أزمات الكويت: عجز اقتصادي أم سياسي؟


عادت أجواء التوتر من جديد بين الحكومة الكويتية ونواب في مجلس الأمة (البرلمان) الذي يشكل المعارضون نحو نصف أعضائه، حيث عمد العديد من الاعضاء الى تقديم طلبات استجواب جديدة ضد رئيس الحكومة بعض الوزراء بخصوص بعض القضايا والاتهامات، يضاف الى ذلك ملف الإصلاح الاقتصادي وإجراءات التشقف، والذي لا يزال محل جدل ونقاش محتدم بين الحكومة التي ترى ضرورة أن تطال إجراءات التشقف المواطنين في بعض النواحي في حين يقول المعارضون وكثير من النواب إن الحكومة ينبغي أن تطبق هذا التقشف أولا على نفسها وتمنع ما يصفونه بهدر المال العام.

هذه الاحداث والتوترات وبحسب بعض المصادر يمكن ان تسهم بتعقيد المشهد السياسي في الكويت، خصوصا وان البعض يرى ان حدة الخلافات قد تتصاعد، بسبب تقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء، ومطالبة بعض النواب بإجبار الحكومة الحالية على تغير خطط التقشف وزيادة الاسعار والرسوم التي فرضتها على المواطن، وهو امر غير وارد بسبب استمرار هبوط اسعار النفط المصدر الاساسي للكويت، يضاف الى ذلك ان البعض ينتظر ايضا الخطوات العملية التي سيقوم بها النائب السابق وزعيم المعارضة، مسلم البراك، والذي خرج من السجن في وقت سابق. ويبدو أن البراك يعتزم تصعيد خطابه السياسي، وتنظيم وقيادة المعارضة، من خلال التنسيق مع بعض نواب البرلمان الحالي. ولم يخف البراك، رفضه للهدنة مع الحكومة.

كما وجه خطاباً نارياً هاجم فيها الحكومة الكويتية ورئيس مجلس الأمة، وعدة أطراف سياسية في البلاد، عقب دقائق قليلة من خروجه من السجن المركزي، بعد أن أتم محكوميته البالغة عامين على خلفية "إهانته للذات الأميرية" في خطاب سابق له. وقال البراك بعد اجتيازه أمتاراً قليلة من بوابة السجن: "موعدنا بدأ الآن وقلتها سابقاً بأني سأخرج من السجن مرفوع الرأس على أكتاف الجماهير وسيسجن التاريخ سجاني".

وهاجم البراك في خطابه وزير الداخلية السابق، الشيخ محمد الخالد الصباح، واتهمه بأنه هو من خطط رفقة مرزوق الغانم لتنفيذ قرارات سحب الجنسية وإبعاد المعارضين الكويتيين عن البلاد، وعلى رأسهم الإعلامي المقرب منه، سعد العجمي، وخاطبه بعد أن نزع منه لقب (الشيخ) وهو الذي يطلق على أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت. وأضاف البراك: "إنني ما زلت مؤمناً بمضامين خطابي السابق، الذي ألقيته وسجنت بسببه، كما أنني مؤمن بأنه لا طريق لنا في الكويت إلا عبر الحكومة المنتخبة التي يأتي رئيسها من صناديق الاقتراع، لأنها خيارنا وبدلة السجن التي أرتديها أشرف لي من ألف (بشت) يرتديه سراق المال العام".

تراجع تكتيكي

وفي هذا الشأن أبدت حكومة الكويت تراجعا وصفه محللون "بالتكتيكي" لوثيقة الإصلاح الاقتصادي التي أعلنتها منذ أقل من عام ولقيت انتقادات واسعة في مجلس الأمة (البرلمان) الذي يشكل المعارضون نحو نصف أعضائه. وقال وزير المالية أنس الصالح "الإصلاح الاقتصادي لا تراجع عنه.. لكن وثيقة الإصلاح الاقتصادي وبرنامج الإصلاح الاقتصادي هي أدوات يتم الآن تطويرها وتعديلها بالمشاركة مع ‘شركائنا‘ في مجلس الأمة الكويتي بهدف رفع كفاءتها."

وتهدف الوثيقة التي أقرها البرلمان السابق الموالي للحكومة في يونيو حزيران 2016 إلى إصلاح الميزانية العامة وإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد وزيادة دور القطاع الخاص وتفعيل مشاركة المواطنين في تملك المشروعات العامة وإصلاح سوق العمل. وكان أكثر جوانب الوثيقة إثارة للجدل رفع أسعار البنزين والسولار والمحروقات ورفع أسعار تعرفة الكهرباء والماء والشروع في إعداد قانون جديد لفرض ضرائب على الشركات المحلية بواقع 10 في المئة من صافي أرباحها السنوية.

