في كتابه "صعود وانتصار الذات الحديثة" يفحص كارل ترومان التحول السريع في تصورنا الثقافي للجنس، النوع، الهوية. الكاتب ترومان الباحث في تاريخ الكنيسة، يعتقد ان المسيحيين والمحافظين الاجتماعيين الآخرين يميلون لإساءة فهم هذه التغيرات عبر إلقاء اللوم على الثورة الجنسية والفردية المعبرة (1). بدلا من ذلك، هو يرى الثورة الجنسية كنمو طبيعي لتغير أكبر في فهمنا للذات الانسانية. كل الامريكيين هم افراد معبّرين، سواء المحافظون او التقدميون (كما يذكر). لكي نفهم لماذا بعض الخيارات الفردية تنال الاحترام بينما اخرى يتم استبعادها، يتعقب ترومان تطور الهوية الفردية والمجتمع خلال القرون الثلاثة الماضية. دراساته التاريخية هي أقوى من العديد من التفسيرات الاخرى، لكنه ربما سيجد أجوبة اوضح لبعض اسئلته لو ان تحليلاته تضمنت جون ستيوارت مل ومبدأه المؤذي.

يتبنّى ترومان في تحقيقاته التاريخية مفاهيم من ثلاثة فلاسفة معاصرين: السدار ماكنتري، فيليب رايف، شارلس تايلور.

في كتابه "بعد الفضيلة" يوضح السدار عبث النقاش الأخلاقي المعاصر، الذي يستلزم انظمة اخلاقية لا تقبل المقارنة، وفي عدة حالات، تتحول الى عاطفة، وهي الرؤية بان العقائد الاخلاقية هي في الحقيقة تعبيرات لأفضليات عاطفية.

فيليب رايف يجادل في كتابه (انتصار العلاجات)، ان الثقافات التقليدية وجّهت الافراد نحو الخارج لإيجاد معنى في الجالية. في عصرنا السايكولوجي، الذات تخلق ذاتها من الداخل والذي هو أكثر أهمية من مؤسسات المجتمع. في العالم القديم وعالم القرون الوسطى، وُجد الافراد لخدمة الدولة او الكنيسة واكتسبوا هويتهم منهما، اما اليوم فان الدولة والكنيسة وجدتا لخدمة الفرد واحساسه بالرفاهية الباطنية.

اخيرا، من كتاب شارلس تايلور (مصادر الذات)، يأخذ ترومان مفهوم الخيال الاجتماعي، "حيث الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات المشتركة ممكنة، وإحساس مشترك وواسع بالشرعية". تايلور ايضا يرى في ذلك الخيال فرقا بين الرؤيتين التقليدية والشعرية للعالم. الـ Mimesis (2) ترى ان العالم كما لو انه يمتلك نظاما يجب ان نكتشفه ونمتثل له. اما الـ Poesis (3) فهي ترى العالم كمواد خام يمكن ان يستخدمها الافراد لخلق معنى وهدف. التكنلوجيا تساعدنا للتفكير في أنفسنا في ضوء نيتشوي شعري وتجعل خلق الذات "جزءاً روتينيا من حياتنا الخيالية الاجتماعية الحديثة".

يستعمل ترومان هذه المفاهيم الفلسفية ليتعقب ببراعة اصول الداخل والعاطفة والذات الشعرية في الخيال الاجتماعي الغربي الحديث. هو يبدأ تاريخه بروسو ويقارن بين اعترافاته واعترافات اوغستين. اوغستين يرى عيوبه الأخلاقية باطنية لذاته، الآثام التي هو ذاته مسؤول عنها. روسو، بالمقابل، يرى عيوبه خارجية، تزييف لإنسانيته الخيرة طبيعيا نتيجة الضغوط المشوهة التي يضعها المجتمع عليه. اوغستين الشاب يسرق كمثري لأنه شرير، اما روسو الشاب يسرق نبات الهليون لأن شخص آخر حثّه على ذلك. بالنسبة لروسو، الهوية الحقيقية للفرد توجد في سايكولوجيته الداخلية، والفرد الأصيل هو شخص يتطابق سلوكه الخارجي مع طبيعته الباطنية (الخيّرة فطريا). هذا التعبير يستمر على شكل صراع دائم، لأن المجتمع وأعرافه تمنع الذات الأصيلة من التعبير عن جوهرها. هذه الديناميكية التأسيسية لزماننا كانت موجودة سلفا في أواخر القرن الثامن عشر.

