إسلاميات - المرجع الشيرازي

باللاعنف والانتخابات نبني عراقنا الجديد

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(مخرجات الانتخابات تكون صحيحة إذا أُجرِيَتْ ضمن الضوابط المشروعة)

سماحة المرجع الشيرازي

اللاعنف هو نقيض كلّي للعنف الذي يعرَّف بأنه القوة الجسدية التي تصدر ضد النفس، أو ضد أي شخص آخر بصورة متعمدة، لإرغام الفرد على إتيان فعل ما نتيجة لشعوره بالألم بسبب ما يتعرّض له من أذى. وهناك استخدامات عدّة لهذا المصطلح تشير إلى تدمير الأشياء والجمادات مثل تدمير الممتلكات.

يستخدم العنف في جميع أنحاء العالم كأداة للتأثير على الآخرين، كما أنه يعتبر من الأمور التي تحظى باهتمام القانون والثقافة، حيث يسعى كلاهما إلى قمع ظاهرة العنف ومنع تفشيها. ومن الممكن أن يتخذ العنف صورًا كثيرة تبدو في أي مكان على وجه الأرض، بدايةً من مجرد الضرب بين شخصين والذي قد يسفر عن إيذاء بدني وانتهاءً بالحرب والإبادة الجماعية التي يموت فيها ملايين الأفراد.

طاقة التدمير التي يحملها العنف بأنواعه، تلزم الإنسان فرداً، دولاً، ومجتمعات، بانتهاج طريق آخر مناقض، عبر نشر وإشاعة ثقافة سلوك، تقوم على التفاهم والحوار، أما فيما يخص شرعية الحكومة، فالقول الفصل يكون للانتخابات التي تمنح السلطة شرعيتها، إذن الانتخابات ترتبط باللاعنف برباط الشرعية التي تمنحها للسلطة، بعيدا عن استخدام القوة والانقلابات.

اللاعنف ثقافة تشذّب الحياة، وتمنحها طابعا سلميا، يتيح للفرد والمجتمع والدولة، التفرّغ للبناء ومواكبة ما يستجد من تطورات عالمية في الأصعدة كافة، لهذا فإن بُناة العراق الجديد، يجب أن ينبذوا الأساليب القهرية بكل أنواعها، ولابد من مغادرة التفكير الدكتاتوري، حتى نتخلص من مخرجاته المؤلمة والمدمِّرة.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظلّه)، يؤكّد على انتهاج اللاعنف كسبيل لبناء العراق الجديد، فيقول في إحدى كلماته التوجيهية القيِّمة:

(ينبغي على بناة العراق الجديد تبني مبدأ اللاعنف، والمطالبة بالحقوق المشروعة عبر الطرق السلمية وتحكيم الحوار البنّاء، والتفاهم الصريح واللّين).

تعد الانتخابات أحد مخرجات اللاعنف المؤثرة في بناء الدول والشعوب، شريطة أن تُقام وفق ضوابط معروفة تضمن نتائجها المنصفة، لذلك لا يمكن ضمان انتخابات نزيهة، في ظل حكومات دكتاتورية كونها تجرّد هذه الفعالية من جوهرها، حين تجعل منها (شكلية) ومعروفة النتائج مسبقاً، حيث تتحكم بنتائجها، السلطة الدكتاتورية التي استولت على الحكم بالقوة.

كلا للانتخابات الشكلية

لا نريد العودة إلى هذا النوع من الانتخابات الجوفاء، بل يجب أن يتركز جهدنا على حماية حقوقنا المشروعة، والسعي لتحقيقها وفق معايير اللين، وتبني الحوار، واعتماد الأساليب السلمية، ولا يصحّ اللجوء إلى السبل العنيفة، كونها تتعارض مع الانتخابات النزيهة التي تعدّ من أهم مخرجات اللاعنف، وبهذا يجب أن يكون صندوق الاقتراع، هو الفيصل بين جميع الأطراف المتنافسة.

وهذه الرؤية تحتّم على الجميع المشاركة الفاعلة في الانتخابات، ونقل الصراع من الأساليب العنيفة إلى التنافس الانتخابي السلمي، مما يحتم على الجميع المشاركة الفعالة فيها، لاختيار من يصلح لتمثيلهم في صنع القرار، وبذلك يجب أن نركّز على قضية إجراء الانتخابات واللجوء إلى وسائل الضغط السلمية لإنجازها، والمشاركة المكثّفة، مع منح الصوت الانتخابي لمن يستحقه بجدارة.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يركّز على هذا المطلب فيقول:

(إنّ وصول الشعب العراقي الكريم إلى حقوقه المشروعة متوقّف في الوقت الراهن على إجراء الانتخابات, فيلزم على الجميع المشاركة فيها).

تلوح أمام الشعب العراقي فرصة مهمة للحصول على مردودات إيجابية للانتخابات، تتمثل بإنجاز الحقوق المشروعة، مع إثبات عدم صلاحية الأنظمة الدكتاتورية والأنظمة الفاسدة لإدارة العراق، وهذه الفرصة تعدّ خطوة حاسمة في نضال العراقيين، من أجل التعويض عمّا ألحقته بهم الأنظمة والحكومات الفاشلة.

