دخلت تركيا بعد فوز الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بفارق ضئيل في الاستفتاء الدستوري الذي رسيخ سلطته في حكم البلاد منعطفا جديدا وخطيرا بحسب بعض المراقبين، خصوصا ان هذا الرجل الذي يواجه انتقادات داخلية وخارجية كثيرة بسبب سياسته المتشددة، قد سعى بشكل جاد بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تموز/يوليو، الى إقصاء جميع الخصوم والمعارضين هذا بالاضافة الى تصعيد الخلافات والتوترات مع بعض الدول الأوروبية، التي دخلت اليوم في حرب اعلامية مباشرة مع اردوغان.

الفوز المحدود الذي حققه الرئيس التركي وتشكك فيه المعارضة، يدل وبحسب بعض الخبراء على عمق انقسام تركيا التي تحولت الى معسكرين بعد 15 عاما من حكم اردوغان الذي رفضة نصف الاتراك الاستفتاء الاخير. لكن هذا الامر لن يعيق خطط وتطلعات الرئيس التركي الذي اصبح يمتلك صلاحيات واسعة لم يتمتع بها اي رئيس منذ تأسيس مصطفى كمال اتاتورك للجمهورية التركية. ويبدو اردوغان المهيمن على السياسة التركية منذ 15 عاما كما نقلت بعض المصادر، مصمم على ترك بصمته في تاريخ بلاده على غرار مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال اتاتورك. خصوصا وان التعديل الدستوري الحالي يتيح له البقاء في السلطة حتى 2029 على الأقل وهو ما قد يمكنه من فعل الكثير.

اعتقال بعد الاستفتاء

وفي هذا الشأن فقدأصدرت السلطات التركية وكما نقلت بعض المصادر، أوامر باعتقال ألف شخص في عمليات نفذتها في مختلف أنحاء البلاد استهدفت شبكة رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن. وتتهم أنقرة غولن بالتدبير لانقلاب فاشل العام الماضي. وذكرت مصادر أمنية أن العمليات استهدفت هيكل الشبكة في الشرطة وأن معظم المعتقلين من ضباط الشرطة. وأضافت أن السلطات ستنقل المعتقلين إلى أنقرة.

وقالت قناة (إن.تي.في) وقناة (سي.إن.إن ترك) الإخباريتان إن تركيا أصدرت أوامر باعتقال 3224 شخصا فيما يتعلق بصلات مزعومة برجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن وذلك في واحدة من كبرى العمليات منذ شهور ضد الشبكة التي تتهمها أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب. وذكرت قناة (إن.تي.في) أن السلطات ألقت القبض بالفعل على أكثر من ألف من بين هؤلاء. وقال وزير الداخلية التركي إن العملية استهدفت هيكل الشبكة داخل صفوف الشرطة.

وتنفذ تركيا حملة اعتقالات واسعة منذ الانقلاب الفاشل استهدفت مختلف القطاعات وطالت الآلاف، ويرجح المراقبون أن تؤدي السلطات الجديدة التي ستمنح لاردوغان بعد نجاحه في عملية الاستفتاء، واستمرار تطبيق حالة الطوارئ إلى حملات جديدة تستهدف كل الأصوات التي ستعارض الرئيس التركي تمهيدا لدكتاتورية صارمة.

وكانت السلطات التركية قد اعتقلت 16 ناشطا يساريا مما أعربوا عن رفضهم لنتيجة الاستفتاء في مظاهرات جالت اسطنبول. وقال حزب الحرية والتضامن اليساري والذي لا يتمنتع بتمثيلية داخل البرلمان بأن الشرطة اعتقلت زعيمه ميسوت عيجغيل في اسطنبول بتهمة تحريض العامة من خلال اقراره بأن التصويت بـ"نعم" في الاستفتاء غير شرعي.

وذكر محامي زعيم الحزب بأن الشرطة داهمت منازل العديد من الأشخاص واعتقلت 16 وأن مذكرات الاعتقال صدرت بحق 38 شخصا متهمون بتحريض الناس على التشكيك في شرعية فوز اردوغان في الاستفتاء. وكان رئيس الوزراء التركي علي يلدريم قد حذر في وقت سابق من الاحتجاجات في الشوارع ضد نتائج الاستفتاء التي حسمت لصالح الرئيس التركي رغم التقارير الصادرة والتي تشكك في نزاهة العملية برمتها.

