من بين الأبعاد الرمزية التي ارادت (محكمة الشعب - المهداوي) التي تشكلت بعد ثورة تموز 1958 تكريسها في اذهان الناس، هو انها قسمت العراقيين الى قسمين، وطنيين ممن قاموا بالثورة اوساندوها، وغير وطنيين ممن كانوا رجال المرحلة السابقة ولم ينضموا اليها، وهؤلاء سواء قدموا الى المحكمة او لم يقدموا، فان اغلبهم باتوا خارج المعادلة السياسية (الوطنية) الجديدة! لا نحتاج هنا الى القول اننا مع الثورة وكتبنا كثيرا في ذلك، لكننا لا نستطيع تجاوز الكثير من التفاصيل المؤذية الي رافقت الثورة وتسببت في مشاكل كبيرة لنا لاحقا.

لقد تم شطب تاريخ كفاح الكثيرين من العراقيين ممن اسهموا في بناء البلاد والحاقها بالعالم الحديث مطلع القرن الماضي، وباتوا بعد الثورة منبوذين.

لكن الأخطر هو ان هذا السلوك صار سبّة عراقية ولا اقول سنّة، فكل من يأتي للسلطة يسعى الى تعظيم رأسماله الرمزي بتخوين من سبقوه والعمل على اقصائهم من مواقعهم وان كانوا بدرجات متوسطة وصغيرة احيانا.

لم نتخلص تماما من هذه الآفة المدمرة، على الرغم من ان كثيرين من المثقفين واصحاب العقول النيّرة كتبوا وتحدثوا في هذا، والسبب هو ان الأمر اقترن عند البعض بالمغانم والمكاسب التي تحققت لهم ويريدون الإبقاء على استفرادهم بها.

ولهذا يسعون لإحتكار الوطنية مع انهم انفسهم اصحاب قناعات عقائدية، قد يتفق معهم فيها البعض وقد يختلف، سواء بعد وصولهم السلطة او قبل ذلك، اما الوطنية فهي غريزة عند كل انسان يولد في اية بقعة في الارض وتكبر معه فيها ذكرياته وحبه لأناسها ولايستطيع أحد المزايدة على وطنيته، لأن الأمر وجداني لايخضع لمعايير العقائد والافكار وشطط السياسة!

مؤلم جدا ان نقرأ للبعض وهم يخاطبون العراقيين في الخارج، حين يبدون رايهم بما يجري في بلدهم العراق، والذي غادروه لظروفهم الخاصة، ويقول لهم وبوقاحة؛ وما شأنكم .. انتم اصبحتم مواطنين بريطانيين او هولنديين او دنماركيين .. الخ ..!!؟

ولم يتوقف الامر عند هذا، بل ان البعض بلغ حدا في احتكاره الوطنية لدرجة رفضه ان يبدي شخصا كان في موقع مسؤولية او له قناعة خاصة في المرحلة السابقة، رأيه في ما يجري لبلده الآن، مع ان هذا عاش ويلات الحروب والحصار وكوارث ما بعد الاحتلال، ومع ذلك هناك من لايراه وطنيا ولايحق له الكلام في شؤون الوطن وشجونه! ترى الى اي منحدر يأخذنا هؤلاء بشعاراتهم الوطنية الخادعة هذه؟!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق