إسلاميات - المرجع الشيرازي

اعرفْ أهدافكَ وقدراتك ثمّ خطّط لحياتك

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(يجب أن يعرف الإنسان الهدف الذي يخطّط له) سماحة المرجع الشيرازي

يجهل بعض الناس دور التخطيط في بناء حياة متوازنة مستقرة، بل يجهلون ما يمتلكون من قدرات أصيلة أو مكتسبة، وبعضهم يصرّح بأنه يمتلك مؤهلات تفوق ما يمتلكه واقعيا، أي أنه يضخّم قدراته أكثر من حقيقتها، وهذا عيب أشار له ونبّه عليه كثير من العلماء والفلاسفة.

الصحيح هو معرفة القدرات والمؤهلات الذاتية، ومن ثم تحديد الأهداف بأسلوب واضح ودقيق، ليأتي لهد ذلك دور التخطيط، فهو الحد الفاصل بين ركيزتين مهمتين، الأولى معرفة القدرات والأهداف، والثانية مرحلة التخطيط، ثم المحصلة سوف تأتي عند التنفيذ والإنجاز.

المصاعب التي تعترض الإنسان في مسيرته، على صعيد العمل المادي أو الفكري، قد تكون غامضة ومعقدة في بعض الأحيان، لذلك يبقى الإنسان في حاجة ماسة لمعرفة الهدف، ولابد من التخطيط المدروس وعدم ترك الحبل على الغارب، حتى لا يسوء عيشه، ولا تتضخم العوائق المختلفة في وجهه، وهناك من يصحو على خطأ عدم التخطيط والتنظيم متأخرا، ليجد نفسه أمام خسائر كبيرة، لأنه لم يكن يعبأ بأهمية التخطيط والعمل المنظّم لبلوغ أهدافه.

بعض الناس يترك حياته تسير بشكل غير منظّم، ولا يعنيه التخطيط من قريب أو بعيد، بل هو لم يضع أهدافا تُذكر في حياته، وغالبا ما يردد مثل هؤلاء، إن كل ما سيأتي فهو خير، لكن هذا القول ليس صحيحا، لأنه ينمّ عن عدم شعور بمسؤولية دورك في الحياة، ولا يمكن بلوغ النجاح دون هدف وفق القدرات والإمكان، ودون تخطيط، فحتى تكون موفقا في حياتك عليك أن تخطط لبلوغ ذلك.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في إحدى كلماته التوجيهية القيّمة: (هناك أشخاص يعيشون من دون تخطيط ومن دون هدف، ويقولون أن كل ما يأتي أو سيأتي فهو خير، ولكن الصحيح: عليهم أن يخطّطوا ثم يعزموا السير على ما خطّطوا له).

لا ريب أننا نتعرض لأخطاء في مسيرة حياتنا، وقد يكون بعضها كبيرا أو خطيرا، وهذا يتأتى في الغالب من قصور ذاتي في معرفة القدرات والمؤهلات، يُضاف إليها عدم تحديد الأهداف التي يروم الوصول إليها، والطامة الكبرى تكمن في ضآلة الاهتمام بالعنصر الأهم للنجاح، ونقصد به التخطيط، وقد لا يتنبّه بعضهم لأهمية العنصر الأخير، فيبقى عشوائيا في حياته، مما يترتب على ذلك فشلاً محقّقاً.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) ينبّه على هذه النقطة فيقول: (على الإنسان أن يعرف الهدف الذي يخطّط له).

كنْ نسخةً مختلفة عن الآخرين

لا يصح للإنسان أن يكون متشابها كغيره في المنجز، ومن الخطأ النظر للحياة على أنها رتيبة، متشابهة، لا جدوى منها، كما يظن بعض الناس، فهناك كثير من البشر مروا في رحاب الأرض ومضوا إلى دار حقهم، لكنهم لم يتركوا ما يمكن أن يشير لهم بالبنان، أي أنهم رحلوا مثلما يرحل الإنسان العادي الذي لم يترك وراءه بصمة خاصة به تخلّده في ذاكرة من عاش معهم.

لذلك سوف يُنسى بعد موته، بل حتى أقرب الناس إليه ينسونه أيضا، السبب لم يكن يعرف من الحياة سوى الأكل والنوم والسفر، والراحة وتحقيق رغبات النفس، فيهدر وقته الثمين بنفسه، وينسى أن الله تعالى خلق الإنسان في هذه الدار ليس للأكل والنوم، ولا للتمتع بمزايا الدنيا التي سرعان ما تزول، وإنما هنالك أهداف أعظم بكثير من هذه الملذّات البائسة.

هنا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي (دام) ظله على: (إنّ الهدف من الحياة ليس الأكل والنوم والسفر وما شابه، فهذه الأمور تنتهي بالموت، يقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما خلق الله يقيناً لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت).

يعرف ويعترف الجميع، أن هنالك شروطا ومقومات تجعل من حياة الإنسان متفوقة، مختلفة عن سواها، ومن أهم هذه الشروط أن يتحلى بالقيم العظيمة، يتمسك بمنظومة الأخلاق التي تحميه من الشطط في أفكاره وأعماله، فأن تكون متوازنا في علاقاتك مع الآخرين، فهذا دليل على أخلاقك العالية، ومحافظتك على حقوق وحدود الآخرين، مما يعود عليك بالنجاح.

جزء من التخطيط لحياة ناجحة، تقديم العون التربوي الأخلاقي القويم لأبنائنا، وللمجتمع كله، علينا أن نخطط لامتلاك الأخلاق الرفيعة، فهذه الميزة كفيلة برفع مكانتنا وقيمتنا بين الناس، فضلا عن أنها تحسّن حياتنا، وتقربنا من أهدافنا، لذلك لا يمكن للحياة ولا للإنسان أن ينجح، دون بلوغ الأخلاق المخطَّط لها كهدف يتربع على قمة الأهداف الأخرى للإنسان، فهدف الأخلاق يقودنا لأهدافنا كلّها.

الأخلاق تملأ الحياة بالطاقة الإيجابية

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول: (ينبغي لكلّ مؤمن ومؤمنة، أن يلتزما بـ (حسن الخلق مع الجميع)، وهذا الأمر بحاجة إلى عزم وتصميم، فالأخلاق نعمة إلهية كبرى).

لماذا على الإنسان أن يكون خلوقاً؟، ولماذا يُطالَب بأن يكون له هدفا واضحا، يتناسب مع قدراته ومؤهلاته، الجواب حتى لا يقع فريسة اللاجدوى والعبث، وهي مشكلة يتعرض لها كل الناس الذين يعانون من عدم الإيمان، والجهل بالغاية من الحياة، وحين يعاني الإنسان من الجهل بمعنى الحياة والغاية منها، فإنه سوف يقع فريسة الضياع والمجهول.

الانتحار الذي صار ظاهرة في شعوب الغرب، سببه غياب الهدف، والشعور باللاجدوى، والوصول إلى نقطة اللاعودة، حيث تُغلَق جميع النوافذ والأبواب بوجه الإنسان، فيقرر إنهاء حياته، والسبب الأساس أنه فقد الإيمان، لأنه فقد الهدف قبل ذلك، وغاب التخطيط، م بلغ مرحلة أن لا فائدة من حياة لا يؤمن بها!

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يشير إلى هذه الظاهرة فيقول:

(هناك خصلتان هما من أسوأ المظاهر: الانتحار والأمراض العقلية، وإذا بحثتم لن تجدوا حتى مؤمناً حقيقياً واحداً ذا أخلاق حميدة أصيب بواحدة من هاتين الخصلتين).

وأخيرا فإننا يجب أن نتعلّم ونعلّم غيرنا، بأن الهدف الحياتي الواضح، يشبع حاجاتنا النفسية، ويُسهم في تحقيق ذواتنا، ولا يصح أن نهمل هذا المقوّم المهم لتحسين الحياة وتطويرها، أما في حالة العكس من ذلك، فإن الإنسان يُصاب بانتكاسة الشعور العبثي، وعاني من فراغ يمهد لإصابته بالأمراض النفسية.

يتأتى هذا من عجز واضح لدى الإنسان في تحديد أهدافه، وتقصيره أو مبالغته في المؤهلات والقدرات التي يتحصّل عليها، وغالبا ما يكون الإنسان العارف لمؤهلاته وأهدافه مؤمنا بذاته، ومتمسكا بجدوى الحياة، لذلك نجد أن صاحب الإيمان يخطط لحياته، ويستثمر قدراته بطرق عديدة مناسبة.

أهمها نزوعه الإنساني الكبير، ورغبته الدائمة في مساعدة الآخر، واحترامه، فمن عوامل زيادة الإيمان وسعادته، عندما يكون متأهبا على الدوام لمساعدة الآخرين، وقد ثبت علميا عبر الاستبيانات الدقيقة، أن الإنسان المعطاء هو الذي يتحلى بالإيمان، وهو الذي يتمتع بأوضاع نفسية مستقرة ومتوازنة، لسبب واضح أنه آمن بالحياة وجدواها، وحدد أهدافه فيها، ومن ثم خطط السبل التي تقوده إلى تحقيقها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2