كما شرعت الحكومة في إعداد مشروع جديد لإعادة هيكلة الرواتب والمكافآت والمزايا الوظيفية للعاملين في الحكومة، المكان المفضل لأكثر من 90 في المئة من القوى العاملة الكويتية، وهو ما قوبل برفض حاسم من عمال النفط. وكان النائب عبدالكريم الكندري قال إن وزير المالية أبلغه أن وزارة المالية "جمدت وثيقة الإصلاح الاقتصادي وأنها في طور إعداد وثيقة إصلاح اقتصادي جديدة." وأضاف النائب المعارض للوثيقة "أي وثيقة إصلاح اقتصادي تهدف إلى مس جيوب المواطنين سوف تكون مرفوضة مثلما رفضنا وثيقة الإصلاح الاقتصادي السابقة.. نحن مع الإصلاح الاقتصادي الذي يبدأ من رأس الهرم وليس من القاعدة. مع الإصلاح الذي يبدأ من مصادر الإنفاق والهدر الحقيقية في الدولة وليس من جيوب المواطنين."

وقال الوزير أنس الصالح في مؤتمر ملتقى الكويت المالي إنه لا تراجع عن الإصلاح الاقتصادي ذاته لكن "هناك أدوات لهذا الإصلاح والوثيقة كانت إحدى الأدوات... صار لها سنة.. هذه مرحلة انتهت." وأضاف أن هناك الآن مرحلة جديدة "نقدم فيها النسخة الثانية من هذه الخطوات وبعد سنوات قد نأتي بالنسخة الثالثة ثم الرابعة.. هذه سنة الحياة."

وأكد الصالح أن الوزارة أجرت حوارا مع مؤسسات المجتمع المدني حول الإصلاح الاقتصادي المنشود وأنها ستعلن النسخة الجديدة من هذا الإصلاح بعد التشاور مع نواب البرلمان. ولم يحدد الوزير الجوانب التي سيتم تطويرها في الوثيقة لكنه قال "هناك نقلة نوعية في تحديد معايير القياس ونقلة نوعية في تحديد أهداف محددة.. نتكلم عن تطوير الأداة وليس عن تراجع." ولم يكن الوزير حاسما في رده على سؤال حول إمكانية التراجع عن رفع أسعار البنزين والمحروقات والكهرباء التي أقرت العام الماضي. وقال الصالح "عندما نناقش الوثيقة مع مجلس الأمة (سوف) نستمع إن كان هناك مقترحات جديدة لكن بشرط استهداف الإصلاح."

ويلوم معارضو وثيقة الإصلاح الاقتصادي على الحكومة توجهها لاجراءات غير شعبية منها تخفيض الدعم وتقليل الإنفاق قبل التوجه لما يصفونه بتخفيض الهدر وتقليل حجم الفساد الذي يهدر كثيرا من موارد هذه الدولة النفطية عضو منظمة أوبك. وجاءت وثيقة الإصلاح الاقتصادي في ظل هبوط أسعار النفط الذي يشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الميزانية العامة للدولة من نحو 110 دولارات للبرميل قبل ثلاث سنوات إلى نحو 30 دولارا العام الماضي و55 دولارا حاليا.

وقال ناصر النفيسي مدير مركز الجمان للاستشارات إن الحكومة "في وضع مرتبك" وهي تدعي تطوير الوثيقة لكن الأمر في حقيقته يعني "تراجعا" عن تنفيذ هذه الوثيقة التي لم يمضي عليها سنة حتى الآن معتبرا أن الوثيقة واجهت رفضا شعبيا "جازما وقاطعا" حتى من النواب المؤيدين للحكومة. وأضاف النفيسي "هناك أموال كثيرة أولى بالضبط (والترشيد) وليس البنزين والكهرباء.. الإصلاح يجب أن يتم على جميع المحاور وليس في جانب واحد.. الأولوية (يجب أن تكون) وقف الهدر والفساد .. إنه تراجع متوقع ومستحق."

وقال ميثم الشخص المحلل المالي لرويترز إن أمر الوثيقة له علاقة بالسياسة أكثر من أي شيء آخر مبينا أن الحكومة قد ترضخ للتوجهات العامة لمجلس الأمة وتتراجع عن خطوات كانت تعتزم اتخاذها بغض النظر عن كون هذه الخطوات صحيحة أو غير صحيحة. وأضاف الشخص أن تعديل وثيقة الإصلاح الاقتصادي كان "متوقعا" حتى في ظل البرلمان السابق معتبرا أن الحكومة تنتهج نهج "رفع سقف المطالب حتى تصل للحد الذي ترغب فيه. المسألة كر وفر."

