تصاعدت حدة التوتر في العلاقات بين تركيا وألمانيا، بسبب إلغاء السلطات الألمانية تجمعات سياسية تركية، حيث تحاول الحكومة التركية كسب أصوات الناخبين الأتراك في ألمانيا قبل استفتاء على تعديلات دستورية في تركيا. وتضم الجالية التركية في ألمانيا 1.4 مليون شخص لهم حق التصويت في الاستفتاء المقرر إجراؤه في أبريل/ نيسان المقبل، والذي من شأنه تعزيز صلاحيات الرئيس أردوغان، وتقليص صلاحيات البرلمان. وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف الذي قد يكون سببا في حدوث ازمة سياسية كبيرة بين تركيا ودول أوروبية عديدة على خلفية عدم السماح بتنظيم لقاءات جماهيرية لدعم وتوسيع صلاحيات الرئيس، اتهم إردوغان ألمانيا بأنها تدعم الإرهاب "بلا رحمة" كما هدد بفرض عقوبات دبلوماسية على هولندا وقال إنه سيلجأ إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن منع وزراء أتراك من الحديث هناك. وثار غضب إردوغان بسبب تحركات في ألمانيا وهولندا لمنع وزراء أتراك من إلقاء كلمات في تجمعات للأتراك المغتربين قبل استفتاء سيجرى يوم 16 أبريل نيسان سيمنح الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة. وسبق أن قال إردوغان إن من سيرفضون التعديلات الدستورية في الاستفتاء يقفون في صف الإرهابيين. كما اتهم دولا أوروبية مثل ألمانيا بإيواء إرهابيين وهو أمر تنفيه تلك الدول.

اتهامات السخيفة

وفي هذا الشأن اعتبرت أنغيلا ميركل اتهامات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لها "بدعم الإرهابيين"، أنها "سخيفة" بحسب ما قال المتحدث باسمها ستيفن سيبرت. وقال المتحدث "لا تنوي المستشارة المشاركة في مسابقة استفزازات". وأضاف في بيان خطي مقتضب "هذه الانتقادات سخيفة"، في حين وصل التوتر بين أنقرة وعدة دول أوروبية إلى ذروته. وفي وقت سابق، اتهم أردوغان ميركل بـ"دعم الإرهابيين".

وقال أردوغان خلال مقابلة تلفزيونية "سيدة ميركل؟ لماذا يختبئ الإرهابيون في بلدك لماذا لا تتحركين؟"، متهما برلين بعدم الرد على 4500 ملف حول إرهابيين مشتبه بهم بعثت بها تركيا إلى ألمانيا. وأضاف "سيدة ميركل، إنك تدعمين الإرهابيين"، مضيفا أن ألمانيا "تقدم بشكل وقح دعما للإرهاب". وتتهم تركيا منذ وقت طويل ألمانيا بإيواء ناشطين من الأكراد ومشتبه بتورطهم في الانقلاب الفاشل الصيف الماضي. بحسب فرانس برس.

كما انتقد أردوغان ميركل بسبب الدعم الذي قدمته إلى رئيس الحكومة الهولندية مارك روتي خلال الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين هولندا وتركيا. ونشبت هذه الأزمة بين البلدين بسبب رفض هولندا السماح لوزيرين تركيين بالمشاركة في تجمعات انتخابية في هولندا تدعو الأتراك إلى الموافقة عبر استفتاء على طلب توسيع صلاحيات الرئيس أردوغان. كما منعت السلطات الألمانية أيضا عقد تجمعات من هذا النوع ما أثار غضب أنقرة.

الى جانب ذلك اتهم وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو ألمانيا بمعاداة بلاده والإسلام وشكت برلين من زيادة عمليات التجسس التركية على الأراضي الألمانية دون مؤشر على تراجع حدة الخلاف بين العضوين في حلف شمال الأطلسي. وتشعر أنقرة بغضب شديد جراء إلغاء العديد من التجمعات الحاشدة لوزراء أتراك في ألمانيا بينما طالبت برلين بالإفراج الفوري عن صحفي ألماني مولود في تركيا اعتقل لاتهامات متعلقة بالإرهاب.

