منوعات - صحة

ألغاز أوميكرون العالقة

بقلم: أمبر دانس

تشهد معدلات الإصابة بالسلالة «أوميكرون»، المتحورة من فيروس ‎«سارس-كوف-2»، انخفاضًا واضحًا في العديد من بلدان العالم. لكن لا يزال العلماء يسعون جاهدين لفهم السرعة الشديدة التي تنتشر بها هذه السلالة المتحوّرة، وما يمكن أن تؤول إليه الأمور فيما بعد، خاصة مع ارتفاع معدلات الإصابة في بعض الأماكن بالسلالة المتحوّرة الفرعية، التي أَطلق عليها العلماء: BA.2.

خلافًا للسلالات المتحورة السابقة، التي أثارتْ مخاوف العلماء، غالبًا ما تصيب السلالة «أوميكرون» أشخاصًا يملكون أجسامًا مضادة للسلالات السابقة من فيروس «سارس-كوف-2»، اكتسبوها على أثر الإصابة بعدوى سابقة، أو من خلال اللقاحات. وصحيح أن العلماء قد عرفوا الكثير عن سلالة «أوميكرون»، على امتداد ثلاثة أشهر أخضعوا خلالها هذه السلالة للفحص والدرس، إلا أن غالبية الجهود البحثية حتى هذه اللحظة تَنْصَبُّ على السلالة الأم من «أوميكرون»، أو السلالة «BA.1». ولا تزال الأسئلة تُلحُّ على الباحثين.

يتصف المتحوِّر «أوميكرون»، على ما يبدو، بقدرته الكبيرة على الانتشار بين البشر، لا سيَّما أن السلالة الفرعية «BA.2» أقدر على الانتشار من نظيرتها «BA.1»؛ إلا أن الأعراض الناتجة عن الإصابة بهذه السلالة أقل حدة مما رُصد في حالة المتحورات الأخرى. فكيف يحدث ذلك؟ يمكن للدراسات التي أُجريت حول هذا الموضوع، وكيفية تفاعل هذه السلالة المتحورة مع الخلايا المضيفة والأجهزة المناعية، أن تقودنا إلى تطوير علاجات أكثر فاعلية، أو إلى إدخال تحسينات على اللقاحات. وكذلك فإن التجارب المعملية التي تُعرِّض الفيروس لضغوطٍ إضافية، بهدف التعرُّف على الطفرات الناشئة، تقدم لنا بعض المؤشرات على ما يُحتمل ظهوره من سلالات متحورة، بينما يواصل فيروس «سارس-كوف-2» رحلة تحوُّره.

يقول سليم عبد الكريم، عالم الأوبئة بمركز برنامج أبحاث الإيدز في جنوب أفريقيا، الواقع في مدينة دوربان: "لقد تغير الفيروس؛ إنه يدخل الخلايا بطريقة مختلفة الآن، ويصيب الرئتين بصورة مختلفة، ويصيب الأنف بصورة مختلفة".

وفي هذا التقرير، تسلط دورية Nature الضوء على بعض الأسئلة الرئيسية المتعلقة بالسلالة «أوميكرون»، وما يُحتمل أن تؤول إليه في المستقبل، وهي الأسئلة التي يسعى العلماء إلى العثور على إجابات لها.

ما السر وراء شدة انتشار «أوميكرون»؟

لا شك أن جزءًا كبيرًا من انتشار المتحور «أوميكرون» يرجع إلى عشرات الطفرات التي تميزه عن السلالات المتحورة السابقة، والتي تسمح له بمراوغة الأجسام المضادة في جسم العائل، لا سيما الأجسام المُحيِّدة، التي ترتبط بالبروتين الشوكي الخارجي للفيروس وتمنع دخوله إلى الخلية. فعلى الرغم من المناعة التي يكتسبها الجسم على نطاق واسع ضد متحورات فيروس «سارس-كوف-2» السابقة، لا يزال هناك كثير من الأجسام العائلة المتاحة أمام «أوميكرون»، ليتنقَّل بينها، مقارنةً بالوقت الذي كانت فيه سلالة «دلتا» المتحورة هي السلالة السائدة.

