”على الأحزاب الأخرى الآن أن تحاصر حزب البديل من أجل ألمانيا في المناظرات البرلمانية“. وأعطى ألكسندر جاولاند أحد مرشحي حزب البديل من أجل ألمانيا فكرة عما سيحدث في المستقبل متعهدا ”بمطاردة“ ميركل و”استعادة شعبنا وبلادنا“. وحث قادة القطاع الصناعي ميركل على المضي بسرعة في تشكيل الحكومة. وقال ديتر كيمف رئيس هيئة (بي.دي.آي) الصناعية ”شركاتنا تحتاج إلى إشارات واضحة. الأهم الآن هو تجنيب ألمانيا تضرر سمعتها كمكان لأداء الأعمال“. ويقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه من المرجح أن يشكل تقاسم ميركل للسلطة مع الحزب الديمقراطي الحر، على وجه الخصوص، مشاكل فيما يتعلق بتحقيق تكامل أكبر مع منطقة اليورو.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1