إسلاميات - المرجع الشيرازي

المخرجات الإيجابية لزيارة الأربعين

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(نحذر من الموقف السلبي تجاه قضية الإمام الحسين ع)

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)

ها أننا نودّع أضخم مناسبة يعيشها المسلمون سنويا، ويحيون مراسيمها في مدينة كربلاء المقدسة، إنها زيارة أربعينية الإمام الحسيني (ع)، التي تفوق في أي تجمع بشري عبر التاريخ، وما يجعل هذه المناسبة مختلفة عن سواها من المناسبات، أنها تتكرر كل سنة في نفس التوقيت، لكن بأعداد أكبر وبمخرجات إيجابية جديدة تُسهم بطريقة وأخرى في بناء الشخصيات الفردية والمجتمعية أيضا.

من أهم مخرجات الأربعين الحسيني، توفير الفرص الجديدة للاستفادة من التجارب العملية الساندة والقائمة على مدار الساعة للإتمام إحياء مراسيم الزيارة، فالملايين التي تتوافد من بقاع العالم كلها، ومن مدن العراق كلها، تكاد الشوارع تغص بهم، فضلا عن الزوار الكرام القادمين عبر المطارات، فهذه الأعداد الهائلة من البشر، تحتاج إلى استعداد خدماتي مسبق كبير ومنظّم بطريقة عالية.

وهذا يمنح المواطن والمجتمع العراقي كله، تجارب عملية نموذجية في استثمار العمل الطوعي الجماعي، وتدريب النفس على هذا النوع من العمل الذي يمكن من خلاله بناء البلد بأفضل السبل وأحدثها وأكثرها جودة، فضلا عن بناء شخصية الفرد التي تتربى على نكران الذات والقيم القائمة على التعاون والتكافل والإنصاف، وهي قيم تعضّد النسيج الاجتماعي وتزيد من لحمته أضعافا.

من مخرجات هذه الزيارة الكبرى، أن يستثمر العراقيون هذا العدد الضخم للزوار الكرام، فهذا يشكل تفرّدا بالنسبة للعراقيين كي يستفيدوا من هذه الأعداد الضخمة التي تُقدَّم لها خدام توازي ضخامتها، مما يمنح العراقيين فرصا كبيرة لتنمية العمل الجماعي الطوعي، وتنمية القيم لبناء شخصية نموذجية منذ طفولة الإنسان.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) يقول في إحدى كلماته القيّمة:

(لم يسجّل التاريخ البشري ـ منذ العهد الأول وحتى اليوم ـ تجمّعاً بشرياً لعشرات الملايين في كل عام، يضمّ شتى المذاهب والأديان والشعوب والقوميات مثل هذه الشعيرة المقدّسة (الأربعين الحسيني عليه السلام) من جميع الجهات).

في شهريّ محرّم وصفر تتغير البيئة العراقية، فتصبح أكثر تعاونا وأقل تذمّرا، كما أن نسبة الألفاظ المسيئة تنحسر سواء في المخاطبات أو التعاملات المختلفة، ومما هو مثبت أن نسبة التجاوزات بمختلف أنواعها وأحجامها تقل إلى أقصى الدرجات، وهذه البيئة تعبر إلى العراقيين إلى مجتمعات إسلامية أخرى.

كيف نصنع عالما متوازناً؟

لذا يركز المعنيون من خطباء وعلماء ورجال دين أفاضل على أهمية المخرجات الإيجابية لزيارة الأربعين، فما يسود العالم العربي والإسلامي من أوضاع مشجعة متوازنة متعاونة ومستقرة، لا يصح أن ينتهي مع انتهاء مراسيم الزيارة، بل من أهم مخرجاتها استمرار هذه البيئة المسالمة المتفاعلة المنتجة المتراحمة، وهو ما يجب الحرص عليه كل الحرص من قبل الجميع.

فإذا أردنا أن يرضى علينا الإمام الحسين (ع) ويشفع لنا يوم الحساب العسير، علينا أن نفوز بقبوله ورضاه عنا، ون ذلك أن ترافق الشعائر المقدسة أخلاق توازي مكانة وعظمة هذه الشعائر، هذا هو المخرج المهم الذي يجب أن يحرص عليه العراقيون والمسلمون، فالهدف من زيارة الأربعين وإحياء مراسيمها هو بناء بيئة اجتماعية يسودها الخير والسلام والمحبة والتكافل والعدل وكل القيم الكبيرة.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يؤكد على:

(إن مما يرضي الإمام الحسين سلام الله عليه، هو أن نصحب الشعائر التي تقام باسمه بالفضيلة والأخلاق الإسلامية في كافّة المجالات).

من الجانب المقابل وحتى نضمن تحقيق المخرجات الإيجابية لزيارة الأربعين، لابد من الحرص على تجاوز المواقف السلبية تجاه قضية الإمام الحسين (ع)، فهي غير صحيحة ولا مقبولة بغض النظر عن شكلها أو نوعها أو الأسلوب الذي تتم به، فلا الكلام المضاد مقبول، ولا الخطوات العملية المناهضة للشعائر مستساغة، بل مرفوضة كل الرفض كونها تخلخل البنية الاجتماعية وتدمر القيم، وتستهدف التقوى، لأن إحياء الشعائر (من تقوى القلوب).

