مع تواصل حركة الاحتجاجات الشعبية في منطقة الريف المغربية والتي بدأت بعد مقتل بائع سمك سحقا في شاحنة لجمع النفايات في تشرين الأول/أكتوبر 2016، تتزايد المخاوف من دخول البلاد في صراع جديد او يقود الى حرب اهلية خطيرة، خصوصا وان منطقة الريف التي خضعت للاستعمار الإسباني قد عرفت بعض الاحتجاجات الاجتماعية في عهد العاهل الراحل الملك الحسن الثاني الذي قمع بشدة ثورة في الريف في عام 1958 وكان آنذاك وليا للعهد. كما انتفضت المنطقة في احتجاجات اجتماعية في عام 1984 إلى جانب عدد من مناطق المغرب.

يضاف الى ذلك ان احتجاجات الحسيمة واحدة من أكبر الاحتجاجات منذ اضطرابات 2011 على غرار احتجاجات "الربيع العربي" مما دفع الملك إلى نقل بعض سلطاته لبرلمان منتخب على الرغم من أن القصر لا يزال يمسك بزمام السلطة المطلقة.

وتصاعدت حدة الاحتجاجات مؤخرا بسبب تصريحات لمسؤولين مغاربة اتهموا فيها بعض المحتجين في الريف "بالنزعة الانفصالية". ودعت الاحتجاجات التي كانت سلمية في معظمها إلى "فك العزلة عن الريف" ورفع "التهميش عنه" وأيضا رفع "العسكرة" عن الريف كما رفعوا مطالب اجتماعية تمثلت في التعليم والصحة واللتشغيل، هذه الازمة تصاعدت بعد ان عمدت الحكومة المغربية الى تشديد اجراءاتها الامنية في المنطقة التي شهدت ايضا اعتقال بعض الشخصيات، بعد تفجر الأوضاع بسبب خطبة اتهم فيها خطيب وإمام مسجد محمد الخامس الحراك بالفتنة وبدأت الاحتجاجات تنتقل الى باقي المغرب بسبب اعتقال زعماء الحراك، ومنهم الناشط ناصر الزفزافي. وامتدت التظاهرات مجددا كما نقلت بعض المصادر الى مدن مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش، وواجهتها السلطات بالقوة لتفريقها.

القبض على ناشط

وفي هذا الشأن قالت وسائل إعلام حكومية إن السلطات المغربية ألقت القبض على ناشط بارز مع متظاهرين آخرين شاركوا في موجة مسيرات احتجاجا على انتهاكات وفساد المسؤولين في شمال المملكة. وذكرت وكالة المغرب العربي للأنباء نقلا عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف في الحسيمة أن ناصر الزفزافي، الذي ساعد على تنظيم الاحتجاجات لأشهر، سيخضع للتحقيق بتهم "تهديد الأمن الوطني" وجرائم أخرى.

وقال مسؤول حكومي إن السلطات حاولت إلقاء القبض على الزفزافي في بادئ الأمر بعدما قاطع إمام مسجد أثناء إلقائه خطبة الجمعة في الحسيمة. لكن أنصاره تدفقوا على الشوارع واشتبكوا مع الشرطة وتمكن من مغادرة المدينة. وذكرت وكالة المغرب العربي للأنباء أن الزفزافي احتجز ونقل مع محتجين معتقلين آخرين إلى مكتب الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء.

وقالت السلطات إنها احتجزت 20 شخصا. ويقول نشطاء إن السلطات احتجزت 28 شخصا. وتشمل الاتهامات الموجهة للمحتجزين تلقي أموال ودعم لوجيستي لتقويض سلامة المملكة. واحتجزت السلطات محتجين متضامنين مع حركة "حراك" التي يتزعمها الزفزافي في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك في الرباط والدار البيضاء ومناطق حضرية أخرى. وقال مسؤولو الصحة إن ثلاثة رجال شرطة أصيبوا إصابات بالغة عقب اشتباكات. ويقول نشطاء إن عددا من المحتجين نقلوا إلى المستشفى أيضا. بحسب رويترز.

والغضب العام من موت بائع السمك يعيد إلى الأذهان انتفاضة تونس في 2011 عندما أضرم بائع متجول شاب النار في نفسه بعد أن صادرت الشرطة فاكهته وخضراواته. وأطاحت الانتفاضة بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي من السلطة وأثارت ثورات "الربيع العربي" في مختلف أنحاء المنطقة. لكن الاحتجاجات في المغرب تدعو إلى حريات أكبر وإلى إصلاح النظام ولا تستهدف الملك بشكل مباشر. غير أن الاضطرابات تأتي في وقت حساس تقدم فيها المملكة نفسها على أنها نموذج للاستقرار الاقتصادي والتغيير التدريجي وملاذ آمن للاستثمار في منطقة يمزقها العنف والتشدد الإسلامي.

وكان زفزافي وهو عاطل عن العمل في التاسعة والثلاثين من العمر تحول الى رمز للتحركات الشعبية التي تسمى "الحراك" وتهز منطقة الريف منذ ان قتل في نهاية تشرين الاول/اكتوبر 2016 بائع سمك سحقا داخل شاحنة نفايات. وعلى مر الوقت اتخذت الحركة الاحتجاجية التي يقوم بها ناشطون محليون بعدا اجتماعيا وسياسيا مع المطالبة بتنمية منطقة الريف التي يقولون انها مهمشة، في خطاب تطغى عليه عبارات محافظة واسلامية.

ولم يكف زفزافي في رسائله على موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي، عن مهاجمة "المخزن"، اي السلطة، مدينا "الديكتاتورية" و"الفساد" و"القمع" و"الدولة الامنية". وقد عقد عددا من "المؤتمرات الصحافية" المباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي وفي شوارع المدينة وحتى في صالة في منزل عائلته، وهو يرفع علم "جمهورية الريف" التي اعلنت في عشرينات القرن الماضي ولم تعمر طويلا، وصورة لمؤسسها عبد الكريم الخطابي الذي هزم الاستعمار الاسباني.

وتمكن زفزافي الذي يتمتع بشعبية كبيرة -- خصوصا بين الشباب -- في مسقط رأسه الحسيمة، من تعبئة حشود تضم آلاف المتظاهرين. الا انه كان يواجه انتقادات ايضا بسبب مزاياداته، خطبه البالغة العنف والطريقة التي استبعد فيها كثيرين من انصار حركته. واظهر تسجيل فيديو على هاتف محمول نشر على فيسبوك زفزافي وهو يهاجم الامام وينعته بالكاذب. وهتف زفزافي في التسجيل "هذه المساجد لله ام للمخزن (في اشارة الى الدولة). الامام جاء ليغتصب امهاتنا ونساءنا ومحاصرة شبابنا واعتقالهم باسم الدين، والدين بريء من هذا".

واضاف "يقولون لنا الفتنة. هناك شباب لا يجدون قوت يومهم وهناك شباب هجروا خارج البلد". وتابع ان "الفتنة هي (مهرجان الموسيقى) موازين، الفتنة (...) هي الاجساد العارية التي تبث على قنوات الدولة التي تتكلم عن نفسها انها اسلامية". وكان وزير الشؤون الاسلامية احمد توفيق قال ان زفزافي "اثار البلبلة اثناء الصلاة وأهان خطيب" مسجد محمد الخامس، مشددا على ان "ما قام به صباح اليوم هو عمل غير مسبوق (...) انها جريمة خطرة".

وزفزافي متهم حسب المحضر الصادر بحقه، "باهانة الامام" و"القاء خطاب استفزازي" و"زرع البلبلة". ويمكن ان يحكم عليه بالسجن امدة تتراوح بين ستة اشهر وثلاث سنوات. لكن "الجمعية المغربية لحقوق الانسان" قالت ان "اصرار" الامام على "تعبئة المصلين ضد التظاهرات" هو الذي "اثار غضب ناشطي الحراك الحاضرين" وخصوصا ناصر زفزافي الذي رأى انه "مستهدف بشكل مباشر بهذه الخطبة".

اجراءات مشددة

الى جانب ذلك تظاهر بضع مئات من الأشخاص في حيين على الأقل في الحسيمة (شمال المغرب) على أمل التظاهر في الساحة الكبرى بوسط المدينة وهم يهتفون "دولة فاسدة" و"كرامة" و"كلنا زفزافي" في إشارة إلى ناصر زفزافي زعيم الحراك. ولكن قوات الأمن منعتهم من التقدم، وبعد التجمع لمدة ساعة تقريبا في جادة طارق بن زياد تفرق عناصر الشرطة والحشد المكون من 200 إلى 300 شاب دون حصول صدامات.

وقال ناشط: "لم يكن بالإمكان أن نخطو خطوة واحدة، الشرطيون في كل مكان"، مشيرا إلى تكرار الوضع نفسه إنما بعدد أقل من المتظاهرين في حي آخر من المدينة. وتابع الناشط أن تظاهرة تضم بضع مئات من الأشخاص نظمت دون حوادث أيضا في مدينة إمزورين (18 كلم عن الحسيمة). كما نظمت تظاهرات "تضامنا" في مدينتي الناظور وطنجة (كلاهما في الشمال) والدار البيضاء والرباط حيث أشار أحد المشاركين إلى تجمع نحو 300 شخص في العاصمة.

على صعيد متصل أوقفت السلطات المغربية صحفيا جزائريا يدعى جمال عليلات كان يغطي أحداث الحسيمة بالمغرب، وفق ما نقلت وسائل إعلام مغربية، ووفق ما أكد شقيقه على صفحته على فيس بوك. والصحفي الجزائري يدعى جمال عليلات ويعمل بصحيفة الوطن الجزائرية، كان يغطي احتجاجات في الحسيمة بشمال المغرب، كما أكدته الصحيفة الناطقة باللغة الفرنسية على موقعها الإلكتروني. وجاء في بيان باسم إدارة الوطن إن الصحيفة "مستغربة ومنشغلة من هذا التحقيق" داعية لإطلاق سراح مراسلها.

ونشر فريد عليلات وهو صحفي يعمل في مجلة "جون أفريك" بفرنسا وشقيق الصحفي الموقوف، على صفحته على فيس بوك قائلا "اعتقل أخي جمال عليلات، مراسل صحيفة الوطن، على أيدي الشرطة في الناظور بالمغرب، حيث كان مكلفا بإنجاز تقرير صحفي. وتم استجوابه في مركز الشرطة". من جانبها نقلت صحيفة هيسبرس المغربية الخبر معنونة "الأمن يضبط جزائريا وسط محتجين بالناظور لدعم حراك الريف". بحسب فرانس برس.

وقالت الصحيفة إن "السلطات الأمنية بمدينة الناظور ضبطت مواطنا جزائريا، وهو بصدد التقاط مشاهد وتسجيلات مصورة للوقفة الاحتجاجية التي احتضنتها المدينة، كما حجزت لديه كاميرا رقمية متطورة تتضمن مجموعة من المقاطع التي توثق لمسيرات احتجاجية". ولمحت الصحيفة نقلا عن "مصادرها العليمة"، "أن يكون نشاط الجزائري المذكور مشوبا بالتخابر لفائدة جهة خارج المغرب، خاصة أنه لم يحصل على اعتماد للتصوير وممارسة نشاط مهني بالمغرب كما تنص على ذلك الأعراف الدولية".

مشاريع تنموية

الى جانب ذلك قالت الحكومة المغربية إنها بصدد إنجاز مشاريع "هامة" للتنمية والبنية التحتية في إقليم الحسيمة بشمال المغرب في استجابة لمطالب السكان الذين يواصلون احتجاجات منذ أكثر من ستة أشهر للمطالبة بمحاربة "العزلة والتهميش". وقالت الحكومة أثناء اجتماع بمدينة الحسيمة مع برلمانيين منتخبين والسلطات المحلية وبعض ممثلي المجتمع المدني إنها تخطط لتنفيذ مشاريع "تنموية وبنية التحتية" تصل إلى 533 مشروعا في العديد من القطاعات.

وقال محمد اليعقوبي والي الحسيمة إن هذه المشاريع تقدر قيمتها بحوالي 6.5 مليار درهم (نحو 650 مليون دولار) في إطار مشروع "الحسيمة منارة المتوسط" الذي أطلقه العاهل المغربي محمد السادس في عام 2015 بهدف تطوير البنية التحتية وخلق مشاريع تنموية في المنطقة. وفي مجال الحلول التي قدمتها الحكومة للاستجابة لمطالب السكان وفك "العزلة" عنهم قال عبد القادر عمارة وزير التجهيز والنقل والماء إن "الدولة بصدد انجاز الطريق السريع بين مدينتي الحسيمة وتازة (في شرق المغرب) على مسافة 150 كيلومتر".

وأضاف أن 70 بالمئة من الأشغال تم إنجازها وستكون الطريق جاهزة مع نهاية 2018 أو بداية 2019. وقال "سيكون لدينا فك عزلة عن مجموعة من الجهات بالمنطقة ستنعكس على الرواج السياحي بها على اعتبار مؤهلات المنطقة". وقالت شرفات افيلال كاتبة الدولة لدى وزير التجهيز والنقل إن الحكومة تنفذ مشروعا لحماية 12 مركزا سكانيا من الفيضانات. وأضافت قائلة "المشاكل الصعبة ستكون وراءنا بعد بضع سنوات". بحسب رويترز.

وقال عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري إن الحسيمة تستفيد من برنامج "مخطط المغرب الأخضر" الذي يستهدف عددا من مناطق المغرب وأيضا في إطار برنامج "الحسيمة منارة المتوسط". وقال إنه تم غرس "13 ألف هكتار من الأشجار.. وكذا تأسيس معامل لتحويل اللوز ومصانع الحليب... وفي مجال الصيد البحري تم تقديم طلبات عروض لتشغيل الشبان". وقالت الحكومة أيضا إن لها مشاريع أخرى في مجال الصحة والتعليم والفن والرياضة كبناء مستشفى متعدد الاختصاصات وملاعب رياضية ومعهد موسيقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0