لكن لا يبعُد أيضًا أن يكون هناك عامل بنيوي، يكمن في التكوين البيولوجي للسلالة «أوميكرون»، يجعلها قابلةً للانتشار بهذه الدرجة الكبيرة، بغضّ النظر عن مناعة المصاب. قد يكون هذا العاملُ المقصودُ تغيُّرًا في طريقة انتقال العدوى من الشخص المصاب، أو إلى طريقة تلقِّي الشخص السليم للعدوى من شخص مصاب، أو إليهما معًا.

وفيما يتعلق بنقل العدوى، طُرحت فرضية مفادها أن هذه السلالة المتحورة تنتج تركيزًا أعلى من الجسيمات الفيروسية في الأنف، وتكون نتيجة ذلك أن الأفراد المصابين بالمرض يطلقون كميات أكبر من فيروسات كورونا مع كل زفير؛ غير أن البيانات التي تتناول هذه النقطة لا تزال متباينة.

نملك بين أيدينا نتيجة تؤيد صحة هذه الفرضية، تأتي من دراسة1 أُجريَت على الرئة البشرية، وأنسجة الشُّعب الهوائية، كان مايكل تشان، عالم الفيروسات في جامعة هونج كونج، الباحث الرئيس فيها. وتشير البيانات إلى أن السلالة «أوميكرون» تتكاثر في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي على نحو أسرع من جميع المتحورات السابقة.

ولاحظت مجموعة بحثية، تقودها ويندي باركلي، عالمة الفيروسات في كلية «إمبريال كوليدج لندن»، أن «أوميكرون» يتكاثر أسرع من «دلتا» في مزارع خلايا الأنف2.

وفي مقابل ذلك، أفادت بعض الدراسات بأن مجموعة من جرذان الهامستر، التي كانت تمتلك مناعةً ضد الفيروس دون الإصابة به، قد ظهر فيها عدد أقل من الجسيمات الفيروسية في الرئتين، وإن لم يكن أي منها مُعديًا، مقارنةً بالمتحورات السابقة3. وتشير دراسات أخرى5،4، أُجريتْ على البشر، إلى أن المتحور «أوميكرون» ينتج نفس مستوى الجسيمات الفيروسية المُعدية في الجهاز التنفُّسي العلوي، بل أقل أحيانًا، مقارنةً بالمتحور «دلتا».

أما فيما يخص الأفراد الذين يتعرضون لهذه الجسيمات الناقلة للعدوى، فإن قدرة «أوميكرون» الواضحة على الإصابة بالعدوى، حسبما تقول باركلي، ربما تكون مرتبطة بالطريقة التي يدخل بها الخلايا. ففي الوقت الذي اعتمدتْ فيه نسخ فيروس «سارس-كوف-2» السابقة على مستقبِل خلوي، هو «ACE2»، في عملية الارتباط بالخلايا، وعلى إنزيم خلوي، هو «TMPRSS2»، لإحداث فلق في البروتين الشوكي للفيروس، ما يتيح دخوله إلى الخلية، نجد أن المتحور «أوميكرون» قد تخلَّى، إلى حدٍّ بعيد عن استخدام مسار الإنزيم «TMPRSS2». وعوضًا عن ذلك، ابتلعت الخلايا جسيمات الفيروس بالكامل، ثم حلّ «أوميكرون» على فقاعات داخل الخلية، يُطلق عليها الإندوسومات6،2.

