ماتزال فنزويلا التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة تعيش حالة من عدم الاستقرار، بسبب الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية المستمرة ضد الرئيس نيكولاس مادورو منذ بداية نيسان/أبريل، والتي أوقعت نحو 130 قتيلا. حيث تحمل المعارضة مادورو المسؤولية في الأزمة الاقتصادية الحادة في البلاد. كما عارضت انتخاب جمعية تأسيسية نهاية تموز/يوليو واعتبرت أنها التفاف على البرلمان المؤسسة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة منذ نهاية 2015. هذه الازمة تصاعدت بشكل كبير في الفترة الأخيرة بسبب الضغوط والقرارات المتشددة التي اتخذتها الحكومة الفنزويلية ضد المعارضين، والتي اثارت قلق واستياء العديد من دول العالم، ومنها الولايات المتحدة التي وصفت الرئيس الفنزويلي بأنه "ديكتاتور" يقوض الديموقراطية في بلاده وفرضت عقوبات متشددة استهدفت وبحسب بعض المصادر، سياسيين وشخصيات أمنية لكنها لم تمس قطاع النفط الحيوي في فنزويلا.

كما اعتبرت الامم المتحدة ان الانتهاكات المكثفة لحقوق الإنسان التي ترتكب في فنزويلا بحق المتظاهرين تكشف عن وجود "ارادة سياسية بقمع الاصوات المعارضة، وزرع الرعب في نفوس السكان". وجاء في تقرير صادر عن المفوضية العليا لحقوق الانسان "ان الاستخدام المعمم والمنظم للقوة المفرطة خلال التظاهرات، واعتقال المتظاهرين والمعارضين السياسيين بشكل تعسفي، انما يدلان على ان هذه الاعمال ليست معزولة ارتكبها بعض الضباط"، بل هي نابعة من" ارادة سياسية بقمع كل الأصوات المعارضة وزرع الخوف بين السكان لإسكات الاحتجاجات".

وحذر المفوض الاعلى لحقوق الانسان زيد رعد الحسين، من ان الازمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة والتوترات السياسية المتزايدة يمكن ان تفاقم الوضع في فنزويلا. وحمل تقرير الامم المتحدة قوات الامن والمليشيات المؤيدة للحكومة مسؤولية مقتل ما لا يقل عن 73 متظاهرا مناهضا للحكومة. واوضح التقرير ان سبب وفاة الباقين لم تعرف بعد.

بين الخيانة والهروب

وفي هذا الشأن قررت الجمعية التأسيسية الفنزويلية أن تحيل إلى المحكمة بتهمة "الخيانة" معارضين شجعوا بحسب رأيها على فرض العقوبات المالية التي أعلنتها الولايات المتحدة الجمعة على فنزويلا. وخلال جلسة لهم بكراكاس، وافق أعضاء الجمعية على مرسوم يفتح الطريق أمام "محاكمة تاريخية بتهمة الخيانة ضد الذين شجعوا على هذه الاجراءات غير الأخلاقية ضد مصالح الشعب الفنزويلي". ولا يأتي النص على ذكر أي اسم، لكن المتحدثين خلال الجلسة وجهوا الاتهام للمعارضة، وتحديدا لرئيس البرلمان خوليو بورغيس ونائبه فريدي غيفارا. وطلبت الجمعية من سلطات الدولة أن تبدأ فورا التحقيقات لتحديد مسؤولية المتهمين. وكان الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو قد اتهم الجمعة بورغيس بممارسة "ضغط" باتجاه فرض عقوبات أمريكية، وطالب بأن يتم الحكم عليه جنبا إلى جنب مع سواه من زعماء المعارضة، بتهمة "خيانة الوطن". وينص قانون العقوبات الفنزويلي على عقوبة بالسجن تتراوح بين 20 و30 عاما بحق الخونة. بحسب فرانس برس.

الى جانب ذلك منحت تشيلي اللجوء الدبلوماسي لخمسة قضاة فنزويليين قاموا باللجوء لسفارتها في العاصمة الفنزويلية كراكاس، في وقت تخيم فيه أزمة سياسية حادة على البلاد. وأعلنت تشيلي أنها قبلت طلب اللجوء الذي تقدم به خمسة قضاة طلبوا اللجوء إلى أراضيها. وكان القضاة الخمسة ضمن 33 قاضيا سماهم البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة في 21 تموز/ يوليو الفائت ليشكلوا المحكمة العليا "في الظل". ولكي يحلوا محل قضاة المحكمة العليا المحسوبين على الرئيس مادورو.

