الأزمة الراهنة التي تشهدها اليمن دخلت اليوم وبحسب بعض الخبراء منعطفا خطيراً، قد يقود البلاد إلى كارثة حقيقية تؤدي الى تمزيق وحدة البلاد التي قد تتحول الى ساحة لصراع إقليمي جديد، بسبب التحركات والتدخلات الخارجية التي تقوم بها بعض دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية، التي تسعى الى إضعاف نفوذ حركة "أنصار الله" التي سيطرت على مركز القرار في هذا البلد، وهو ما قد يهدد مصالحها خصوصا انها تخشى من ان بقاء الوضع الحالي او الوصول الى اتفاق وطني بين ابناء اليمن، قد يساعد في زيادة قوة جماعة أنصار الله وهو ما قد يمهد الى زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة، لذا فقد سعت الى إتباع خطط وأساليب جديدة من اجل تعقيد الأمور وخلق حالة من الرعب والقلق الداخلي والإقليمي، هذا بالإضافة الى تحريك ودعم بعض الجهات المعارضة في سبيل خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار الداخلي، وهو ما قد يمهد إلى اتخاذ قرارات أمميّة تبيح استخدام القوّة في اليمن، وهذا ما دعت إليه السعودية والدول الخليجية الأخرى، وهو ما اعتبره الكثير من المراقبين تدخلا مرفوضا وغير مبرر وهو دليل واضح يثبت التناقض في المعايير السعودية، التي سعت الى دعم بعض الجهات والجماعات في دول أخرى ولأهداف طائفية، فيما سارعت الى رفض واستنكار التحركات والثورات الشعبية الأخرى وسعت الى قمعها بشتى الوسائل والطرق وهو ما حدث في البحرين ويحدث اليوم في اليمن. وبحسب بعض الخبراء فإن الوضع اليمنى الراهن ينذر بدخول البلاد في حرب طاحنة قد تقود الى تقسيمها الى أقاليم متعددة، وهو سيناريو موضوع ومعد مسبقاً وجزء من خطة غربية من اجل توفير الأمان لدول المنطقة.

بداية التحركات

وفي هذا الشأن فقد حذت السعودية حذو دول غربية بإجلاء موظفيها الدبلوماسيين من اليمن بعد أن استولى الحوثيون على السلطة هناك في تحرك يبرز عداء جيران اليمن الذين يغلب السنة على سكانهم تجاه الحوثيين الشيعة الذين تساندهم إيران. ونسبت وكالة الأنباء السعودية الرسمية إلى مسؤول بوزارة الخارجية قوله إن الرياض علقت كل أعمال سفارتها في اليمن وأجلت موظفيها "نتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية" هناك.

وقالت ألمانيا وإيطاليا أيضا إنهما أغلقتا سفارتيهما في اليمن في أعقاب تحركات مماثلة من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بعدما عزز الحوثيون قبضتهم على السلطة في أعقاب سيطرتهم على العاصمة في سبتمبر أيلول. وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية إن برلين أغلقت بعثتها في اليمن وأن الموظفين غادروا. وقالت "خلال الأسابيع المنصرمة سيطر الحوثيون على السلطة وهذا وضع خطير بشكل غير مقبول لنا وقد يكون له تداعيات على المنطقة. الوضع مقلق للغاية لنا في أوروبا."

وأعلنت إيطاليا أيضا أنها أغلقت سفارتها معللة ذلك بانهيار الوضع الأمني. وقالت وزارة الخارجية في روما إنها ستسحب سفيرها وموظفيها. وقال جوليان هارنيس ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في اليمن إنه قلق بشأن "أزمة اقتصادية تلوح في أفق البلاد." وقال خلال مؤتمر صحفي "يتلقى اليمن الكثير من المساعدات المباشرة للحكومة من دول في المنطقة ودول الخليج والسعودية." وتابع قوله "نحن قلقون للغاية خشية أن تؤدي التغيرات السياسية والأزمة السياسية إلى تقليص احتمال تلقي هذه المساعدات."

وكثف المتشددون المرتبطون بتنظيم القاعدة هجماتهم على المقاتلين الحوثيين وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان جي مون إن اليمن "ينهار أمام أعيننا" وينزلق إلى هاوية الحرب الأهلية. واستمرت المفاوضات بشأن حل سياسي التي تدعمها الأمم المتحدة في صنعاء. وقال شهود إن آلاف اليمنيين احتشدوا في المدن التي يغلب على سكانها السنة مثل تعز وإب والبيضاء والحديدة للتنديد باستيلاء الحوثيين على السلطة. بحسب رويترز.