مواصلة الاقتراض

الى جانب ذلك أكد نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي وزير المالية أنس الصالح ان الدولة الخليجية ستواصل الاقتراض محليا وخارجيا من اجل تمويل العجز في الموازنة العامة مع تراجع اسعار النفط. وقال الصالح " ان الكويت تنوي الاستمرار في "تخصيص اعتمادات متزايدة" للانفاق في الموازنة وتمويل العجز فيها "عبر أداة الائتمان المحلي والخارجي". وذكر ان الحكومة تقدمت بمشروع قانون امام البرلمان يسمح للدولة بالاستدانة حتى مبلغ 20 مليار دينار (65,5 مليار دولار) خلال السنوات الخمس المقبلة.

وقال ان المصرف المركزي الكويتي أصدر نيابة عن وزارة المالية سندات وأدوات تمويل إسلامية بلغت قيمتها نحو 2ر2 مليار دينار كويتي (نحو 7,3 مليارات دولار) حتى نهاية السنة المالية 2015-2017. وأشار إلى أن هذه الإصدارات رفعت مستوى الدين العام المحلي لنحو 3,8 مليارات دينار (نحو 12,54 مليار دولار) ليشكل بذلك نسبة 9,9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2017 وقدره 38,2 مليار دينار (نحو 125 مليار دولار)، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي. بحسب فرانس برس.

وقال الصالح ان البنوك المحلية "اكتتبت في هذه الإصدارات مستخدمة ما يتوافر لديها من فوائض في السيولة"، موضحا أن دولة الكويت حققت "نجاحا قياسيا ومتميزا في تسويق سندات دولية بقيمة ثمانية مليارات دولار". وسجلت الموازنة الكويتية في السنة المالية 2015-2016 اول عجز لها منذ 16 سنة مع تراجع اسعار النفط، بلغ 15 مليار دولار. وتتوقع الدولة الغنية بالنفط عجزا بقيمة 21,6 مليار دولار للسنة المالية الجديدة 2017-2018. والكويت عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط وتنتج نحو 2,8 مليون برميل نفط يوميا.

تحديات وآمال

من جهة اخرى اطلقت الكويت خطتها التنموية ورؤيتها المستقبلية "لكويت جديدة" حتى عام 2035 في مؤتمر يشارك فيه جميع أعضاء الحكومة لعرض محاور الخطة الطموح. وقالت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن رؤية الكويت الجديدة (نيو كويت) تهدف الى تحويل الكويت الى مركز جاذب للاستثمار يقوم فيه القطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادي وتشجيع روح المنافسة ورفع كفاءة الإنتاج في ظل جهاز مؤسسي داعم.

وأكدت الوكالة أن هذه الرؤية تعمل أيضا على "ترسيخ القيم والمحافظة على الهوية المجتمعية وتحقيق التنمية البشرية المتوازنة وتوفير بنية أساسية ملائمة وتشريعات متطورة وبيئة أعمال مشجعة." ويعقد المؤتمر في مركز جابر الأحمد الثقافي وهو قلعة ثقافية ضخمة نجحت الكويت في افتتاحها العام الماضي. وتعاني الكويت عضو منظمة أوبك من الاعتماد المفرط على مصدر وحيد في الاقتصاد هو النفط الذي يشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الدولة.

ورغم إطلاق الحكومة قبل نحو 12 عاما رؤية لتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري في المنطقة يقول مراقبون كثيرون إنه لم يتحقق سوى القليل في هذا الاتجاه. وتتميز الكويت بدرجة نسبية من الديمقراطية تسمح للبرلمان بمحاسبة الحكومة واستجواب جميع أعضائها بما فيهم رئيس الوزراء. إلا أن كثيرين يعترفون بأن عوامل مثل الفساد والبيروقراطية والصراع السياسي تعرقل جهود التنمية في هذا البلد الغني.

ويتواكب إطلاق الرؤية الجديدة مع إتمام الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح 11 عاما في سدة الحكم حيث تمتعت البلاد بقدر نسبي من الاستقرار وسط محيط مضطرب. وعانت الكويت خلال السنوات القليلة الماضية من هبوط أسعار النفط بشكل كبير وهو ما أثر سلبا على ميزانيتها التي سجلت عجزا للمرة الأولى في السنة المالية 2014-2015 للمرة الأولى منذ نحو 15 عاما.

ورغم إجراءات التقشف نجحت الحكومة خلال السنوات القليلة الماضية في إطلاق عدة مشروعات طموحة بعشرات المليارات من الدولارات منها مجمع نفطي يتضمن مصفاة جديدة ومجمع بتروكيماويات ومشروع آخر يعرف بالوقود البيئي ويتضمن تحديث وتطوير مصفاتي الأحمدي وميناء عبدالله النفطيتين. كما أرست الحكومة مناقصة في العام الماضي لبناء مطار دولي جديد من المنتظر أن يستوعب أضعاف ما يستوعبه المطار الحالي وتعمل على تنفيذ عدد ضخم من الطرق والجسور والمدن والمستشفيات ومشروعات البنية التحتية.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك