يعاني العالم أجمع ومنذ أزمنة بعيدة من ظاهرة التفاوت الطبقي سواء بين أفراد المجتمع الواحد، أو حتى بين الدول في مشارق الأرض ومغاربها، هذه الظاهرة الاقتصادية ليست وليدة اليوم، لكنها تستفحل أكثر في المجتمعات والدول المتأخرة، تلك التي يتذبذب فيها العدل، وتفشل فيها الحكومات بشكل خاص في تحقيق العدالة الاجتماعية بمختلف المجالات...
(إن المظالم والمشاكل التي تحدث في المجتمع هي نتيجة التمييز وترك العدل)
سماحة المرجع الشيرازي
يعاني العالم أجمع ومنذ أزمنة بعيدة من ظاهرة التفاوت الطبقي سواء بين أفراد المجتمع الواحد، أو حتى بين الدول في مشارق الأرض ومغاربها، هذه الظاهرة الاقتصادية ليست وليدة اليوم، لكنها تستفحل أكثر في المجتمعات والدول المتأخرة، تلك التي يتذبذب فيها العدل، وتفشل فيها الحكومات بشكل خاص في تحقيق العدالة الاجتماعية بمختلف المجالات.
وقدما تنبّه العلماء المختصون والمفكرون لهذه الظاهرة، وتصدت الأديان ومنظومات القيم والأفكار الرصينة لخطورة التفاوت الطبقي بين أفراد ومكونات المجتمع الواحد والدولة الواحدة، وكذلك بين مختلف المجتمعات والدول التي تتقاسم الأرض كلها، ويتطلب مكافحة التفاوت الطبقي إجراءات فعالة قوية وحاسمة كلها تتمحور حول مبدأ العدالة.
وركز الدين الإسلامي وفق النصوص القرآنية المباركة، والروايات والأحاديث الشريفة لأهل البيت عليهم السلام، على مسؤولية الحاكم وحكومته في ترسيخ العدل والمساواة في التعامل مع الثروات والأموال العامة، وطالب العلماء والمفكرون بأهمية منظومة العدل التي يجب اعتمادها في إدارة الدولة اقتصاديا من قبل الجهات المعنية، بالإضافة إلى مسؤولية الأفراد إزاء قضية الالتزام التام بالعدل في التعاملات المختلفة.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله يقول في محاضرة العدل ضمن سلسلة نبراس المعرفة:
(لا يجوز أن نخطو بغير العدل ولا أن نرفع أيدينا بغير العدل ولا أن نضع أيدينا في غير موضع العدل ويجب أن يكون التعامل مع الجميع بنفس القانون الإلهي سواء كان الشخص رئيس عشيرة أو كان أباً وأمّاً، أو كان رئيس حكومة وصاحب منصب رفيع).
ولنا في تاريخنا السياسي والاقتصادي المشرق أمثلة نموذجية في قضية مكافحة ومعالجة تداعيات التفاوت الطبقي، ومنع هذه الظاهرة من الاستفحال، كما وجدنا ذلك في حكومة الإمام علي عليه السلام، وكيفية التعاطي معها، كمعضلة اقتصادية سياسية إنسانية تعو بالضرر الكبير على المجتمع والدولة في وقت واحد.
الحاكم والخادم متساويان في بيت المال
فمثلا يذكر لنا التاريخ أن الإمام علي عليه السلام كان يساوي في العطاء من بيت المال بينه وبين خادمه، وهذا يعني أن رئيس الدولة في عالم اليوم يجب أن يتميز في قضية توزيع الثروة عن غيره من المواطنين، وهذا مبدأ عظيم، تمكن من خلاله قائد الدولة أن يعدل بين الجميع، ولا يُلحق الغبن بأحد، ويقضي على التداعيات التي يمكن أن يفرزها التعامل غير العادل.
لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(انظروا رئيس أكبر حكومة على وجه الأرض وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، يأخذ ثلاث دنانير لنفسه ويعطي ثلاث دنانير لخادمه قنبر. وهذا هو العدل الذي يأمر الله تعالى به: (إنّ الله يأمر بالعدل)، فهذا العدل يجري في كل المجالات وعلى كافّة المستويات).
بالطبع هناك آلية تنظيمية لقضية التعاطي العادل في توزيع المال العام، والمهم في هذا الجانب أن يطال الظلم أحد الأطراف، فهناك ما يسمى بقضاء الحاجات التي قد تتفاوت في طريقة المعالجة والتباين المالي بين هذه الحاجة وتلك وبين هذا المحتاج وذاك، ولكن ما يفيض عن حاجات الناس من أموال يجب أن يوزَّع على الجميع بشكل متساوٍ.