وتقول باركلي إن العديد من الخلايا الموجودة في الأنف تنتج المستقِبل «ACE2»، ولكنها لا تنتج إنزيم «TMPRSS2». من شأن ذلك أن يمنح السلالة «أوميكرون» أفضلية بمجرد استنشاق المصاب له، ويتيح للفيروس فرصة ترسيخ أقدامه دون حاجة إلى الوصول إلى الرئة وغيرها من أعضاء الجسم، التي يُعبِّر فيها عن الإنزيم المذكور على نطاق واسع. وربما يكشف هذا، ولو بصورة جزئية، سبب انتقال «أوميكرون» بهذه السهولة بين الأشخاص، وكيف تبدأ العدوى بهذه السرعة من لحظة الإصابة به.

هل الإصابة بالمتحور «أوميكرون» أقل شدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الأسباب؟

من الواضح أن معدلات الإيداع بالمستشفيات، والوفيات الناتجة عن الإصابة بسلالة «أوميكرون» المتحورة، مقارنةً بالسلالات السابقة، تشير إلى أن «أوميكرون» سلالة أضعف. ولكن بالنظر إلى أن كثيرًا من الأشخاص يتمتعون الآن بدرجة من المناعة، سواء عبر تلقي لقاحات «كوفيد-19»، أو نتيجةً للتعرُّض لإصابةٍ سابقة، فمن الصعب تحديد مقدار ما أسهمت به الجاهزية المناعية لمواجهة المرض في خفض شدته عقب الإصابة، أو ما إذا كان ذلك الانخفاض ناتجًا عن سمات بنيوية في الفيروس ذاته.

يقول جان لوران كازانوفا، عالم مناعة الأطفال بجامعة روكفلر في مدينة نيويورك: "الأصعب من ذلك هو الحصول على دراسة وراثية ومناعية لا غبار عليها".

كان باحثون من كلية الطب بجامعة كيس ويسترن ريزيرف، في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو، قد حاولوا مراقبة العوامل المذكورة، من خلال فحص حالات أطفال صغار، تقل أعمارهم عن خمس سنوات، أُصيبوا بمرض «كوفيد-19» للمرة الأولى، ولم يكونوا وقتئذ مؤهلين لتلقي اللقاح7. وكانت أعراض الإصابة بعدوى «أوميكرون» أقل شدة من حالات سلالة «دلتا» المتحورة، من حيث معدلات اللجوء إلى أقسام الطوارئ بالمستشفيات، أو إيداع المصابين بها، أو دخولهم وحدات العناية المركزة، وبخاصة حاجتهم إلى أجهزة تنفس صناعي.

وفي دراسة أخرى8، أجرى مجموعة من الباحثين في جنوب أفريقيا تحليلًا لمعدلات الإيداع المستشفيات، ومخاطر الوفاة لدى البالغين المصابين، أثناء موجة تفشِّي المتحور «أوميكرون»، مقارنةً بموجات التفشِّي السابقة. وبعد تعديل البيانات، أخذًا في الاعتبار الإصابات السابقة بالعدوى، والتطعيم، وعوامل أخرى، قدّر الباحثون أن 25% من أسباب انخفاض معدَّلات تطور المرض إلى الحالة الحادة، أو الوفاة، بين المصابين بالمتحور «أوميكرون»، كانت ترجع إلى سمات بنيوية تخصُّ الفيروس نفسه.

ما السر وراء ضعف المتحور «أوميكرون»، إذن؟ وجد فريق تشان أنه رغم نجاح هذه السلالة المتحورة في التكاثر داخل الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، فقد كانت أقل قدرةً على فعل الشيء نفسه في أنسجة الرئة1. كما خلُصتْ دراساتٌ أُجريتْ على القوارض انخفاضًا في درجات الالتهاب، والضرر الذي لحق بالرئتين3.

ويبدو أن التراجع النسبي في قدرة «أوميكرون» على استعمار الرئتين، أو إتلافهما، ينتُج عنه انخفاض في حالات الالتهاب الرئوي الحاد، والأزمات التنفسية، ولكنه، في الوقت نفسه، يزيد من معدَّلات الإصابة بنزلات البرد الشديدة.

