بعد مرور عشر سنوات لسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، يرى بعض المراقبين، ان الحركة تواجه اليوم تحديات كبيرة، اسهمت في تفاقم الازمات الانسانية لأكثر من 2مليون فلسطيني في هذا القطاع، الذي يعاني من مشكلات خطيرة وهو ما قد يكون سببا في حدوث انفجار وصراع جديد، فانقطاع التيار الكهربائي، والانقسامات فلسطينية تضاف اليها تداعيات ازمة الخليج الجديدة وضغوط على الحركة الاسلامية، قد تكون سببا بانفجار محتمل. وسيطرت حركة حماس في 15 حزيران/يونيو 2007 على قطاع غزة بعد مواجهات مسلحة مع حركة فتح انتهت بخروج فتح من القطاع. وجاء ذلك بعد وقت قصير من فوز حماس بانتخابات لم يعترف بها المجتمع الدولي.

وبعد سيطرة حماس، فرضت اسرائيل حصارا على القطاع بات أكثر صعوبة بعد اقفال مصر منذ سنوات بشكل شبه متواصل، معبر رفح، المنفذ الوحيد للقطاع الى العالم. ورغم ان ازمة الكهرباء تصيب كل مناحي الحياة في غزة، الا انها وبحسب بعض المصادر، واحدة من أزمات أخرى عديدة في القطاع الذي شهد ثلاثة حروب مدمرة بين العامين 2008 و2014 بين الجيش الاسرائيلي والفصائل الفلسطينية، دمرت خلالها البنى التحتية وعشرات الاف المنشآت الاقتصادية والصناعية والمنازل.

واقتطعت الحكومة الفلسطينية نحو 30% من رواتب موظفيها في القطاع منذ ثلاثة اشهر للضغط على حماس، بحسب ما يقول مسؤولون في حكومة حماس. وتزيد نسبة البطالة في القطاع عن 43%، ونسبة العائلات التي تعاني الفقر عن 65%، فيما اكثر من 85% من السكان يعتاشون على المساعدات الدولية.

ويرى محللون ان الازمة بين قطر ودول خليجية قد تزيد من الضغط على حماس وتفاقم الوضع الانساني في القطاع، لا سيما في ظل اتهام السعودية لقطر بدعم حركة حماس التي "تقوض"، برايها محاولات الحل السياسي. ويتوقع استاذ العلوم السياسية في جامعة الازهر مخيمر ابو سعدة "توقف" الدعم والمشاريع القطرية في غزة في ظل الازمة الخليجية. وتمول قطر مشاريع لتعبيد الطرق واقامة المستشفيات وبناء وحدات سكنية.

ضغوط متواصلة

وفي هذا الشأن اكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو انه لا يرغب ب "التصعيد" العسكري مع حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، رغم قرار حكومته تخفيض امداد القطاع الفقير بالكهرباء. واثار الاعلان عن هذا الاجراء مخاوف وتحذيرات من امكانية اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين الدولة العبرية وحركة حماس. وحذرت حماس من امكانية "تدهور الاوضاع وانفجارها" في القطاع بعد هذا القرار.

وقال نتانياهو في تصريحات بثتها الاذاعة العامة إن "إسرائيل غير معنية بالتصعيد وكل تفسير آخر هو عبارة عن تفسير خاطئ". وقال نتانياهو إن هذه القضية "تشكل موضوعا للجدال بين السلطة الفلسطينية وحماس. حماس تطالب السلطة الفلسطينية بتمويل الكهرباء والسلطة ترفض أن تدفع تلك التكاليف". واضاف "هذا جدال فلسطيني داخلي". وكان وزير الامن الداخلي جلعاد اردان أكد ان السلطة الفلسطينية التي يترأسها محمود عباس وطردتها حركة حماس من غزة عام 2007، قررت "التقليل الى حد كبير" من الاموال التي تدفعها لاسرائيل لتزويد غزة بالكهرباء. وأكد اردان "سيكون من غير المنطقي ان تدفع اسرائيل جزءا من الفاتورة".

وقالت وسائل الاعلام الاسرائيلية ان الحكومة الاسرائيلية قررت تخفيض امدادها اليومي من الكهرباء لغزة بمعدل 45 دقيقة يوميا، بينما كان سكان القطاع يحصلون قبل ذلك يوميا على ثلاث او أربع ساعات من التيار الكهربائي في أفضل الاحوال. وتخفيض إمدادات الكهرباء الى القطاع الذي تسيطر عليه حركة حماس ويقيم فيه نحو مليوني نسمة قد يؤدي إلى تصعيد التوتر في القطاع الذي شهد ثلاث حروب مدمرة بين العامين 2008 و2014 بين الجيش الاسرائيلي والفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس. بحسب فرانس برس.

وقامت حماس بطرد حركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني من القطاع وسيطرت عليه قبل عشر سنوات. وفشلت عدة جولات من المصالحة بين الحركتين. ولا تمارس السلطة الفلسطينية الان سيطرتها سوى على الضفة الغربية المحتلة، ولكنها تواصل دفع الاموال لاسرائيل لتزويد غزة بالكهرباء. وأزمة الكهرباء في قطاع غزة الفقير ليست جديدة، لكنها تعود لعدة أسباب منها النقص في قدرة التوليد حيث يوجد في القطاع محطة وحيدة قامت اسرائيل بقصفها سابقا وتوقفت عن العمل في نيسان/ابريل بسبب نفاد الوقود.

وتقول السلطة الفلسطينية ومقرها الضفة الغربية إن السبب في خفض الإمدادات هو عدم سداد حماس لقيمة الكهرباء. لكن طارق رشماوي المتحدث باسم السلطة الفلسطينية جمع بين هذا التفسير وبين مطلب بأن توافق حماس على مبادرات الوحدة التي طرحها الرئيس محمود عباس والتي تشمل إجراء أول انتخابات تشريعية ورئاسية منذ أكثر من عشر سنوات. وقال رشماوي "نحن في حكومة الوفاق نجدد دعوتنا إلى حركة حماس وسلطة الأمر الواقع هناك بتسليمنا كافة المؤسسات الحكومية في قطاع غزة حتى تستطيع الحكومة أن تقدم أفضل ما لديها بما يليق بأهلنا وشعبنا وتضحياتهم في قطاع غزة الحبيب."

وقال فوزي برهوم المتحدث باسم حركة حماس "الذي سيتحمل المسئولية عن هذا التدهور الخطير هو حكومة الاحتلال والذي يحاصر قطاع غزة منذ عشر سنوات". وقال أشرف القدرة المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة إن أي تدهور في أزمة الكهرباء في غزة -التي خرجت محطتها الرئيسية لتوليد الكهرباء من الخدمة وسط خلاف بين حماس والسلطة الفلسطينية على الضرائب- يمكن أن يتسبب في انهيار الخدمة الصحية التي تعتمد بالفعل على مولدات منفردة بعضها في حالة متهالكة.

وتحصل إسرائيل من السلطة الفلسطينية على 40 مليون شيقل (11 مليون دولار) شهريا ثمنا للكهرباء وتخصم المبلغ من تحويلات إيرادات الضرائب الفلسطينية التي تجمعها نيابة عن السلطة. ولا تتعامل إسرائيل مع حماس التي تعتبرها جماعة إرهابية. وأبلغت السلطة الفلسطينية إسرائيل إنها ستغطي فقط نسبة 70 بالمئة من التكلفة الشهرية للكهرباء التي توردها شركة الكهرباء الإسرائيلية لقطاع غزة.

الازمة الخليجية

الى جانب ذلك ربما يكون لتحركات السعودية ومصر ودول عربية أخرى لعزل قطر عواقب وخيمة على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تحكم قطاع غزة والتي طالما اعتمدت على الإمارة الخليجية في الدعم المالي والسياسي. وقطعت مجموعة قوية من الدول العربية تضم أيضا الإمارات والبحرين العلاقات الدبلوماسية وفرضت حصارا على قطر بسبب مزاعم عن دعم الدولة المنتجة للغاز الطبيعي المسال لجماعات إسلامية وإيران.

والتزم مسؤولو حماس الصمت بشأن الضغط الذي تتعرض له قطر رغبة منهم في عدم لفت الانتباه لمعضلتهم الخاصة نتيجة أسوأ أزمة بين دول الخليج العربية منذ عقدين من الزمن. لكن محللين في غزة يقرون بأن الوضع محفوف بالمخاطر. ومن بين التداعيات المحتملة خفض التمويل القطري لحماس بشكل حاد لا سيما إذا كانت الإمارة تريد أن تثبت للسعوديين وآخرين أنها تتعامل بجدية مع الاتهام بأنها تمول جماعات متشددة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين مثل حماس.

ودفعت قطر أو تعهدت بدفع 1.5 مليار دولار منذ 2012 للمساعدة في بناء طرق ومنازل ومدارس وعيادات في قطاع غزة الفقير. وإذا انقطع الدعم المالي فسيضر ذلك سكان القطاع وعددهم مليونا نسمة وقد تكون له عواقب على إسرائيل أيضا. وفي الماضي عندما كانت حماس تشعر بأنه يتم تضييق الخناق عليها كان الأمر يقود إلى صراع. وقال عدنان أبو عامر وهو محلل سياسي مستقل في غزة "سيكون من الصعب أن تستأنف قطر دعمها المالي لقطاع غزة بسبب الهجمة عليها.. الدعم السياسي للملف الفلسطيني بأكمله سيتأثر، ليس فقط من جهة قطر، ولكن من قبل دول الخليج والمنطقة العربية بشكل عام، وهذا سيترك الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل لوحدهم".

وذكر أن من غير المرجح أن تثير حماس ضجة علنا حتى لا تزيد الضغط الذي تتعرض له قطر. وقال "حماس تشعر بأنها مدينة بالشكر لقطر على دعمها السياسي والمالي خلال الأعوام الماضية". وفي مؤشر على أن حماس تتعرض لضغط من قطر لتخفيف مواقفها كشفت الحركة عن وثيقة سياسة جديدة في الدوحة نأت فيها بنفسها عن الإخوان المسلمين. وتأسست حماس في الثمانينيات من القرن الماضي كجناح للإخوان المسلمين لكنها شددت في الآونة الأخيرة على أصولها كحركة تحرير فلسطينية لأسباب منها تخفيف العداء مع مصر واجتذاب الدعم من دول عربية ثرية.

ولم يتطرق مسؤولون من حماس بشكل مباشر للمخاطر التي يواجهونها لكنهم انتقدوا السعودية لأنها قادت الحملة ضد قطر وانتقدوا بصفة خاصة تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير التي دعت قطر لقطع العلاقات مع حماس. وقالت الحركة في بيان "نحن في حركة حماس ندعو الأشقاء في المملكة العربية السعودية إلى وقف هذه التصريحات التي تسيء للمملكة ولمواقفها تجاه قضية شعبنا وحقوقه المشروعة". وأضافت "لا يخفى على أحد كيف يستغل العدو الصهيوني مثل هذه التصريحات لارتكاب المزيد من الانتهاكات والجرائم بحق شعبنا وأرضنا ومقدساتنا وبحق القدس والمسجد الأقصى المبارك".

إلى جانب الدعم المالي تستضيف قطر منذ فترة طويلة مسؤولين من حماس بينهم رئيس مكتبها السياسي السابق خالد مشعل. وحل إسماعيل هنية محل مشعل في الآونة الأخيرة ورغم أنه لا يزال في غزة فمن المتوقع أن ينتقل إلى الدوحة. وذكرت تقارير في وسائل إعلام عربية أن قطر تعتزم طرد عدد من مسؤولي حماس بمن فيهم صالح العاروري الذي يُعتقد أنه زعيم حماس في الضفة الغربية المحتلة والذي سبق وطُرد من تركيا. لكن حماس في غزة نفت ذلك. ولا يزال مشعل في الدوحة.

وفي مؤشر على أن حماس تقيم سريعا ما تعنيه التحولات في المنطقة يزور زعيمها الحالي في غزة يحيى السنوار مصر لعقد اجتماعات. وتريد مصر من حماس أن تقطع العلاقات مع الإخوان المسلمين التي تصنفها القاهرة منظمة إرهابية وأن تتبنى موقفا إقليميا أكثر براجماتية. ولم تتضح بعد الرسالة التي حملها السنوار للقاهرة لكن محللين يعتقدون أن الهدف هو محاولة إبقاء مصر في صف حماس وإظهار أن الحركة يمكن أن تكون شريكا. والسؤال هو هل سينجح ذلك وهل تستطيع حماس التعامل ببرود مع قطر. بحسب رويترز.