لابد من الحذر من إبداء أي موقف سلبي، بل يجب التركيز على تحقيق المخرجات الإيجابية لزيارة الأربعين، ومن أهمية وأكثرها إلحاحا، ترصين منظومة القيم، وتثقيف المجتمع على قيم الفكر الحسيني، ووجوب التمسك بالمبادئ التي خرج الإمام الحسين (ع) لتحقيقها، كرفض الظلم والتمسك بالعدالة، ومناهضة الاستبداد بكل أشكاله دون تراجع أو تردد قيد أنملة.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(لنحذر من الموقف السلبي تجاه قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه لأنّه يدمّر دنيانا وآخرتنا، ولا يستثنى أحد في هذا الامتحان وإن كان قاصراً، أو مشتبهاً).

زيارة الأربعين وتوفير الأجواء المسالمة

وطالما أننا نأمل بمخرجات إيجابية فعالة، انطلاقا من المدخلات التي تتمثل بالعدد الضخم للزوار، وبالاستعداد الذي يوازيه للأهالي في خدمة الزوار عبر المواكب والحسينيات وحتى البيوت، فضلا عن مؤسسات الدولة أو الجهد المدني، لهذا من الواجب على الجميع أن يتمسك بمهمة المشجّع والداعم لإدامة زخم هذه الزيارة المليونية السنوية، لاسيما في مجال حث الزوار على إحياء مراسيمها.

ومع كل ما توفره زيارة الأربعين من أجواء نفسية سليمة، وانفتاح روحي وشيوع حالة السلام والاطمئنان والراحة، إلا أن الهدف من الزيارة ليس الترفيهي فحسب، وإنما هناك أهداف وهي مجموعة (مخرجات) مهمة وكبيرة لابد من العمل على إنجازها بمسؤولية جماعية، فليس هناك أحد مستثنى من هذا المهمة الكبيرة.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله يقول):

(علينا أن نشجّع الآخرين لأداء زيارة الأربعين ولتكن أفضل من السنوات السابقة وأكثر أعدداً، وهذه المسؤولية تقع على الجميع ولاسيما الشباب الذين يمتلك أكثرهم الهواتف المحمولة، وأن لا يكون استخدامهم لها من أجل الترفيه وقضاء الوقت فقط).

من المعلوم أن ضمان تحقيق المخرجات الإيجابية، يتطلب مدخلات إيجابية، وهذا أمر بديهي، لذلك يجب تحاشي المواقف السلبية بكل أشكالها، حتى لو جاءت عن طريق التكلّم أو الكتابة، أو أية طريقة وأسلوب آخر، لأن الموقف السلبي من زيارة الأربعين ومن الشعائر بشكل عام، يمنع تحقيق المخرجات الإيجابية التي تطور الأفراد والمجتمع معا.

فالمطلوب هو التشجيع المستمر على إحياء المناسبات الدينية، وفي المقدمة منها الزيارات الضخمة كزيارة الأربعين، والحرص التام على دعمها وتأييدها، عبر الإسهام بالخدمات الطوعية، ودعم المواكب الحسينية، وكل ما يتعلق بالزيارة من أعمال وأقوال وأفعال وكتابات داعمة.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(نستعيذ بالله تعالى من كلّ كلمة سلبية أو كتابة غير لائقة تجاه الشعائر الحسينية المقدّسة، ونسعى أكثر وأكثر في نصرتها وتعظيمها).

بهذه المحصلات العملية المنظّمة، نكون قد خدمنا الإمام الحسين (ع) وانتصرنا لمبادئه من خلال إحيائنا لشعيرة زيارة الأربعين والشعائر الأخرى، بالإضافة إلى حرصنا على توفير المدخلات الصحيحة والمناسبة، للحصول على مخرجات إيجابية مضمونة، يستحق عليها الزوار الكرام سعادة الدنيا والآخرة، كذلك يستحقها أولئك الخدّام المتطوعون في رحاب سيد الشهداء (ع)، ونصرته، ونشر قيم ومبادئ الفكر الحسيني، لتثبيت القيم الصالحة المناهضة للانحراف والفساد والاستبداد.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يثبت هذا الأمر قائلا:

(هنيئاً للزوّار الكرام هذه السعادة والشرف والكرامة في الدنيا والآخرة، وهنيئاً لمن يخدمون الزوّار بأنواع الخدمات وتقديمهم ما يحتاجون إليه الذين لا تقلّ مثوباتهم عند الله عزّ وجلّ عن مثوبات الزوّار الأماجد).

أخيرا عاد الزوار الكرام إلى مدنهم وبلدانهم، سالمين غانمين بإذن واحد أحد، منتصرين لمبادئ الحق الحسني، داعين إلى عالم أفضل، ومستخلصين مخرجات إيجابية تساعد البشرية كلها، والمسلمين وغيرهم، على العيش بسلام وأمن وتفهّم متبادَل، فالذي يسير في طريق الإمام الحسين (ع) لا شك يكون من الضامنين لحياة أفضل، ولحسن العاقبة في نهاية المشوار...

اضف تعليق