وسببٌ آخر، ترى باركلي أنه ربما يُعزى إليه انخفاض شدة الإصابات الناتجة عن عدوى «أوميكرون»، يكمُن في انعدام قدرته على دمج خلايا الرئة الفردية معًا، لتكوين فقاعات أكبر حجمًا، يُطلق عليها «الملتحمات الخلوية» syncytia؛ وقد كان للمتحورات السابقة من فيروس كورونا القدرة على فعل ذلك. وبالنظر إلى وجود تلك التجمعات في رئات أشخاص وافتهم المنيَّة عقب التعرُّض لإصابة حادةٍ بالمرض، أشار بعض العلماء إلى أن تلك الملتحمات لعبتْ دورًا في ظهور الأعراض، أو ساعدت الفيروس على الانتشار. وأشار الباحثون إلى أن عملية الاندماج تلك تعتمد على الإنزيم «TMPRSS2»، ولا يبدو أن الإصابة بعدوى «أوميكرون» تؤدي إلى تكوين الملتحمات الخلوية بالمستويات نفسها2.

ما الاستجابة المناعية المُثلى في مواجهة «أوميكرون»؟

يمثل الإنترفيرون خط دفاع رئيس للجسم في مجابهة العوامل المُمرِضة، وتُنتجه الخلايا عند التعرُّض لهجوم على الجسم من قِبل تلك المُمْرضات. يبعث الإنترفيرون إشارةً إلى الخلايا المصابة لتكثيف دفاعاتها، عن طريق إبقاء الفيروسات محاصَرة في الإندوسومات، على سبيل المثال. وكذلك يطلق الإنترفيرون إشارة تحذير إلى الخلايا المجاورة غير المصابة، لفعل الأمر ذاته.

كانت السلالات المتحورة السابقة قادرةً على الإفلات من تأثيرات عديدة للإنترفيرون، أو تعطيلها. وتشير بعض الأبحاث إلى أن «أوميكرون» قد فقد جزءًا من هذه القدرة9 فيما انتهت تجارب أخرى إلى أنه أقدر على تحمُّل هذه التأثيرات10.

ويعكف الباحثون كذلك على تعيين أجزاء الفيروس التي تجذب انتباه الخلايا التائية. وعلى ما يبدو، فإن البروتينات الفيروسية التي تتعرف عليها الخلايا التائية لم تتغير كثيرًا في حالة «أوميكرون»10 عنها في حالة بقية المتحورات.

ولا شك أن هذه أخبار سارة؛ فرغم أن الخلايا التائية أبطأ من الأجسام المضادة في الاستجابة للتهديدات المتكررة، فإنها تبدأ عملها بمجرد ولادتها. ويساعد ذلك في تخفيف الإصابة بالعدوى الاختراقية، ومنْع تحوُّلها إلى صور شديدة من المرض.

وهكذا، فإن فهمنا لطبيعة أجزاء فيروس «سارس-كوف-2»، التي نادرًا ما تطالها الطفرات، وتملك تأثيرًا قويًا يُنشّط الخلايا التائية، من شأنه أن يساعد مصممي اللقاحات على ابتكار تركيبات جديدة تُحفّز ذلك النمط المناعي طويل الأجل، في مواجهة السلالات المتحورة الحالية والمستقبلية.

ماذا بعد؟

بالنظر إلى البيانات الإجمالية، ترى باركلي أن «أوميكرون» قد يكون شديد العدوى في المراحل المبكرة من عمر الإصابة، لأن هذه السلالة تكون قويّة في البداية. ولكن من المرجَّح أن الحمل الفيروسي، إلى جانب قدرة المتحور على إصابة خلايا أخرى، أو الانتقال إلى أشخاص آخرين، ينخفضان سريعًا أثناء محاولة الفيروس الانتشار خارج ممرات الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، أو عند مواجهته للإنترفيرون.

وتقول باركلي: "أثبت المتحور «أوميكرون» براعته في دخول خلايا الأنف. لكن ما إن يصل إلى تلك النقطة، لا أظنه قادرًا على الاستمرار بنفس البراعة".