ويريد الوزراء الأتراك حشد الدعم بين الجالية الكبيرة المنحدرة من أصل تركي في ألمانيا لمحاولة الرئيس رجب طيب إردوغان زيادة صلاحياته في استفتاء مقرر في 16 أبريل نيسان. وتقول ألمانيا إن بوسعهم فعل ذلك شريطة احترام القوانين المحلية لكنها ألغت العديد من الفعاليات متذرعة بمخاوف أمنية. وسمحت السلطات الألمانية لتشاووش أوغلو بالتحدث في تجمع حاشد في هامبورج لكنه ظل على انتقاده الشديد لموقف برلين بعد محادثات أجراها في برلين مع نظيره الألماني زيجمار جابرييل.

وقال تشاووش أوغلو للصحفيين "في ألمانيا نرى أن العديد من الساسة والصحافة بشكل عام والسلطات تتعامل بشكل سلبي للغاية ومناهض بشدة للأتراك بل إننا نرصد مشاعر رهاب الإسلام." وأضاف "هذا ما نراه غير مقبول" وحث وسائل الإعلام عن الكف عن "دعايتها السوداء". وقال الوزير التركي إن بلاده تريد الحفاظ على صداقتها مع ألمانيا لكن على برلين التصرف وفقا لذلك.

وخلال حديثه في مؤتمر منفصل عقب لقاء تشاووش أوغلو حاول جابرييل تبني نبرة تصالحية إدراكا منه لحاجة ألمانيا لتعاون تركيا النشط في المساعدة في وقف تدفق المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا. وقال جابرييل "مهما كانت الخلافات والمناقشات بيننا فإنه لا بديل للمحادثات لأنها السبيل (الوحيد) للعودة خطوة بخطوة إلى علاقات طبيعية وودية بين ألمانيا وتركيا."

لكنه أوضح أيضا أنه جرت الموافقة على تنظيم حملات في ألمانيا وفقا لشروط معينة منها احترام "القواعد الأساسية" وقال إن المقارنة مع ألمانيا النازية تجاوزت هذا الحد. وكان جابرييل يشير إلى تعليقات أدلى بها إردوغان ووصف فيها إلغاء بعض التجمعات السياسية في ألمانيا بأنها "أفعال فاشية" تذكر بحقبة النازي. وتوترت العلاقات الثنائية بشدة منذ انقلاب فاشل في يوليو تموز في تركيا مع انتقاد ألمانيا ودول أوروبية أخرى لنطاق حملة إردوغان على من يشتبه بأنهم داعمو الانقلاب. وزاد اعتقال الصحفي دنيز يوجيل من توتر العلاقات في الأسابيع الأخيرة.

وكتب رئيس تحرير صحيفة دي فيلت التي يعمل فيها يوجيل رسالة مفتوحة في صفحة كاملة لإردوغان قال فيها إن الوضع الحالي للعلاقات الثنائية لا يعكس ما يجمع البلدين من أمور مشتركة. وكتب أولف بورشارت في الرسالة التي نشرتها الصحيفة بالألمانية والتركية "يمكنك تغيير ذلك. أنت ملك لكل الناس. إطلاق سراح دنيز يوجيل سيبعث بإشارة."

وعبرت وكالة المخابرات الداخلية (بي.إف.في) عن قلقها من زيادة عمليات التجسس التركي في ألمانيا وقالت إن الانقسامات الداخلية في تركيا بشأن استفتاء إردوغان انعكست على المنحدرين من أصل تركي في ألمانيا. وحذر هانز جورج ماسين رئيس الوكالة من "معارك بالوكالة" بين مؤيدي حزب العمال الكردستاني والقوميين الأتراك في الشوارع الألمانية.