وتتهم السعودية ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي الحوثيين بشن انقلاب بعد أن أعلنوا حل البرلمان وتشكيل حكومة جديدة. ويعيش اليمن حالة من الفراغ السياسي منذ استقال الرئيس ورئيس الوزراء الشهر الماضي بعد أن سيطر الحوثيون على القصر الرئاسي. وذكرت قناة العربية الإخبارية أن وزراء خارجية دول الخليج حثوا مجلس الأمن الدولي على التفويض بإجراءات جبرية في مسعى لحل الأزمة في اليمن.

تسليم السلطة

الى جانب ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يدعو الحوثيين الذين يسيطرون على السلطة في صنعاء إلى التخلي عنها والإفراج عن الرئيس عبد ربه منصور هادي الموضوع تحت الإقامة الجبرية والتفاوض "بحسن نية" حول حل سياسي للخروج من الأزمة. ومشروع القرار الذي أعدته بريطانيا والأردن أقر بإجماع أعضاء المجلس الـ15.

ورحب السفير البريطاني مارك ليال غرانت بـ"الرسالة القوية والموحدة" التي أرسلها المجلس بإصداره هذا القرار، في حين أعربت نظيرته الأردنية دينا قعوار عن أملها في أن يلتزم جميع الأطراف اليمنيين بقرار المجلس لمنع البلد من "الانزلاق إلى الهاوية". وجاء في نص القرار أن مجلس الأمن "يطالب الحوثيين بأن يعمدوا بصورة فورية وغير مشروطة، إلى المشاركة بحسن نية في المفاوضات" الجارية برعاية الأمم المتحدة "وسحب قواتهم من المؤسسات الحكومية (...) ورفع يدهم عن الأجهزة الحكومية والأمنية".

كذلك يدعو القرار جميع أطراف الأزمة إلى "تسريع" المفاوضات وتحديد موعد لإجراء استفتاء دستوري وانتخابات. ويضيف القرار أن مجلس الأمن "يبدي استعداده لأخذ تدابير إضافية" ما يعني بلغة الأمم المتحدة فرض عقوبات، لكن من دون أن يذهب إلى حد الاستجابة لمطلب دول مجلس التعاون الخليجي التي طالبت بإصدار قرار تحت الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة لوضع قرارات المجلس موضع التنفيذ. وفي حال تقرر فرض عقوبات فإن تطبيقها يستلزم قرارا جديدا من مجلس الأمن.

من جانبهم أكد الحوثيون على لسان الناطق باسم حركتهم "أنصار الله"، محمد عبد السلام، أنهم "لن يركعوا أمام أي تهديد أو وعيد"، وقال الناطق الرسمي باسم "أنصار الله"، محمد عبد السلام، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إن "الشعب اليمني المظلوم يكافح للحياة من كد يده وعرق جبينه ويسعى للحرية والكرامة للتخلص من الهيمنة وهو ما حصل عليه في ثورته الشعبية المباركة".

ودان الناطق باسم الحوثيين "الحديث المتكرر والابتزاز المستفز للشعب اليمني في لقمة عيشه والتبشير له بانهيار اقتصادي ومجاعة"، مؤكدا أن ذلك "يحتم عليه أهمية التخلص من التبعية للخارج وإلغاء هذه الورقة التي تستهدفه في كرامته وحريته". ورأى أن "التهويل بسحب السفراء وبأن البلد سيدخل في عزلة دولية يكشف حالة الهلع لدى بعض القوى السياسية التي لا تراهن على الشعب ومقدراته وعزة وكرامة أبنائه وإنما تراهن على الخارج وكأن الحياة ستنتهي إذا غادرت سفارة من هنا أو من هناك". بحسب فرانس برس.

وأشار إلى أن "هذه السفارات ترعى مصالح بلدانها وليس مصالح الشعب والعالم واسع ولم تتضرر شعوب كثيرة حصلت على الحرية من الهيمنة الخارجية وكانت تتلقى دعما فعليا". وكان مجلس التعاون الخليجي دعا الأمم المتحدة إلى إصدار قرار بموجب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة في اليمن، بعد سيطرة الحوثيين على السلطة في العاصمة اليمنية.

شبح الحرب الأهلية

على صعيد متصل ستحاول حركة الحوثيين الشيعية اليمنية القوية اجتذاب منافسيها إلى مجلس رئاسي جديد لإدارة شؤون البلاد خلال محادثات قد تنتشل اليمن من حافة الهاوية أو تدفعه للسقوط في آتون الحرب الأهلية. وسلط انسحاب حزبين الضوء على مخاوفهما من استغلالهما كقطع شطرنج وعلى التحدي الذي يواجه مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر في محاولة دفع الأطراف نحو التوصل إلى اتفاق.