في خضمّ موجة تفشِّي المتحور «أوميكرون»، رأى العلماء بصيص أمل في تراجُع شدة الأعراض، إلا أن معظم الخبراء يعتقدون أنه لن يكون آخر المتحورات المثيرة للقلق. يقول جيسي بلوم، عالم تطوُّر الفيروسات في معهد فريد هتشينسون لبحوث السرطان في مدينة سياتل بولاية واشنطن، إن هناك مسارين محتمَلين: الأول، هو أن يستمر «أوميكرون» سيستمر في التطوُّر، انتهاءً بنوع جديد من السلالات المتحوّرة، يكون أسوأ من السلالتين «BA.1» و «BA.2»؛ والثاني، ظهور سلالة متحورة جديدة، منبتَّة الصلة بالمتحور «أوميكرون».

ولعل المسار الثاني هو المسار الذي اتبعه الفيروس، لينتج جميع السلالات المتحورة المثيرة للقلق حتى هذه اللحظة. تقول لوسي ثورن، عالمة الفيروسات بجامعة كوليدج لندن: "لنا أن نرى في ذلك إشارةً على أن الفيروس يتمتع بقدر هائل من المرونة؛ ما يعني أنه يملك خيارات تطوّرية متعددة".

وبالنظر إلى أن السلالة «أوميكرون» تضمُّ عشرات الطفرات، فبإمكاننا أن نقول إن هذه السلالة قد انطلقت إلى مساحات تطوريّة تفوق السلالات الأخرى. هناك الكثير من الطفرات التي يُفترض أن تقلل من شراسة «أوميكرون»، لكن الملاحَظ، بوجهٍ عام، أنه يترعرع بتحرُّكه في مساحات جديدة؛ لاسيَّما أن المستقبَل ربما يحمل في طيَّاته طفرات أخرى، تخفف من التأثيرات التي تُضعف هذه السلالة المتحورة.

فما المسارات التطورية التي يمكن للمتحور «أوميكرون» أن يسلكها، إذن؟ ثمة طريقة تتيح لنا وضع توقعات مستنيرة، تتمثل في السماح للفيروس بالتطوُّر في ظل ظروف مختبرية، يمكن التحكُّم فيها. فعلى سبيل المثال، وجد باحثون من جامعة ألاباما في مدينة برمنجهام، أنه بعد استنبات الفيروس في عدة دورات من مزارع الخلايا، اكتسبت السلالة الأصلية من فيروس «سارس-كوف-2» قدرةً على الارتباط بسلفات الهيباران، وهو جزيء يوجد على سطح كافة الخلايا12. واستمر ذلك الفيروس المُستزرَع في الاعتماد على المستقبِل الفيروسي «ACE2»، ولكن الشريك المرتبط الإضافي حسَّن من قدرته على إصابة الخلايا بالعدوى.

على أنّ مؤلفي الدراسة ينوهون إلى أن التغيّرات التي طرأتْ على أطباق زراعة الخلايا لا تعني بالضرورة زيادة قدرة الفيروس على إصابة الحيوانات أو البشر؛ فمن الممكن أيضًا أن تُضعِف الطفرات من قدرته بطرق أخرى. وعليه، فإن هذا النوع من الأبحاث ليس مما يندرج تحت التعريف الدقيق لمُسمَّى «أبحاث اكتساب الوظائف محل الاهتمام».

يمكن للباحثين كذلك وضع الفيروس تحت ظروف معيّنة في المختبر، ما يسمح له بالتطور في وجود الأجسام المضادة أو الأدوية المضادة للفيروسات. على سبيل المثال، مرَّر العلماء سلالة مبكرة من فيروس «سارس-كوف-2»، من أحد الأطباق إلى آخر، في وجود عقار «ريمديسيفير» Remdesivir المضاد للفيروسات؛ فطوّر الفيروس على الفور طفرةً جعلته أقل حساسية لهذا العقار13.

