قرابة الشهرين والشعب العراقي يطّلع على كميات كبيرة من المشادات الكلامية والتصريحات النارية بين زعماء المكون الشيعي، فأحدهم يُصعد والآخر يُهدأ، وكانت النهاية كما توقع الكثير وهي الجلوس حول طاولة الحوار الذي ربما تأخر كثيرا او جاء في وقته المناسب؛ ذلك لان المفوضية لم تحسم الامر الا قبل ساعات من لحظة كتابة هذه الكلمات.

مجرد وصول السيد مقتدى الصدر الى مقر إقامة رئيس تحالف الفتح هادي العامري ولقاءه بأبرز قادة الإطار التنسيقي يبعث رسالة اطمئنان بأن الوضع السياسي ذاهب نحو الحل، وان الاتفاق بات وشيكا بين الأطراف المختلفة في بعض وجهات النظر، بعد ذلك يتم التشاور حول أكثر النقاط خلافا.

التحركات الداخلية الشيعية وقبول الصدر بمواجهة الشركاء من البيت الشيعي لم تأتي من فراغ، بل جاءت من إدراك زعيم التيار بأن لا حكومة دون توافق شيعي شيعي أولا، ومن ثم الانفتاح على الأطراف الأخرى ثانيا، لذلك هو يعلم أهمية هذا اللقاء وماهي الابعاد التي يحملها في المشهد السياسي المحلي، الذي لا يحتمل مزيد من الانغلاق والتخاصم.

وسرعة الاجتماع هذه بعد إعلان النتائج تشير الى التقدم السريع أيضا في صيغة التوافقات الشيعية، ويعطي انطباعا اوليا ان العقد ارتخت حبائلها ولا تحتاج مزيد من الوقت لكي يقطف المجتمعين ثمار اجتماعهم، بعد تجاوز نقاط الاختلاف التي لا تخرج عن إطار المكاسب الحزبية وتسمية رئيس الحكومة المقبلة وفق المواصفات التي وضعها الصدر مسبقا ورفضتها قوى الإطار.

ورغم التقلبات في المواقف الجانبية بين الفريقين، لكن الأسباب التي تدعوا للقائهم لا تزال قائمة، فلا يمكن للحكومة ان تشكل دون وصول الأطراف الشيعية الى تفاهمات وخارطة عمل مشترك، تعمل على إعادة ترتيب الأوراق بما يخدم العلمية السياسية والاستقرار السياسي الذي غاب عن العراق منذ عقود.

وعلى الرغم من خلوا البيان الاولي للإطار التنسيقي بعد اللقاء بالسيد الصدر من اهم المحاور التي كان من المفترض ذكرها، وهو وما يتطلع اليه الشعب العراقي والمنطقة، والمتمثل بشكل الحكومة المقبلة والمواصفات التي يجب ان يتحلى بها المرشح الجديد، وعلى من وقع الاختيار المبدئي، لكن ولشديد الأسف جاء البيان محملا بالعبارات الانشائية الفارغة والسطحية، وبالجمل التي يرددها السياسيين منذ تغيير النظام ولغاية اليوم.

لا نعلم هل كانت زيارة الصدر الى بغداد اليوم هي فاتحة امل ام خطوة في طريق تعميق الخلافات، وهذا الغموض بتحديد نتائج الاجتماع، يشي بعدم التوصل الى نقاط مشتركة او تفاهميه حول المرحلة القادمة، وفي حال نجحت قوى الإطار من انتزاع موافقة الصدر على بنود الموضوعة من قبل الإطار، فأن الصدر أيضا له ما يجعله متمسكا بقراره او خياراته فهو لا يزال متفوقا عليهم بعدد المقاعد، ولديه الامكانية الكبيرة على المناورة.

من الجهة الأخرى فان قوى الإطار التنسيقي قارئة جيدة لما يدور حولها بصورة عامة من تحركات للقوى السياسية الأخرى، ومحاولاتها المتواصلة للتقرب من البيت الشيعي، لكنها تعمل وفق استراتيجية بعيدة الأمد والنفس الطويل، لسحب البساط من تحت اقدام الصدر، وان كان الامر يجبرها على التخلي عن بعض الوزارات السيادية، طالما رئاسة الحكومة مضمونة لها.

السيد الصدر غادر مكان الاجتماع، ولم تغادرنا التوقعات بماذا سيحصل في الأيام القادمة، فمن الممكن ان تكون القوى الشيعية استيقظت من نومها العميق الذي استمر لسنوات ماضية، وأدركت ان أهمية الاجتماع والتلاقي تمكن في تجنيب العراق مزيدا من الخسائر المادية، والمتمثلة بهدر ثرواته الداخلية، وهذا لن يتحقق بشكل الحكومات التوافقية، بل ينجز ويرى النور إذا كانت الحكومة شكلت وفق معيار الوطنية المخلصة للبلد وشعبه.

وبعد هذا التفاؤل هنالك خشية او إشارة الى عدم تحقيق الاجتماع الهدف المنشود، وهذا ما تؤكده الكلمات المعدودات للسيد الصدر بعد الخروج من الاجتماع، "لا شرقية ولا غربية، حكومة اغلبية وطنية"، وقد تظهر فيما بعد علامات عدم الانسجام بين الكتل الشيعية المجتمعة للوصول الى توافقات تخرجهم من حالة الاحراج الذي وقعت فيه امام الأصدقاء من المكونات الأخرى.

في الخطابات الجميع وطنيون وحريصين على مستقبل البلد ووحدته، وفي الواقع لا نلتمس ذلك الا بنسبة ضئيلة لا توازي كمية الشعارات التي ترفعها الكتل في المحافل والمناسبات المختلفة، ويأتي الاجتماع بصرف النظر عن طبيعة المخرجات الناتجة عنه، ليكرس حالة الانقسام الداخلي وعدم التقارب بوجهات النظر من اجل الشروع بمرحلة جديدة مهمتها الأساس تصحيح أخطاء الماضي وابتكار الحلول للازمات.

اضف تعليق