وبالنسبة لكل الأطراف فإن الأيام المقبلة قد تكون حاسمة. ورغم سيطرتهم على صنعاء فإن الحوثيين لايزالون حتى الآن مترددين في تولي زمام السلطة بشكل رسمي بينما سيتعين على منافسيهم الاختيار بين التعاون معهم أو مواجهتهم. وقد يؤدي الفشل في المفاوضات إلى ارتفاع وتيرة العنف وإلى كارثة إنسانية وتحول اليمن إلى دولة فاشلة يمكن أن تخطط منها جماعات متشددة -مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي حاول تنفيذ هجمات على طائرات متجهة للولايات المتحدة – لتنفيذ عمليات.

وبعد استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته وترك الوزارات في حالة من التخبط بالإضافة لتعثر مساعي انقاذ اقتصاد البلاد الضعيف فقد بات من الواضح على نحو متزايد أن اليمن بحاجة لحكومة. ونسب إلى مبعوث بريطانيا الخاص إلى البلاد ألان دنكان تحذيره من "حدوث خلل نتيجة عدم وجود حكومة وصراع بالوكالة بين المصالح الإيرانية والسعودية وزيادة هجمات تنظيم القاعدة ... والصراع القبلي الذي قد يتحول على نطاق أوسع إلى حرب أهلية."

وبدأ الحوثيون كحركة صحوة للطائفة الزيدية الشيعية في شمال اليمن قبل أن يتحولوا خلال العقد المنصرم إلى حركة ثورية لها تطلعات قومية وإلى حليف لإيران. وفي تقدم خاطف عبر شمال اليمن وإلى صنعاء العام الماضي استغلت الحركة الانقسامات داخل النخبة القبلية الحاكمة القديمة والغضب المستشري من فشل الحكومة لسنوات في تحقيق التنمية الاقتصادية. لكن الخطر الأكبر بالنسبة لهم الان يتمثل في تجاوز حدود قدراتهم.

وقالت أبريل لونجلي ألي وهي خبيرة في شؤون شبه الجزيرة العربية بمجموعة إدارة الأزمات الدولية "إنها نقطة تحول بالنسبة لهم فيما يتعلق بالرأي العام... بعض الناس المتعاطفين معهم فقدوا تعاطفهم الآن ويشعرون بالغضب." وتابعت قولها "كما أنهم بالغوا في إعلانهم الدستوري ويواجهون صدا من الأحزاب السياسية وجماعات أخرى ولاسيما في مناطق الجنوب والوسط من البلاد."

ومنذ سيطرتهم على صنعاء يحاول الحوثيون أن يلعبوا لعبة مزدوجة تتمثل في حمل الحكومة على التحرك نيابة عنهم مع تفادي مسؤولية حكم بلد منقسم بشدة. كما أن التأييد لهم في الشارع قد يكون مبالغا فيه لأن قواتهم مدعومة بلجان شعبية من المقاتلين المحليين. ورغم أن هذه اللجان متحالفة مع الجماعة إلا أن ولاءاتها قد تكون لشخصيات يمنية أخرى.

والاعلان عن مجلس رئاسي جديد تم رفضه على الفور من محافظي المناطق الجنوبية والشرقية وهي المناطق التي شكلت يوما دولة اليمن الجنوبية المستقلة وحيث يوجد نفط اليمن. وتتمتع الجماعات الانفصالية بقوة في المناطق الجنوبية حيث سأم الناس من الاقتتال القبلي في الشمال ومما يرون أنه تدفق مستمر للموارد على صنعاء. ويقول محللون إن أي استيلاء من الحوثيين على السلطة قد يحرك هذه الجماعات.

ولايبدو أنه سيكون للرئيس المستقيل هادي الذي وضعه الحوثيون قيد الاعتقال المنزلي دور في المفاوضات المقبلة. لكن سلفه علي عبد الله صاالح الذي شن ستة حروب ضد الحوثيين لكنه الان متهم بالتعاون معهم ضد أعدائه يواجه خيارا صعبا. ويعتقد محللون انه ساعد الحوثيين في تقويض سلطة هادي على أمل استعادة منصبه. والان سيتعين عليه أن يقرر إن كان سينتفع من الارتباط بالجماعة. بحسب رويترز.

كما أن الخيارات الصعبة تواجه أيضا حزب الإصلاح أحد أكبر الأحزاب السياسية وغريم لدود للحوثيين. وكان الإصلاح أحد حزبين انسحبا من المحادثات شاكيا من التعرض لتهديد رغم أنه لم يتضح بعد إن كان الانسحاب نهائيا أم تكتيكيا. ويحمل الإصلاح مصالح القبائل والإسلاميين السنة ويواجه خطر أن يتم تحييده سياسيا إذا انضم لحكومة حوثيين. لكن الخيار البديل قد يكون أسوأ وهو أن يعزل من السلطة نهائيا أو ينتهي به الأمر في خضم حرب أهلية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0