تأخرُ الاستحقاقاتِ الدستوريةِ في العراقِ يثبتُ أنَّ النصوصَ شيءٌ والتطبيقَ شيءٌ آخرُ في ظلِّ منطقِ المحاصصةِ. إنَّ الصراعَ حولَ تعريفِ الكتلةِ الأكبرِ وغيابَ الثقةِ بينَ المكوناتِ، حوّلَ تشكيلَ الحكومةِ إلى رهينةِ توازناتٍ خارجيةٍ وتجاذباتٍ ضيقةٍ، مما أفقدَ العمليةَ السياسيةَ مصداقيتَها أمامَ شارعٍ يعاني من تعطلِ الخدماتِ وتأخرِ الموازناتِ...

عاد ملف اختيار رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء ليحتل صدارة الجدل في العراق، وسط تساؤلات شعبية متزايدة عن أسباب هذا التأخير المزمن، ورغم أن الدستور وضع أطرا زمنية واضحة لهذه الاستحقاقات، إلا أن الواقع السياسي يثبت في كل مرة أن النصوص شيء والتطبيق شيء آخر، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الحزبي وتداخل المصالح المحلية والإقليمية.

أولى هذه الأسباب تكمن في طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق، والذي يجعل من أي قرار مصيري نتيجة لمفاوضات طويلة ومعقدة، فاختيار رئيس الجمهورية، رغم كونه منصبا بروتوكوليا إلى حد كبير، إلا أنه يحمل رمزية سياسية كبيرة، خصوصا في ظل العرف السياسي الذي خصص هذا المنصب للمكون الكردي.

هذا العرف فتح الباب أمام تنافس داخلي بين القوى الكردية نفسها، حيث غالبا ما تدفع أكثر من جهة بمرشح، ما يؤدي إلى انقسام الأصوات وتأخير الحسم داخل البرلمان.

ولا يقل تعقيدا ملف الكتلة الأكبر، التي تُعد الجهة المخولة دستوريا بتسمية رئيس الوزراء، ففي كل دورة انتخابية تبرز خلافات حادة حول تعريف هذه الكتلة: هل هي الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، أم التحالف الذي يتشكل داخل البرلمان بعد إعلان النتائج؟ هذا الجدل القانوني – السياسي يتحول سريعا إلى أزمة حقيقية تعطل باقي الاستحقاقات، خصوصا عندما تفشل القوى السياسية في الاتفاق على تحالف واضح ومعلن.

إلى جانب ذلك، تلعب الانقسامات داخل المكون الواحد دورا كبيرا في إطالة أمد الأزمة، فبدل أن تتوحد القوى الشيعية أو السنية أو الكردية خلف مرشح معين، نشهد صراعات داخلية تعكس تضارب المصالح والرؤى، هذه الانقسامات من شأنها ان تضعف الموقف التفاوضي لكل مكون، وتمنح الأطراف الأخرى فرصة لفرض شروطها أو تعطيل العملية برمتها بانتظار تسويات أكثر ملاءمة.

العامل الإقليمي والدولي حاضر أيضا بقوة، وإن بشكل غير معلن في كثير من الأحيان، فالعراق بحكم موقعه الجيوسياسي، يتأثر بصراعات النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، تسعى كل منها إلى دعم شخصيات أو تحالفات تتماشى مع مصالحها، ومن الطبيعي ان هذا التدخل المباشر أو غير المباشر، يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث تصبح القرارات الداخلية رهينة لتوازنات خارجية لا يمكن تجاهلها.

كما أن غياب الثقة بين القوى السياسية يشكل عائقا كبيرا أمام تسريع عملية الاختيار، فالتجارب السابقة التي شهدت انهيار تحالفات بعد تشكيل الحكومة، جعلت الأطراف أكثر حذرا في تقديم التنازلات، كل طرف يسعى للحصول على ضمانات حقيقية قبل الموافقة على أي مرشح، سواء لرئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، وهو ما يطيل أمد المفاوضات ويؤخر الحسم.

من جهة أخرى لا ننسى الإشارة الى دور المحكمة الاتحادية في بعض الأحيان، حيث تُطرح تفسيرات قانونية متباينة للنصوص الدستورية، ما يؤدي إلى تعليق جلسات البرلمان أو الطعن في شرعية بعض الإجراءات، ورغم أهمية هذا الدور في حماية الدستور، إلا أن اللجوء المتكرر إلى القضاء لحسم الخلافات السياسية يعكس عجز القوى السياسية عن التوصل إلى حلول داخلية.

في مثل هذه الأجواء يقف الشارع العراقي موقف المتابع والمراقب، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالإحباط من تكرار هذا السيناريو، فالتأخير في تشكيل الحكومة يسهم بشكل مباشر وغير مباشر على حياة المواطنين، من خلال تأخر إقرار الموازنة، وتعطيل المشاريع الخدمية، واستمرار حالة عدم الاستقرار.

في المقابل يرى بعض المراقبين أن هذا التأخير رغم سلبياته، قد يكون أحيانا ضروريا للوصول إلى تسويات أكثر توازنا، تضمن مشاركة أوسع وتقلل من احتمالات الانفجار السياسي لاحقا، إلا أن هذا الطرح لم يصمد امام المنطق ويبقى محل جدل، خاصة عندما يتحول التأخير إلى حالة مزمنة تفقد العملية السياسية مصداقيتها.

تأخر التصويت على رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء يأتي نتيجة عوامل كثيرة وحصيلة شبكة معقدة من التوازنات السياسية، والانقسامات الداخلية والتأثيرات الخارجية، ومع غياب إصلاحات حقيقية للنظام السياسي، يبدو أن هذا المشهد سيبقى يتكرر، ما لم تتجه القوى السياسية نحو تبني معايير أكثر وضوحا وشفافية في إدارة هذه الاستحقاقات، بعيدا عن منطق المحاصصة والتجاذبات الضيقة.

اضف تعليق