ويتوقع المتابعون للشأن التركي أن تتصاعد وتيرة الاعتقالات في تتمة لخطوات سابقة بدأها اردوغان الذي بادر منذ أشهر في تنفيذ اعتقالات موسعة طالت معارضيه سواء على الساحة السياسية أو في المشهد الإعلامي التركي. وتخشى المعارضة التركية وأوروبا من أن تتجه تركيا نحو المزيد من الاستبداد في ظل النزعة السلطوية لاردوغان خاصة بعد التعديلات الدستورية التي تتيح له صلاحيات تنفيذية واسعة.

وفي حملة أمنية تلت محاولة الانقلاب أمرت تركيا بسجن نحو 40 ألف شخص في انتظار محاكمتهم كما أوقفت عن العمل أو فصلت ما يربو على 125 ألفا آخرين من الجيش والقضاء والدوائر المدنية. كم أغلقت السلطات التركية نحو 158 وسيلة إعلامية وصحيفة وقناة تلفزيونية وإذاعة ووكالة أنباء، ووضعت 151 صحافيا في السجن.

اغتيال اردوغان

من جانب اخر تقدم محامي الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بشكوى قضائية ضد دبلوماسي فرنسي سابق متهما إياه بالتحريض على اغتيال اردوغان، بحسب ما أكد المتحدث باسم الرئيس. ويأتي التحرك بعد تصريحات أدلى بها فيليب مورو ديفارج بشأن نتيجة الاستفتاء الذي أجرته تركيا بشأن تعديلات دستورية مثيرة للجدل تعزز قبضة الرئيس التركي على السلطة. وكان ديفارج، الذي يعمل الآن باحثاً في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، قال في تصريحات لمحطة "بي اف ام" الفرنسية إن تعزيز سلطات اردوغان سيؤدي إلى "كارثة" مشيرا إلى أنها ستتسبب "إما في حرب أهلية أو تؤدي إلى سيناريو آخر هو (...) اغتياله".

إلا أن ديفارج اعتذر لاحقا وكتب على "تويتر" أن "بعض ما قلته كان أخرقا وقد يكون تم تفسيره بشكل خاطئ". وفاز معسكر "نعم" في الاستفتاء التركي بفارق ضئيل تجاوزت نسبته 51 بالمئة بقليل، فيما رفض المجلس الاعلى للانتخابات دعوات المعارضة لإلغاء النتيجة بعد اتهامات بالتزوير. واعتبر حسين آيدن، المحامي الذي يمثل اردوغان، في عريضة تقدم بها إلى النيابة العامة في أنقرة أن تصريحات الباحث الفرنسي ليست مجرد تعبير عن رأي بل هي "بوضوح تحريض على الجريمة المذكورة". وأضاف أنها تظهر مدى العداء لاردوغان في الغرب، مقترحا بأن يخضع ديفارج لفحص لصحته العقلية في حال زار تركيا.

وقال "في حال ظهر انه بصحة عقلية جيدة، فسيتوجب التحقيق في صلاته المحتملة بحزب العمال الكردستاني المحظور أو الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن والذي تتهمه الحكومة التركية بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في تموز/يوليو". وأكد المتحدث باسم اردوغان ابراهيم كالين في مؤتمر صحافي في انقرة التقدم بالدعوى وقال "سنبذل كل جهدنا لعدم جعل هذه الأساليب الفاشية مشروعة".

وقال أن تصريحات ديفارج "سيكون لها عواقب قانونية" وأن الباحث سيواجه هذه العواقب. وانتشرت تصريحات ديفارج على مواقع التواصل الاجتماعي فيما دعت غولنور آيبت، وهي مستشارة رفيعة لاردوغان، المعهد الفرنسي إلى وقف التعامل معه. وتساءلت آيبت على موقع "تويتر" "كيف سيكون رد الفعل لو أن دبلوماسيا سابقا وباحثا رفيعا في مركز أبحاث تركي دعا إلى اغتيال الرئيس الفرنسي؟". بحسب فرانس برس.

ورغم اعتذارات ديفارج إلا أن كالين قال أنها "غير كافية" وأن "هذه ليست مسألة يمكن الاستخفاف بها". وأضاف "هذا اختبار لاوروبا. ولنر كيف سيكون رد فعلهم". ويحذر معارضو اردوغان من أن التعديلات الدستورية ستفضي إلى حكم رجل واحد في تركيا ويتهمون اردوغان بالتوجه أكثر نحو الاستبداد بعد 14 عاما في السلطة كرئيس أو رئيس وزراء. وتمت ملاحقة فنانين وصحافيين وحتى طلاب مدارس قضائيا بتهمة اهانته.

إردوغان و الانتقادات الغربية

من جانب اخر ندد الرئيس التركي طيب إردوغان بما وصفها "العقلية الصليبية" للغرب بعدما انتقد مراقبون استفتاء يمنحه سلطات واسعة فاز به بأغلبية بسيطة كشفت عن الانقسامات في البلاد. وألقى إردوغان كلمة من على درج قصره في أنقرة أمام حشد من أنصاره لوحوا بالأعلام وقال إنه ينبغي للمراقبين أن "يلزموا حدودهم" وإن تركيا لا "ترى أو تسمع أو تعترف" بالانتقادات بأن الاستفتاء لا يلبي المعايير الدولية.

وقال الرئيس التركي إن التصويت أنهى كل الجدل بشأن تعزيز سلطات الرئاسة وتعهد بالبدء فورا في تنفيذ الإصلاحات. لكن حزب المعارضة الرئيسي رفض النتيجة ودعا إلى إبطال الاستفتاء.

وشارك الآلاف في مسيرات في ثلاث على الأقل من ضواحي اسطنبول وهتف بعضهم "إردوغان.. لص" و"لا للرئاسة" و"هذه مجرد بداية" وذلك بعد دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي للاحتجاج في عدة مدن. وقال نعمان قورتولموش نائب رئيس الوزراء للصحفيين إن الحكومة مددت حالة الطوارئ ثلاثة أشهر في ثالث تمديد من نوعه منذ محاولة انقلاب فاشلة في يوليو تموز.

ويقول إردوغان إن تركيز السلطات في أيدي الرئيس ضروري لمنع الاضطرابات. غير أن فوزه بأغلبية ضئيلة قد يأتي بأثر عكسي ويزيد الاضطراب في بلد خرج في الآونة الأخيرة من محاولة انقلاب وشهد هجمات نفذها متشددون إسلاميون ويواجه تمردا كرديا واضطرابات أهلية والحرب في سوريا المجاورة. وكشفت النتيجة عمق الانقسام بين الطبقة المتوسطة في المدن التي ترى مستقبل البلاد في الإطار الأوروبي والفقراء المحافظين في الريف الذين يؤيدون قبضة إردوغان القوية. وأوضح إردوغان نيته تحويل مسار البلاد بعيدا عن أوروبا إذ كشف عن خطط لإعادة العمل بعقوبة الإعدام وهو ما سيقضي فعليا على مسعى بلاده منذ عقود للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وقال إردوغان لأنصاره لدى وصوله إلى مطار أنقرة إنه لن يكون من الأهمية بمكان بالنسبة لتركيا أن يعلق الاتحاد الأوروبي محادثات انضمامها لعضويته. وأضاف معلقا على تقييم المراقبين "العقلية الصليبية للغرب ولخدامه في الداخل هاجمتنا." وقال "نحن لا نرى أو نسمع أو نعترف بالتقارير السياسية التي تعدونها. سنمضي في طريقنا... هذا البلد أجرى أكثر الانتخابات ديمقراطية.. لم يشهد لها مكان في الغرب مثيلا."

وفي أشد انتقاد وجهه مراقبون أوروبيون لانتخابات تركية قالت بعثة المراقبين من مجلس أوروبا الذي يضم 47 عضوا، وهو المؤسسة الرائدة بالقارة في مجال حقوق الإنسان، إن الاستفتاء لم يكن منافسة متكافئة. وقالت البعثة إن الدعم لحملة المؤيدين للتعديلات الدستورية هيمن على التغطية للحملات الانتخابية وإن اعتقال صحفيين وإغلاق وسائل إعلام منع إيصال وجهات النظر الأخرى.

وقال سيزار فلورين بريدا رئيس البعثة "بوجه عام... لم يرق إلى معايير مجلس أوروبا. الإطار القانوني لم يكن كافيا لإجراء عملية ديمقراطية حقيقية." وأضافت البعثة أنه برغم أنه لم تكن لدى المراقبين معلومات عن تلاعب فعلي فإن قرار السلطات الانتخابية في اللحظات الأخيرة السماح بفرز أوراق اقتراع غير مختومة قوض أحد الضمانات المهمة وتعارض مع القانون الانتخابي.

ورفضت وزارة الخارجية التركية انتقادات المراقبين ووصفتها بأنها تفتقر إلى الموضوعية والنزاهة. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها أحيطت علما بالمخاوف التي أثارها المراقبون الأوروبيون بشأن الاستفتاء وتتطلع إلى تقرير نهائي. وحثت الحكومة التركية على حماية حقوق وحريات كل المواطنين بغض النظر عن التصويت.

ويحكم إردوغان، السياسي الشعبوي الذي ترجع جذوره إلى الأحزاب الإسلامية، تركيا بلا منافس حقيقي منذ 2003 وصعدت بلاده خلال تلك الفترة لتصبح واحدة من أسرع القوى الصناعية نموا في أوروبا والشرق الأوسط. وأصبح إردوغان أيضا في محور السياسة الدولية إذ يقود ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي على الحدود مع مناطق حرب في الشرق الأوسط مما جعل تركيا تستقبل ملايين اللاجئين السوريين وتتحكم في تدفقهم على أوروبا.

وتعهد إردوغان بأن العملية العسكرية التي نفذتها بلاده في شمال سوريا لن تكون الأخيرة من نوعها في المنطقة وقال إن بلاده ستشن عمليات عسكرية كلما اقتضت الضرورة لمحاربة الإرهاب. واتهمه منتقدوه بأنه يوجه تركيا نحو حكم الرجل الواحد ويعمق الانقسامات التي قد تزيد من الاضطراب. وشكك أكبر حزبين معارضين في البلاد في استفتاء الأحد وقالا إن مخالفات كبيرة شابته.

وقال حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد إنه قدم شكاوى بشأن بطاقات اقتراع غير مختومة أثرت على ثلاثة ملايين ناخب وهو أكثر من ضعف الهامش الذي فاز به إردوغان. وقال حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض إنه ليس من الواضح بعد عدد الأصوات التي تأثرت. وقال بولنت تزجان نائب رئيس الحزب "القرار الوحيد الذي سينهي الجدل بشأن شرعية (التصويت) وتهدئة مخاوف الناس القانونية هو أن تبطل لجنة الانتخابات هذه الانتخابات."

ونجا إردوغان من محاولة انقلاب العام الماضي ورد بحملة قمع سجنت 47 ألف شخص وعزلت أو أوقفت عن العمل أكثر من 120 ألفا من وظائف حكومية مثل المعلمين والجنود وأفراد الشرطة والقضاة وآخرين. وقد تبقيه تلك التغييرات في السلطة حتى عام 2029 أو ما بعد ذلك ليصبح بسهولة أهم شخصية في التاريخ التركي منذ أن أقام مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية الحديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

وقالت ألمانيا التي يقيم فيها نحو أربعة ملايين تركي إن الأمر يعود لإردوغان نفسه لرأب الصدوع التي كشفها التصويت. وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزير الخارجية زيجمار جابرييل في بيان مشترك "نتيجة الاستفتاء المتقاربة تظهر عمق الانقسام في المجتمع التركي وتعني أن القيادة التركية عليها وعلى الرئيس إردوغان ذاته مسؤولية كبيرة."

وتوترت علاقات أوروبا مع تركيا خلال الحملة السابقة للاستفتاء عندما منعت دول أوروبية من بينها ألمانيا وهولندا وزراء أتراكا من عقد لقاءات جماهيرية لحشد التأييد للتعديلات الدستورية. ووصف إردوغان القيود بأنها تشبه تصرفات النازي. ودعمت النتائج الليرة التركية لتقفز اثنين بالمئة مقارنة مع مستوى الإغلاق في الأسبوع الماضي. وفقا للتعديلات الدستورية، التي لن يدخل أغلبها حيز التنفيذ إلا بعد الانتخابات القادمة المقررة في 2019، سيعين الرئيس مجلس الوزراء وعددا غير محدد من نواب الرئيس وسيتمكن من إقالة موظفين مدنيين كبار دون موافقة البرلمان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0