وأعلن زير خارجية تشيلي هيرالدو مونوز أن "الوقت قد حان لتنفيذ التزامنا وتضامننا" مع المعارضة في فنزويلا. وتابع أن "الحكومة التشيلية قررت منح هؤلاء المواطنين الفنزويليين الخمسة اللجوء الدبلوماسي". وطلبت تشيلي من الحكومة الفنزويلية السماح بالخروج الآمن للقضاة الخمسة من بلادهم، بحسب الوزير مونوز. ويأتي قرار تشيلي غداة منح كولومبيا الحماية واللجوء للمدعية العامة السابقة في فنزويلا لويزا أورتيغا. وكانت المعارضة من يمين الوسط قد تمكنت من تحقيق فوز كبير في الانتخابات التشريعية عام 2015مهددة سياسة تيار الرئيس الاسبق هوغو شافيز الذي حكم البلاد من عام1999حتى وفاته عام 2013.

الاعلام المعارض

الى جانب ذلك قالت نقابة الصحافيين في فنزويلا إن الحكومة الفنزويلية أغلقت 49 وسيلة إعلامية منذ مطلع العام الحالي، ما يمثل "سياسة تضييق ممنهجة لخنق...حرية التعبير والانتقاد والمعارضة". وكان ذلك خلال تظاهرة للصحافيين احتجاجا على حظر بث إذاعتين محليتين. وأفاد الأمين العام للنقابة الوطنية لموظفي الصحافة ماركو رويز خلال التظاهرة "لقد سجلنا إغلاق 49 وسيلة إعلامية، غالبيتها إذاعات لكن بينها كذلك قنوات تلفزيونية مدفوعة مثل آر سي أن وكراكول".

وتجمع صحافيون للتظاهر ضد قرار اللجنة الوطنية للاتصالات (كوناتيل) حظر بث اثنتين من أشهر الإذاعات في العاصمة كراكاس وهما 92,9 أف أم وماجيكا 91,1 أف أم اللتين تبثان منذ حوالي 30 عاما. وبحسب ماركو رويز فإن حكومة الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو تطبق "سياسة تضييق ممنهجة لخنق كل الفضاءات التي ما زالت تتيح حرية التعبير والانتقاد والمعارضة". بحسب فرانس برس.

وكانت كوناتيل أمرت بقطع بث قناتي "أر سي أن" و"كراكول" اللتين تعتبران من أكبر قنوات التلفزيون الفنزويلية المدفوعة. وفي شباط/فبراير حظرت كراكاس بث قناة "سي أن أن" الناطقة بالإسبانية بعدما اتهم مادورو القناة الأمريكية بممارسة "دعاية حربية"، قبل أن تحظر حكومته في الشهر التالي بث قناتي إل تييمبو الكولومبية وتودو نوتيسياس الأرجنتينية.

أعمال شغب

على صعيد متصل تجمع نحو مئة من أقرباء معتقلين قبالة مستشفى بويرتو أياكوشو في جنوب فنزويلا للمطالبة بالتعرف على جثث 37 شخصا قتلوا جراء أعمال شغب داخل مركز للاعتقال المؤقت. وكان مكتب النائب العام أعلن أنه أمر بفتح تحقيق "في وفاة 37 شخصا" في السجن الواقع بمدينة بويرتو أياكوتشو في ولاية الأمازون بالقرب من الحدود مع البرازيل وكولومبيا. وقال حاكم الولاية ليبوريو غارولا "الجثث مكدسة في مشرحة" المستشفى و"العائلات تنتظر أن تقوم وزارتا الداخلية والعدل بالتعرف على الضحايا وتسليم جثامينهم".

ونشرت وسائل الإعلام المحلية على شبكات التواصل الاجتماعي صورا للعائلات التي تجمعت أمام المستشفى وهي تنتظر نشر لائحة بأسماء القتلى. وكان غارولا تحدث في تغريدة على تويتر عن "مجزرة" داخل السجن الذي كان يضم 103 سجناء، عند وصول وحدة خاصة من وزارتي العدل والداخلية. وأصيب في أعمال الشغب 14 شخصا بجروح، بالإضافة إلى القتلى. وأوضح غارولا أن 61 معتقلا نقلوا إلى مراكز توقيف أخرى بعد الحوادث. وقد تمكن أحدهم من الفرار خلال الفوضى التي سادت. بحسب فرانس برس.

وقالت منظمتان للدفاع عن حقوق الإنسان "نافذة إلى الحرية" (أونا فنتانا الا ليبرتاد) و"المرصد الفنزويلي للمعتقلين" إن القتلى الـ37 هم من السجناء. وأوضح منسق منظمة "نافذة إلى الحرية" كارلوس نييتو إنه "أسوأ عصيان يشهده مركز للاعتقال المؤقت". ويأتي ذلك بينما تشهد فنزويلا أسوأ أزمة سياسية منذ عقود. وقالت "نافذة إلى الحرية" أن سجون فنزويلا تتسع لـ 53 ألف شخص لكنها كانت تضم 88 ألف معتقل في نهاية 2016. ويعود آخر عصيان في سجن في فنزويلا إلى 2013 وقتل خلاله ستون شخصا وجرح أكثر من 150 آخرين في سجن أوريبانا بولاية لارا (غرب).

عقوبات قاسية

على صعيد متصل وقع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وكما نقلت بعض المصادر على مرسوم يفرض عقوبات مالية قاسية على فنزويلا، التي وصفت هذه الخطوة بالعدوان الأكبر ضدها منذ 200 عام. وأعلن البيت الأبيض، في بيان صحفي نشره بهذا الصدد، أن "الرئيس دونالد ترامب وقع مرسوما ينص على فرض عقوبات مالية قاسية جديدة ضد النظام الديكتاتوري في فنزويلا". واعتبر البيت الأبيض أن "الديكتاتور (الرئيس الفنزويلي نيكولاس) مادورو يواصل حرمان شعب البلاد من إمكانية الوصول إلى المواد الغذائية والطبية، كما يقوم بسجن ممثلي المعارضة المنتخبة ديمقراطيا، ويقمع حرية التعبير باستخدامه العنف".

وتفرض العقوبات الجديدة حظرا على "تنفيذ عمليات تجارية بالأسهم وسندات الديون لحكومة فنزويلا وشركة النفط والغاز الحكومية" الفنزيلية ، المعروفة باسم "PDVSA"، مع موعد التسديد أكثر من 30 و90 يوما على التوالي. كما تمنع هذه العقوبات "العمليات باستخدام بعض السندات التابعة للقطاع العام في فنزويلا، وكذلك دفع أرباح الأسهم العائدة للحكومة الفنزويلية". وأوضح بيان الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات تهدف إلى "عرقلة المصدر الهام لتمويل استبداد مادورو، وحماية النظام المالي للولايات المتحدة، ومنع مشاركتها في الفساد بفنزويلا".

ودعت السلطات الأمريكية إلى "إحياء الديمقراطية في فنزويلا وإجراء انتخابات حرة وعادلة والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين بشكل فوري ودون شروط ووضع حد لاضطهاد الشعب الفنزويلي"، قائلة إنها ستستمر "بدعمه في هذه الأزمة الصعبة". بدورها، قالت المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة، نيكي هائلي: "هذه إشارة قوية إلى الشعب الفنزويلي وإلى مادورو، مفادها أننا لن نتسامح مع الديكتاتورية التي يحاول إقامتها".

في أول رد من كاراكاس على العقوبات الجديدة، قال وزير الخارجية الفنزويلي، خورخي أرياسا، إن هذه الخطوة، التي اتخذتها واشنطن، تمثل أسوأ عمل عدواني ضد بلاده منذ 200 سنة مضت. وقال أرياسا، عقب لقائه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في نيويورك: "إن التهديدات باستخدام القوة ضد بلاد مسالمة مثل فنزويلا تعد عبثية وعدوانية لدرجة لا توصف، إننا لا نمثل أي خطر على العالم".

وتابع وزير الخارجية الفنزويلي: "إن هذه الخطوة، هذه العقوبات المالية، التي تم الإعلان عنها، تمثل أسوأ عمل عدواني ضد فنزويلا منذ 200 سنة، ربما منذ الفترة التي تمت خلالها هزيمة الإمبراطورية الأسبانية من قبل محررنا، سيمون بوليفار". واعتبر أرياسا أن الولايات المتحدة تحاول، من خلال عقوباتها، "إثارة أزمة إنسانية" في فنزويلا و"تجويع" شعب البلاد. كما أعلن الوزير أن الرئيس مادورو لن يشارك هذا العام في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستبدأ دورتها الـ72 في نيويورك يوم 12 من سبتمبر/أيلول المقبل.

وفي وقت لاحق أكد مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي، هربرت ماكماستر، أن الولايات المتحدة تدرس جميع خيارات التعامل مع الأزمة الفنزويلية، بما في ذلك العسكرية. وقال ماكماستر، في مؤتمر صحفي: "لا ندرس الخيارات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية بشكل منفرد، لكننا نسعى إلى دمجها لعرضها على الرئيس". وأوضح المستشار الأمريكي أن الولايات المتحدة لا تخطط لاتخاذ أي خطوات عسكرية بحق فنزويلا في المرحلة الراهنة، مشيرا إلى أن هذا الإجراء قد يتخذ حال استمرار تفاقم الوضع في البلاد، الذي وصفه بـ"غير المقبول على الإطلاق".

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، كان قد صرح، في وقت سابق، بأن الولايات المتحدة تنظر في كافة الخيارات بشأن فنزويلا، بما في ذلك "الخيار العسكري". وأثار ذلك امتعاضا لدى الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، الذي طلب إجراء مكالمة هاتفية مع ترامب، لكن البيت الأبيض رفض طلبه. يذكر، أن فنزويلا تشهد مواجهات بين أنصار المعارضة وقوات الأمن منذ بداية أبريل/نيسان الماضي، وازدادت حدة التوتر في البلاد بعد أن قرر مادورو إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية، ستقوم بتعديل الدستور، الأمر الذي رفضته المعارضة، معتبرة أن هذه الخطوة غير دستورية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0