الشعراء الرومانسيون الانجليز مثل وليم وردسورث وبيرسي فيس شيلي أيدوا روسو في اعترافاته حول الفرد والمجتمع. هم فهموا كتاباتهم والعواطف القوية التي انتجتها كطريقة لوضع القرّاء في تماس مع الطبيعة الاصلية للإنسان الكامنة تحت هياكل وفساد المجتمع. هم ايضا ربطوا شعرهم بالسياسة والثورة. شيلي خصيصا رأى الشعر كطريقة لكشف الاضطهاد وتشكيل خيال القارئ بما يشبه التحرر السياسي. قبل أكثر من قرن كتب غرامشي واليسار الجديد حول الثقافة والثورة.

يرسم شيلي ارتباطا واضحا بين الدين، القمع السياسي، والقيود على النشاط الجنسي، خاصة العفة قبل الزواج والزواج بواحدة. وكما يشير ترومان، طالما الحب يكمن في جوهر ما نعنيه بالانسان، "فان القيود غير الطبيعية على الحب تمنع بشكل فعال الكائن البشري من ان يكون انسانا حقا. انها سبب رئيسي لعدم الأصالة الشخصية". اذا كان الامر هكذا، عندئذ فان الاخلاق المسيحية ليست فقط خاطئة وانما شريرة في منع الناس من عيش حياتهم بسعادة. قبل 150 سنة من الثورة الجنسية، جادل شيلي ومعاصروه بان الزواج يجب ان يكون اتحاد من المشاعر، وليس سرا ملزما، وان تحرير الحب يجب ان يكون ضرورة سياسية.

بعد ذلك جاء اساتذة الشك. نيتشة يرفض تماما كون الطبيعة الانسانية كمتعالية وكمبدأ حاكم، الى جانب الادّعاءات بالحقيقة المطلقة. العوائق لخلق الذات غير المحدودة بحاجة للتحقق، لا لكي تُطاع. الاخلاق ليست مسألة تأسيس ضرورات مطلقة (كما في كانط)، وانما كشف الحوافز وديناميكيات القوة المؤطرة للادّعاءات الاخلاقية. ماركس ايضا، يرفض الطبيعة الانسانية العابرة للتاريخ، مدّعيا ان تغيير الظروف الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية للسلطة هو الذي يقرر منْ هو الكائن الانساني. اخيرا، نظرية دارون في التطور توفر تفسيرا للطبيعة الانسانية يزيل منها كل مصير خاص او أهمية. في نهاية القرن التاسع عشر، هؤلاء المفكرون الثلاثة أضروا كثيرا بالإحساس ان الطبيعة الانسانية كمبدأ مؤسس لفهم الهدف الانساني. حسب وجهة نظرهم، العالم ليس له معنى عدى ذلك الذي اُعطي له بواسطة الكائن البشري.

ان صعود الذات السايكولوجية ازداد سرعة مع فرويد. ترومان لاحظ ان أغلب نظريات فرويد جرى دحضها، لكن الاسطورة التي أورثها لنا هي ان الجنس "هو العامل الواقعي للوجود الانساني، معنى ان تكون انسانا... الهدف من الحياة ومحتوى الحياة الجيدة، هو إرضاء جنسي ذاتي". الجنس كان دائما حافزا انسانيا مهما وفعالية، بعد فرويد أصبح هو الفعالية الأعظم أهمية لهويتنا السايكولوجية. رأى فرويد ان الحياة كلها جنسية بما فيها الطفولة. ترومان يكتب: "لا توجد هناك مرحلة في الحياة لم تكن فيها الرغبة الجنسية وإشباعها اساسيا للسلوك الانساني. كل تلك التغيرات هي وسائل بواسطتها يجد الافراد هذه القناعة". لاحقا في عمله المهني، أصبح فرويد اكثر تشاؤما بإمكانية تحقيق مثل هذه القناعة. هو يجادل ان الأخلاق التقليدية هي مدمرة للافراد، لكنها توفر فوائد واضحة للمجتمع. الحضارة تتطلب كبحا واحباطا للرغبات الجنسية وهكذا، مع كل منافعها فهي تجعل مستقبل السعادة الانسانية والقناعة مستحيلان.

ان الارتباط بين ماركس وفرويد وبتأثير قوي من شيلي، جاء مع صعود النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت. وبعد عقود من وفاة ماركس عام 1883، لم يتحقق انهيار الرأسمالية الذي تنبأ به. الأزمات الاقتصادية الدورية حدثت باستمرار، لكنها فشلت في خلق الوعي الطبقي الضروري الذي تحتاجه ثورة البروليتاريا. مدرسة فرانكفورت طوّرت نقدا للثقافة الرأسمالية التي تساعد في خلق ذلك الوعي الطبقي تدريجيا بمرور الزمن. جزء من ذلك النقد تضمّن مجموعة من تحليلات ماركس وفرويد، تربط القمع الجنسي بالاضطهاد السياسي. كان ترومان صائبا، نحن كلنا جزء من ثورة الذات ولا توجد هناك طريقة لتجنبها.