اصلاحات جديدة

من جانب اخر قال وزير الداخلية الألماني توماس دي مايتسيره إنه يتعين على أكبر اتحاد للمساجد في ألمانيا إجراء إصلاحات جوهرية لضمان استقلاله عن تركيا بعد تقارير أفادت بأن رجال دين من هذا الاتحاد تجسسوا على أشخاص في ألمانيا. ويضم الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية رجال دين من تركيا لخدمة ثلاثة ملايين شخص من أصول تركية يعيشون في ألمانيا. وفي يناير كانون الثاني فتح كبير المدعين الاتحاديين بألمانيا تحقيقا بشأن احتمال قيام رجال دين أرسلتهم أنقرة بالتجسس.

وقال دي مايتسيره بعد اجتماع للمؤتمر الألماني بشأن الإسلام "هناك حاجة للقيام بخطوات ملموسة لضمان استقلال الاتحاد الوطني والاتحادات الحكومية بشكل واضح وشفاف." وتأتي تصريحات دي مايتسيره في وقت تصاعدت فيه حدة التوترات بين تركيا ودول أوروبية مثل ألمانيا وهولندا حيث يتزايد القلق من تزايد لهجة أنقرة الاستبدادية. كما أنها تأتي بعد تحذير من وكالة المخابرات الداخلية الألمانية من زيادة كبيرة في تجسس تركيا في ألمانيا قبل استفتاء يجري في 16 ابريل نيسان في تركيا بشأن زيادة سلطات الرئيس رجب طيب إردوغان.

ونفت الهيئة الدينية التركية أي تورط للأئمة في أنشطة غير قانونية وقالت إن التحقيقات بشأن التجسس المزعوم شوهت سمعة الهيئة. وأبدى دي مايتسيره قلقه من التقارير التي تحدثت عن احتمال قيام رجال دين تابعين للاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية بالتجسس وقال إن مثل هذه التصرفات لن تكون مقبولة إذا ثبت صحتها. وأضاف أن أي منظمة تتأثر إلى مثل هذا الحد بدولة أخرى لا يمكن أن تفي بالشروط المطلوبة لاعتبارها هيئة دينية. بحسب رويترز.

وقال إن اتخاذ الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية خطوات واضحة لتعزيز استقلاله هو فقط الذي سيسمح له بالحفاظ على وضعه كمنظمة دينية في ألمانيا. وأردف قائلا إن الولايات الألمانية محقة في فحص ما إذا كانت تريد استمرار العمل مع الاتحاد في وضع المناهج الدينية الإسلامية في مدارسها.

حظر حملات الدعاية

في السياق ذاته قال كبير موظفي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مقابلة إن الحكومة الألمانية لن تستبعد فرض حظر على الساسة الأتراك الذين يقومون بحملات دعاية في ألمانيا وسط خلاف يتصاعد بين أنقرة والبلدان الأوروبية. وقال بيتر التماير لسلسلة صحف فيونكه ميديين جروب "سنراقب عن كثب ما تعد دعاية مسؤولة وما تعد دعاية غير مسؤولة. وفرض حظر قد يكون الملاذ الأخير. لكننا نحتفظ بحقنا في أن نفعل ذلك."

والمشاعر متأججة لاسيما بعدما حظرت ألمانيا عددا من المؤتمرات التي كان من المقرر أن يحضرها وزراء أتراك مشيرة إلى مخاوف أمنية. ووصف إردوغان مثل هذا الحظر بأنه "فاشي" مما أثار غضب الحكومة الألمانية. ووصف هولندا أيضا بأنها "فاشية" لمنعها دخول وزيرة تركية. وقالت ولاية سارلاند الصغيرة في غرب ألمانيا إنها تضع موضع التنفيذ حقها في أن تحظر أنشطة سياسية تعرض للخطر التعايش السلمي بين الألمان والأجانب.

وقال التماير إن القانون الدولي يسمح لجميع الدول، ومن بينها ألمانيا، بأن تحظر دخول مسؤولي الحكومات الأجنبية، رغم أن هذا لا يحدث إلا نادرا. وقال "لم يحدث قط في ألمانيا، على حد علمي." وتابع قائلا "لكن حقيقة أن ألمانيا لم تستخدم بشكل كامل هذه الخيارات التي يتيحها القانون الدولي ’ليس جواز مرور مجاني’ في المستقبل."