مع أن التساوي في الأموال بين الكبير والصغير، بين المسؤول وغيره، بين الأب وابنه، بين المدير والموظف، لا يعني أننا متساوون في قضية الطاعة والامتثال، فالابن لا يعقّ أباه أو ينتقص منه، وكذلك يجب أن يُطاع المسؤول الأعلى من قبل الأدني، وقضية المساواة المالية لا تعني عدم الطاعة أو نقص في الالتزام والاحترام.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(بهذا العدل وبعد قضاء كافّة الحاجات لا يكون فرق في توزيع المال بين رئيس الحكومة وخادمه، ولا بين الأب وابنه. فالتوزيع يكون بالتساوي، لا أن يعطى الأب أكثر من ابنه كونه أب. بلى يجب احترام الأب، ولا يعني الاحترام أخذ مال أكثر من غيره. وهكذا رئيس الحكومة يجب أن يُحترم ويطاع، ولكن ذلك لا يعني أن يلبس أفضل من خادمه).
التفاوت الطبقي يؤدي إلى نوع من التمييز بين الناس، وهنا يكمن الظلم وإلحاق الضر بالآخرين، فمثلا من يمتلك عِلْما أكثر من سواه لا ينبغي أن يتم تفضيله على غيره، لأن علمه هذا لنفسه، بمعنى حتى علم الإنسان يجب أن لا يميزه عن سواه، إلا في القضية الاعتبارية، وهذا أمر وارد ولا غضاضة فيه، فالعالِم له مكانة عالية طبعا.
لا تتخلوا عن العدل
لكن هل يجب أن يتم تفضيل العالِم ماليا على الناس، وعدم المساواة بينه وبين المواطنين الآخرين في قضية توزيع الثروات والأموال العامة؟، بالطبع العلم هنا لا يعني التفضيل على الآخرين، إلا من الناحية المعنوية والاعتبارية التي تعد قضية خاصة، ولا يجوز أن تكون سببا في تمييزه عن غيره من الناس، وهذا ما تعاملت به التعاليم الإسلامية ونصّت عليه.
وهنا يتساءل سماحة المرجع الشيرازي قائلا:
(لماذا التمييز؟ هل لأنّ فلان علمه أكثر؟ إنّ علمه لنفسه، وفضله لنفسه ومكانته لنفسه، ولذا ورد في زيارة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (القاسم بالسويّة). فالقاسم بالسوية لا يخالف العدل، لأنّ المال يُقسّم بعد قضاء الحوائج كلّ حسب حاجته).
ما تقدّم في أعلاه لو قمنا بشرحه وتفصيله للعقلاء وذوي الحكمة ورجاحة العقول، هل يرفضونه، بالطبع كلا، بل يتمسكون به، ويعملون في ضوئه، وينظرون إليه على أنه عمل صحيح وواجب، والسبب أن العمل به لا يسمح بظهور الخلافات بين الناس، لأنه قائم على العدل فيما بينهم، ويلمسون ذلك الإنصاف الذي يحميهم من كل خطوة قد تمس حقوقهم وتسلبهم أموالهم، أو ثرواتهم أو مكانتهم، بل تنصفهم وتعدل بينهم.
لهذا يُنظر إلى هذا الأمر على أنه من الحلول الناجعة لكبح المشكلات في المجتمع، لأن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تسمح بظهور التفاوت الطبقي، أو التفضيل بين الناس والجماعات فيما بينها، على العكس مما يحدث اليوم في بعض الدول الإسلامية التي تقودها حكومات تعجز عن التعاطي العادل فيما بين مواطنيها، فتمنح الامتيازات من دون وجه حق للبعض وتسلب حقوق أناس آخرين لا يستحقون الغبن، وهنا تغيب العدالة، وتستفحل ظاهرة التفاوت الطبقي.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لو يعرض على كلّ العقلاء وكلّ الأديان وكلّ المذاهب ذلك العدل لقبلت به ولرأته أمراً لازماً لا محيص عنه. بينما المظالم والمشاكل التي تحدث في المجتمع هي نتيجة التمييز وترك العدل الذي أمر الله به وعدم العمل بهذه الآية الكريمة: (إنّ الله يأمر بالعدل). فاذا تخلّينا عن العمل بالعدل حلّ بنا الظلم والفقر والمشاكل المختلفة).
وهكذا نجد ظاهرة التفاوت الطبقي حاضرة في دول حكوماتها إسلامية، وحكامها من المسلمين، والسبب أنهم لم يتعلموا من التجارب المضيئة في تاريخهم، ولم يستفيدوا منها، مع أنها سهلة التطبيق في حال تمت المعالجات وفق الأحكام الواضحة التي نصّت عليها التعاليم، وأوضحتها بما لا يقبل الخطأ، ولذلك عندما اختلت عملية التطبيق العادل، تنامت ظاهرة التفاوت الطبقي التي تحتاج إلى حكومات وحكام مسلمون يطبقون المعالجات الصحيحة للعدالة الاجتماعية.



اضف تعليق