في عام 1936 نشر ولهيلم رايخ Wilhelm Reich (زميل فرويد وعضو غير رسمي في مدرسة فرانكفورت) كتاب الثورة الجنسية. وفي عمل سابق له وصف رايخ العائلة البطرياركية كوحدة أساسية للقمع، "المصنع الذي صُب فيه بناء الدولة والايديولوجية". الآن يجادل رايخ ان الدولة يجب ان تجبر وتعاقب العوائل التي تعارض التحرر الجنسي لأنها تصبح المعارض الرئيسي للتحرر السياسي. التحرر السياسي والتحرر الجنسي يسيران جنبا الى جنب. كلاهما ضروريان لخلق مجتمع أكثر سعادة وعدالة. تلك الاشياء التي تقف في طريقهما مثل العائلة التقليدية، يجب تحطيمها.

بعد رايخ بعشرين سنة، قدّم هربرت ماركوس رؤية أكثر اتقانا عن التحرر الجنسي. جادل ماركوس ان بعض مستويات القمع الجنسي كانت ضرورية للمجتمع لكي يعمل في الماضي. لكن الأعراف الجنسية الرأسمالية، التي ركزت على الزواج الاحادي والعائلة، كانت لها علاقة كبيرة بالسيطرة على البروليتارية أكثر من علاقتها بتنظيم المجتمع. السلوك الذي يعتبره المجتمع البرجوازي منحرفا يجب احتضانه كجزء من الكفاح ضد القمع. مع فرويد، اصبح الجنس مستبطنا وسايكولوجيا، ومع ريخ وماركوس اصبح مسيسا.

لاحقا جادل ماركوس ان السياسة يجب ان تصبح داخلية وسايكولوجية كما هو الجنس. في مقال له بعنوان "التسامح القمعي، 1965"، كتب اذا كان تشويه النفس بالوعي الزائف هو أصل الاضطهاد، عندئذ فان الاضطهاد يصبح مفهوما سايكولوجيا. الكلمات والافكار التي تعمق الاضطهاد بحاجة للمراقبة بسبب تاثيراتها السايكولوجية السيئة. هذا بدوره، يعني ان الكلام الحر والمنافع الاجتماعية الاخرى لا يجب منحها للجميع، وانما فقط لاولئك الذين هم على صواب وليسوا دعاة للأذى. كانت هذه رؤية السوفيتي الشاب الذي اخبر مرة بروفيسور الادب الروسي غاري سول مورسن، " بالطبع نحن لدينا حرية الكلام، لكننا فقط لا نسمح للناس بالكذب".

الخطوة الاخيرة في دراسة ترومان التاريخية هي كتاب سيمون ديبوفوري "الجنس الثاني" الذي يفصل بشكل واضح بين الجنس والنوع، البايولوجي، وعلم النفس. كما يوضح ديبوفيرو: "الطبيعة لا تعرّف المرأة: هي التي تعرّف نفسها عبر استعادة الطبيعة لنفسها في عاطفتها". انه بالإمكان الادّعاء ان العاطفة يمكن استعادتها رغم الطبيعة، واستعادة علم النفس رغم البايولوجي، واستعادة النوع (ذكر ام انثى) رغم الجنس.

المؤرخون المفكرون اصبحوا مصنعا محليا في السنوات الخمس الماضية، عندما كافح الاكاديميون والصحفيون في كيفية تفسير التحولات الهائلة في المجتمع، خاصة المتعلقة بالجنس والنوع. العديد من هذه التفسيرات التي جرت بسرعة كبيرة في التاريخ، تعطي تفسيرا لصعود وسقوط العصر الذهبي. هذه التفسيرات تميل للقول ان الحضارة الغربية بلغت ذروتها مع توما الاكويني، وان جميع مشاكلنا منذ ذلك الوقت يمكن القاء اللوم فيها على وليم اوكهام، او تعقّبها رجوعا الى جون لوك وفهمه للحرية والعقد الاجتماعي.

تفسير ترومان هو الأقوى وهو التفسير التاريخي الأكثر اقناعا حتى اليوم لأنه مسؤول تاريخيا ويتجنب التعميم المفرط. لا توجد إدانات تاريخية لجون لوك، او المؤسسون الامريكيون او الليبرالية بمختلف تعريفاتها. وانما، ترومان يفحص مصادره بعناية، محققا في اصول الأفكار الحديثة التي كتب بها المفكرون السابقون بوضوح. هذا العمق التاريخي يسمح لترومان ليوضح وبشكل مقنع جذور العديد من الظواهر الثقافية المحيرة، بدءاً من شيوع الاباحية الى التحولات السريعة في فهمنا للزواج، الى حرية الكلام في الجامعة، الى التحولات الجنسية.