وقال إن ألمانيا مستمرة في الكفاح من أجل الديمقراطية وحرية الصحافة وهذه أحد الأسباب التي سمحت بظهور سياسيين أجانب في ألمانيا. لكنه قال إن تشبيهات تركيا لألمانيا بالنازية غير مقبولة ومشكلة كبيرة وإن ألمانيا لن تسمح لتركيا بنقل صراعاتها الداخلية إلى الأرض الألمانية. وأضاف "تركيا مهتمة دائما بألا تمس كرامة بلدهم. لكن ألمانيا لديها أيضا كرامتها."

ومضى قائلا "ينظر إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية في أنحاء العالم منذ تأسيسها على أنها نموذج لدولة دستورية... لن نسمح لأحد بأن يلطخ تلك السمعة نفسنا ولا أيضا لساسة أتراك يقومون بدعاية انتخابية في بلدهم." وقال إن منع سفر أوربيين إلى تركيا يجب أن يمنح أنقرة وقفة. وتابع "احترام حرية الصحافة وحكم القانون والفصل بين السلطات في مصلحة تركيا الوطنية أيضا." وأضاف "هذه التطورات مصدر قلق كبير لكثير من الناس وبالنسبة لي شخصيا." بحسب رويترز.

وانتقد الساسة الألمان بشدة الاعتقالات والإقالات الجماعية في تركيا منذ محاولة انقلاب فاشلة في يوليو تموز الماضي. ويقول معارضون لإردوغان إن توسيع الصلاحيات التي سيجري الاستفتاء عليها ستؤدي إلى تآكل الفصل بين السلطات لكن إردوغان يقول إن هذه الصلاحيات ضرورية للحفاظ على الاستقرار في تركيا. وستستمر برلين في الضغط من أجل معاملة منصفة للصحفي الألماني-التركي دنيس يوجيل الذي ألقي القبض عليه في أنقرة الشهر الماضي ورفضت زعم تركيا بأنه جاسوس ألماني كزعم "لا أساس له على الإطلاق".

بيلد تتحدى اردوغان

من جهة اخرى هاجمت أكبر صحيفة ألمانية "بيلد" الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في افتتاحية على صفحتها الاولى واعتبرته شخصا غير مرغوب فيه في المانيا متهمة اياه "بتعريض استقرار أوروبا للخطر عبر جنون السلطة" لديه. وفي أوج الازمة الدبلوماسية بين ألمانيا وتركيا من جهة وأنقرة واوروبا من جهة أخرى على خلفية الاستفتاء المرتقب في 16 نيسان/ابريل حول توسيع صلاحيات ارودغان، نشرت الصحيفة على صفحتها الاولى صورة للرئيس التركي وبدت عليه علامات الانزعاج تحت عنوان "بيلد تقول لاردوغان الحقيقة في وجهه".

وكتبت الصحيفة الالمانية التي تبيع مليون نسخة يوميا، متوجهة الى اردوغان "انت لست ديموقراطيا وانت تسيء لبلادك! وليس مرحبا بك هنا!". وأضافت "في ظل جنونه بالسلطة، يؤلب اردوغان المصاب بجنون العظمة الاتراك ضد أوروبا" متهمة الرئيس التركي الذي وصفته بانه "رجل البوسفور الصغير، بتدمير بلاده". بحسب فرانس برس.

وتخوض أنقرة مواجهة مع عدة دول أوروبية في مقدمها ألمانيا وهولندا بعد منع وزراء اتراك من المشاركة في تجمعات تأييد لاردوغان قبل الاستفتاء المرتقب في 16 نيسان/ابريل حول توسيع سلطاته الرئاسة. واتهم اردوغان برلين باللجوء الى ممارسات "نازية" ودعم "الارهابيين" عبر استقبالها ناشطين من الاكراد الى جانب اشخاص يشتبه بضلوعهم في محاولة الانقلاب الفاشلة ضده في منتصف تموز/يوليو الماضي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0