وقال أشرف أبو الهول وهو كاتب ومحلل في صحيفة الأهرام المصرية "الرؤية تبدو ضبابية لحماس حاليا.. لا توجد رؤية حول مصير قيادة حماس في الخارج أي في قطر. هل ستخرج؟ وإذا خرجت فإلى أين؟ الموقف السعودي واضح.. حماس مثلها مثل الإخوان ويجب أن يخرجوا من قطر". وعبر عن اعتقاده بأن حماس ينبغي أن تنأى بنفسها عن قطر وتسحب مسؤوليها من الدوحة إذا كانت تريد الاحتفاظ بدعم دول الخليج الأخرى. وقال "لكن إذا حماس ترددت أو تأخرت أو اختارت المحور الإيراني القطري ستواجه صعوبات في كل شيء.. لربما حماس هي من أكبر الخاسرين مما يجري في قطر".

ترامب والحركة

في السياق ذاته احتجت حركة حماس الاسلامية على تصريحات للرئيس الاميركي دونالد ترامب ضدها في خطاب ألقاه في السعودية ، مؤكدة انها "تشوه سمعة المقاومة الفلسطينية". ووصف ترامب في خطابه في القمة العربية الاسلامية الاميركية حركة حماس ب" الارهابية" وقارنها بتنظيم داعش والقاعدة. ورفض المتحدث باسم حماس فوزي برهوم وصف حركته ب"الارهابية".

وقال إن تصريحات ترامب "مرفوضة وتشويه لسمعة المقاومة الفلسطينية وانحياز كامل للاحتلال الصهيوني". واتهم المسؤول في حركة حماس مشير المصري الرئيس الاميركي ب "الاصطفاف والانحياز للاحتلال". وقال المصري ان تصريحات الرئيس الاميركي "دليل على سياسة الكيل بمكيالين التي لن توصل المنطقة الى الاستقرار"، مؤكدا ان "سياسة الادارة الاميركية العرجاء لن تغير حقائق التاريخ ولن تثني شعبنا عن مواصلة طريق التحرر". وتعتبر إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حماس منظمة "ارهابية"، ويخضع عدد من قادتها لعقوبات أميركية ودولية، والعلاقات متوترة بين حماس وعدد من الدول العربية. بحسب فرانس برس.

من جانب اخر قال محمود الزهار القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن الوثيقة التي نشرتها الحركة في وقت سابق ليست بديلا عن ميثاق تأسيسها الذي يدعو إلى تدمير إسرائيل. وقال الزهار إن الوثيقة السياسية الجديدة التي أعلنها في قطر رئيس المكتب السياسي لحماس المنتهية ولايته خالد مشعل في أول مايو أيار لا تتعارض مع ميثاق تأسيس الحركة الصادر عام 1988.

وبدت الوثيقة محاولة لتخفيف لهجة الحركة الإسلامية تجاه إسرائيل وإن كانت ما زالت تدعو "لتحرير فلسطين تحريراً كاملاً من نهرها إلى بحرها" كما تنص على أن المقاومة المسلحة سبيل لتحقيق هذا الهدف كما لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود. وقال الزهار "العهد الذي بيننا وبين الله، العهد الذي قطعناه في حماس... أن نحرر فلسطين كل فلسطين". وأضاف "جوهر الموقف هو الميثاق وآليات الموقف هو الوثيقة".

وقالت حماس إنها توافق على إقامة دولة فلسطينية انتقالية على حدود عام 1967 لكنها ما زالت ترفض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود وتؤيد المقاومة المسلحة. ويعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، زعيم حركة فتح المنافسة التي تدير الضفة الغربية المحتلة، بإسرائيل ويسعى من أجل اتفاق سلام نهائي بناء على تلك الخطوط. ونفى الزهار أن تكون حماس تحاول تبني نفس موقف فتح. وقال "لما الناس تقول إن حماس قبلت بحدود 67 مثلما قبل غيرها.. هذه إساءة لنا".

وأضاف "نحن ثبتنا الثوابت التي لا تتغير.. لا نعترف بإسرائيل، لا نعترف بأن هذه الأرض المحتلة عام 1948 هي ملك لإسرائيل ولا نعترف أن الشعب (اليهود) الذي جاء هنا له ملك هنا". وتابع يقول "ليس هناك تناقض بين ما قلناه في وثيقتنا وبين العهد الذي بيننا وبين ربنا في ميثاقنا". وألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بشكل رمزي ما وصفها بأنها "وثيقة الكراهية" التي نشرتها حركة حماس في سلة مهملات وقال إن الحركة تحاول خداع العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1