يجب أن يصبح الاضطهاد من أوجاع الماضي ولا رجعة لها، ولابد أن يفهم العراقيون بأن العودة إلى الحكم الفردي بمثابة انتحار لهم، ولكن هذا لا يعني الرضوخ لحكومات الفساد، بل يستمر الكفاح المدني السلمي في إطار اللاعنف، من أجل عراق قوي مستقل آمن، في ظل نظام سياسي حرّ ودولة حامية للحريات والرأي، وهذا لن يتحقق إلا بخروج الانتخابات بحكومة قادرة على حماية سيادة الدولة، ويمكنها أن تصون استقلالها بإخراج القوات الأجنبية.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)، يركز على هذا الجانب فيقول:

(من المردودات الإيجابية للانتخابات، وصول الشعب العراقي إلى حقوقه المشروعة، ومنع قيام أنظمة دكتاتورية تضطهد الشعب، كما أنها الطريق إلى خروج القوات الأجنبية واستقلال وسيادة العراق).

لا أحد يُستثنى من المسؤولية

في ظل الظروف الحساسة التي يمر بها العراق، وتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والصحية عليه، لا يمكن أن يعبر إلى ضفة الأمان إلا بالعراقيين أنفسهم، فالمطلوب أن يتكاتف الجميع، وأن ينهض الكل بمسؤولياتهم تجاه بلدهم، من خلال استنهاض القيم النبيلة القادرة على إنقاذهم، من هجمة القيم المادية الدخيلة التي يسعى مروجوها إلى تدمير التماسك المجتمعي في العراق.

التعاون والتكاتف والشعور المشترك بالآخر، كفيل بصناعة مجتمع مؤمن يتخذ من التقوى رباطاً وثيقا، يجمع فيما بينهم، ولا يستثنى أي قطاع من هذا الشعور، ولا من التقوى التي يجب أن تسود المجتمع العراقي، لاسيما في الظروف الحالكة التي تحيط به، حتى تبقى فرصة التقدم قائمة، ولا تضيع جهود أبنائه سدى.

يخاطب سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)، كل العراقيين قائلا:

(ينبغي على العراقيين نساء ورجالاً أن يتعاونوا جميعاً، ويتكاتفوا من أجل صنع عراق (مؤمن تقيّ) يتوّج كل قطاعاته بالإيمان، ويشتمل كل فئاته بلباس التقوى).

يحاول المنحرفون إلحاق الأذى والأوجاع مجددا بالعراقيين، وهم معروفون بخبثهم وأنانيتهم، مثلما أن الشعب العراقي معروف بأصالته وثباته على مبادئ التقوى والتطلّع الدائم نحو الحرية، من خلال التركيز على التعايش وتوحيد الكلمة، باعتماد منهج اللين واللاعنف، في علاقاته المختلفة.

كبيرة ثقة المرجع الشيرازي بأهل العراق، وقد خبرهم سماحته، وعرف خصالهم، فهذا الشعب يعدّ من الشعوب المخضرمة التي عاصرت مختلف الأنظمة التي تعاقبت على حكمه، وخبر هذا المجتمع سبل الكفاح من أجل التحرر، لذلك لا يمكن أن تؤول فرصته التاريخية الحالية إلى الفشل، والدليل هذا التشبّث الهائل للعراقيين بحريتهم وحقوقهم، واستعدادهم الدائم للتضحية والفداء.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(شعب العراق الطيّب وعبر تاريخه الطويل كان وسيبقى شعب الصمود والصبر والفداء والتضحية، وخاصّة في هذه العقود السوداء الأخيرة، فهو شعب لا تثنيه كثرة المحاولات الأثيمة عن عزمه، ولا يستلب منه المنحرفون والمنافقون الصبر والحلم، والتعايش ووحدة الصفّ).

لذلك يجب أن يتمسك العراقيون بمؤازرة بعضهم بعضا، ولابد من الصبر والتأني في تجاوز الأزمات والمحن، وفي نفس الوقت يجب العمل على تقوية أواصر العلاقات المجتمعية، والتثقيف المستمر على اللاعنف، وتضييع الفرصة على الأعداء المتربصين بالعراقيين في الداخل والخارج.

يوجّه سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) العراقيين بهذه النقطة المهمة:

(من اللازم على جميع الأحبّة في العراق في هذه المرحلة الحسّاسة والعصيبة، التزام الصبر والحلم، كما أنه ينبغي تطويق الحكماء للفتن التي يراد إشعالها، والقضاء عليها في مهدها).

وأخيرا لا سبيل أمام العراقيين سوى استمرار كفاحهم السلمي، وتنمية القيم التي تدفع بهم نحو التحرر وليس الدكتاتورية، ومنها ثقافة الانتخابات التي يجب أن تصبح سلوكا يرسخ في حياة العراقيين جميعا، في الدوائر والمدارس والجامعات وحتى داخل الأسرة، فهذه الثقافة الرصين هي السبيل إلى دحر الدكتاتورية بكل أشكالها، وإشاعة أجواء الحرية كثقافة ومنهج حياة لعموم العراقيين.

كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في قوله:

(إجراء الانتخابات هو السبيل ليقول الشعب العراقي الكريم كلمته).

العراق الجديد يجب أن يُبنى باللاعنف ومخرجاته الإيجابية الكبيرة، وهذه مهمة جميع العراقيين، بدءاً بالنخب السياسية والدينية والثقافية وسواها، مع إبقاء المسؤولية قائمة على كل فرد عراقي، حيث تقع على الجميع كلٌ وفق مستواه المعرفي وقدراته المختلفة، في الإسهام ببناء عراق الحرية والتعايش والازدهار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

22