وعلى طول الطريق، يستفسر ترومان دائما حيثما يضع الناس القيود على تحقيق الذات والاسس التي يضعونها لعمل كهذا. أوضح الامثلة على هذا هي الاعتداءات الجنسية على الاطفال وتعدد الزوجات: لماذا يمكن لرجل بايولوجي ان يحقق ذاته من خلال الاعتراف به كأمرأة بينما آخر يُمنع من الزواج بثلاث نساء؟ ترومان يدّعي ان مثل هذه القيود هي " حتما عشوائية ويتم تحفيزها سياسيا" ضمن أخلاق ما بعد فرويد الجنسية. لكنه لو أضاف جون ستيوارت مل لسرده التاريخي، فان المنطق سيصبح اكثر وضوحا. نقاشاتنا الأخلاقية العامة تركز على الضحايا والمضطهدين، انتشار تلك النقاشات هو عمل مؤذي. طبقا لمبدأ الأذى لمل، نحن حذرون في ادانة السلوكيات الى النقطة التي تكون فيها مؤذية بوضوح للاخرين. وعندما يصبح اذى مختلف الافعال اكثر وضوحا، هذه الافعال تصبح اكثر التباسا من الناحية الاخلاقية وحتى اكثر ازدراءً. هذا يوضح لماذا يفضل الامريكيون القيود على الاجهاض، لماذا اصبحت الكليات اكثر قلقا حول الجنس في الجامعات حينما اصبحت كلفة ثقافة الجنس العرضي اكثر وضوحا.

مبدأ الأذى ليس شيئا اعتباطيا ولا هو يتحفز سياسيا، انه يوضح لماذا الوقوف ضد الاعتداءات على الاطفال وتشجيع زواج المثليين يُحتمل ان يبقى قويا. انه سوف يقرر ما اذا كان تعدد الزوجات يُنظر اليه كالتزام مسيحي مورموني او قمع اسلامي اصولي او حب متحرر لتعدد زوجات. انه يوضح لماذا النقاش عن التحول الجنسي لم ينتهي بعد – كما يلاحظ ترومان – خاصة بشأن الناس الشباب الذين ربما لاحقا سينظرون الى تأثير هورموناتهم الثقيلة او الجراحة كأذى كبير، او الذين يُهزمون في المنافسات الرياضية المؤلمة من جانب رياضيين من جنس بايولوجي مضاد.

ترومان ربما كان صائبا، المشكلة ليست في الفردية ذاتها، التي تحتوي على تأكيد هام على كرامة الفرد بصرف النظر عن دوره في المجتمع. المشكلة هي ان الفردية المعبرة تفصل كرامة الفرد عن أي خلفية بنظام موضوعي متعالي. نحن يجب ان نكون مدينين لكارل ترومان لمساعدتنا على فهم كيفية حدوث ذلك الفصل وكيف يمكننا البدء بالتفكير في إصلاحه.

كتاب (صعود وانتصار الذات الحديثة) لكارل ترومان، صدر عن دار crossway في 10 نوفمبر 2020 في 432 صفحة. المؤلف ترومان بروفيسور في الدراسات الانجيلية والدينية بكلية Grove city.

...........................................................................
الهوامش
(1) الفردية المعبّرة Expressive individualism هي شكل من الفردية برزت في تضاد مع الفردية النفعية Utilitarian individualism. الفردية المعبّرة تؤمن ان كل فرد يمتلك شعورا اساسيا متفردا وبديهة يكشفان ويجب ان يُعبّر عنهما اذا اريد بلوغ الفردية. في ظل ظروف معينة، قد يجد الفرد المعبّر بالإمكان من خلال الشعور الحدسي ان "يندمج" مع الافراد الآخرين او مع الطبيعة او مع الكون ككل. اما الفردية النفعية، فهي شكل من الفردية تأخذ الرغبات الانسانية والمخاوف كمعطى، وترى حياة الانسان كجهد يقوم به الافراد لتعظيم المصلحة الذاتية. الفردية النفعية تنظر للمجتمع كبروز من العقد الذي يدخل به الافراد فقط من أجل تطوير مصالحهم الشخصية. انها تتصل عن قرب بالفهم الاقتصادي الاساسي للوجود.
(2) هي مبدأ نظري اساسي في خلق الفن. الكلمة لها أصل يوناني وتعني "تقليد" (بمعنى التمثيل وليس الاستنساخ). افلاطون وارسطو تحدثا عن الـ mimesis كتمثيل او تصوير للطبيعة.
(3) هي النشاط او الفعالية التي بها يجلب الفرد شيئا ما الى الوجود والذي لم يكن موجودا من قبل. الكلمة poiesis مشتقة من كلمة يونانية تعني "يصنع".

اضف تعليق