التجارب التي تنتمي إلى هذا النوع تُمكِّن الباحثين من توقع مسار تطوّر الفيروس. مع الوضع في الاعتبار أن حدوث مثل هذه الطفرات في المختبر لا يعني حتمية حدوثها على أرض الواقع، ولكنه ينبّه العلماء، الذين يتناولون بالبحث والرصد الجوانب الجينية لفيروس كورونا، إلى المواضع التي ينبغي أن تسترعي انتباههم.

بات من المعروف أن فيروس «سارس-كوف-2» يصيب أنواعًا عديدةً من الحيوانات، من بينها حيوانات المنك، والغزلان، وجرذان الهامستر. ويرجح بعض العلماء أن السلالة «أوميكرون» ربما تكون قد مرّت عبر عائل حيواني، أو عوائل عدة، قبل رصدها لدى البشر للمرة الأولى في نوفمبر الماضي في جنوب إفريقيا. وفي الأثناء، يتساءل باحثون آخرون عمّا إذا كانت هذه السلالة المتحوّرة ستنجح في المرور بأنواع أخرى من الحيوانات، أكثرَ مما نعرفه الآن، قبل أن تعاود مهاجمة البشر، بعدما تكون قد اكتسبت طرقًا جديدة، وربما خطيرة، للتكيُّف.

ويقول جيسون كيندراتشوك، عالم الفيروسات في جامعة مانيتوبا في مدينة وينيبيج بكندا: "علينا أن نتصدى للمشكلة الأكبر التي نحاول التغافل عنها: ما أنواع الحيوانات الأخرى التي استطاع الفيروس الوصول إليها؟ وماذا يفعل فيها؟" يعمل كيندراتشوك عضوًا في فريق يحاول التصدي لهذا السؤال؛ يفحص أفراد الفريق عيناتٍ من الحياة البرية، بحثًا عن سلالة «أوميكرون» المتحوّرة، كما يفحصون أيضًا طريقة تفاعُل البروتين الشوكي للفيروس مع بروتينات «ACE2» لدى أنواع الحيوانات المختلفة.

أما فيما يخص الإصابات، فليس هناك ما يضمن أن شدتها ستظل منخفضة. ويراقب تشان الخطورة الإمراضية (أي قدرة المُمْرض على إحداث المرض)، مُستدلًا بتفضيلات الفيروس لدرجات الحرارة. وجد أن الفيروسات التي تصيب الجزء العلوي من المجرى التنفسي تتكاثر بصورة جيدة عند حرارة تبلغ 33 درجة مئوية، وعادة ما تؤدي إلى إصابات أقلَّ حدّة. أما الفيروسات التي تفضّل البقاء في درجة حرارة الرئتين، التي تبلغ 37 درجة مئوية، فمن المرجح أن تكون أشدَّ ضراوة. ويبدو، وفقًا لما أخبر به تشان، أن سلالة «أوميكرون» المتحورة الأصلية لا تفضل أيًا من درجتي الحرارة آنفتي الذكر، ولكنه يعكف حاليًا على فحص السلالات المتفرّعة.

وأيًّا ما كان ما يحمله لنا المستقبل، فإن هذه الأسئلة عن «أوميكرون»، وغيرها، ستشغل بال العلماء على مدى أشهر قادمة. ولا تزال معظم الأبحاث الحالية في مراحلها التمهيدية، في انتظار مراجعة الأقران والتأكيد من مختبرات أخرى.

ومهما يكن من شيء، حسبما يقول كيندراتشوك، فقد كان الباحثون لا يزالون يحاولون فهم سلالة «دلتا» المتحورة عندما ظهر «أوميكرون»، ويعلق قائلًا: "لم نكن نعرف بوجود هذه السلالة المتحوّرة حتى نهاية نوفمبر الماضي؛ ولذلك، فإننا لا نزال نجهل الكثير عنها حتى هذه اللحظة".

اضف تعليق