مقدمة تاريخية

لله بيتاً في هذه الأرض يُسمى البيت العتيق لأنه (أول بيت وضع للناس)، وضعه الله في منطقة مقفرة لا زرع فيها ولا ضرع، تُسمى (مكة المكرمة)، فهي منذ أول الخلق إلى اليوم أرض عبادة وطهارة وليست أرض زراعة أو صناعة وحضارة، وذلك لتبقى شاهدة على الحضارة الإنسانية البشرية وبؤسها.

ولكن هذا البيت قد اندرس بعد الطوفان الشهير الذي كان في عهد نبي الله ورسوله نوح (ع) الذي دعا قومه إلى التوحيد وعبادة الله حوالي ألف سنة ولكن أصروا إصراراً عجيباً على عبادة الأصنام الحجرية، كما قال تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) (نوح: 24)

وجاء بطل التوحيد وأحيى تلك الحضارة بالتوحيد الخالص لله تعالى، حيث انبثق من قلب ديار الشرك والكفر من بابل العراق، وديار النمرود، ولكنه خرج بأهله وابن عمه نبي الله لوط إلى الأرض المباركة في الشام، وهناك راح يدعو الناس إلى التوحيد ودين الله تعالى، إلى أن كبُر وشاخ ودقَّ عظمه ولم يكن له ولد ولا وريث، ولكن الله تعالى وهب له نبي الله إسماعيل من هاجر المصرية، فأمره الله تعالى لأخذها مع وليدها إلى مكان البيت العتيق وتجديده بعد أن يسكن في ذلك الوادي المقفر، وانباع ماء زمزم بقدرة الله تعالى.

وامتثل أبونا إبراهيم لأمر الله تعالى في كل شيء، ولما كبُر إسماعيل أمرهما الله تعالى بإعادة إعمار البيت بقوله: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 128)

ولكن الشياطين أحالوا قلعة التوحيد ورمز العبادة لله الواحد الأحد وبيته العتيق إلى مركزاً للأصنام والأوثان فكان في المسجد من حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً وعلى ظهرها أكبرها (هُبل) في العصر الذي يُعث فيه محمد بن عبد الله (ص) رسولا للعالمين، ليُخرج الناس من تلك الظلمات الغارقة في الجهل والجاهلية إلى بحبوحة النور والعلم والحضارة الإنسانية، ومن عبادة الجبت والطاغوت إلى عبادة الله الأحد الصمد، وهكذا فعل خلال ثلاث وعشرين سنة ثلاثة عشر منها في مكة المكرمة لم يؤمن به إلا القليل، وعشر سنوات مباركات في المدينة المنورة حيث استجاب له الأوس والخزرج ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً بعد أن شنَّت قريش الكافرة المشركة الحروب الظالمة عليه وأخزاها الله ونصره عليها فدخلت في الإسلام مُكرهة، وعندما رأت الفرصة مواتية لها بعد تسلط رجال قريش ووصول صبيان النار وأبناء الشجرة الملعونة (بني أمية) إلى السلطة خرجت من الدِّين واقعاً والتزمت فيه سياسة لأنه يُحقق لها حكمها واستمرار مصالحها.

وكل هذا التحوُّلات عاشها الإمام الحسين السبط (ع) لحظة بلحظة، ورآها كلها بأم العين وهو ابن رسول الله (ص) وسبطه فيها، والمؤتمن على دين الأمة وسلامتها، لأنه الإمام المنصَّب من رسول الله (ص) والمعيَّن من الله تعالى، بحيث عاش مع جده رسول الله (ص) فترة البناء والنشاط الحضاري بأعلى وأبهى صوره الممكنة فكان كالنجم في عصر جده المصطفى (ص)، الذي كان لا يُطيق أن يسمعه يبكي في مهده، فيقول لأسماء: (إن بكاء الحسين يؤذيني)، ولكنَّه ما أن انتقل جدَّه إلى الرفيق الأعلى وَجَدَ الأعراب بقيادة رجال قريش على باب دارهم الذي كان يقف عليها رسول الله (ص) وجبرائيل، ليستأذنوا في الدخول إليها، ولكن معهم الحطب الجذل يُريدون حرقها عليهم، وعندما خرجت أمه فاطمة الزهراء تمنعهم فعلوا بها ما لا يوصف، ولا يُطاق أن يُسمع، ولكن لماذا يا قريش فعلتِ فِعلتك المنكرة هذه؟

لأجل السلطة فسلَّمهم والده عظيم الإسلام وبانيه بسيفه ذي الفقار، وجهاده لهم طيلة ربع قرن من الزمن، فأقصوه عن مكان هو له حقاً ولا يليق بغيره صدقاً، لأن كل مَنْ تسنَّم كرسي الخلافة والسلطة شرفته إلا أمير المؤمنين علي (ع) عندما قبل منهم الخلافة شرَّفها، ورفع خسيستها التي أسقطتها فيه رجال السلطة القرشية، فجاؤوا إليه بعد الفتنة وتدخلوا عليه وترجوه لقبولها ومازالوا به حتى قبلها ولكن بشروطه لا بشروطهم، وبحكم الله وكتابه وعدله لا بسيرتهم الباطلة وسياستهم الجائرة وأفكارهم البائرة، كما ورد في تاريخ الطبري عن محمّد وطلحة: غشي الناس عليّاً، فقالوا: نبايعك؛ فقد ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتُلينا به من ذوي القربى! فقال عليّ: دعوني، والتمسوا غيري؛ فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول.

فقالوا: نُنشدك اللَّه، ألا ترى ما نرى! ألا ترى الإسلام! ألا ترى الفتنة! ألا تخاف اللَّه!

فقال: قد أجبتُكم لما أرى، واعلموا إن أجبتُكم ركبتُ بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم، إلّا أنّي أسمَعُكم وأطوَعُكم لمن ولّيتُموه أمرَكم) (تاريخ الطبري: 4/434، الكامل في التاريخ: 2/304، نهاية الأرب: 20/13؛ الجمل: 129)

وفي رواية أخرى: (دَعُوني والتمسوا غيري؛ فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول؛ وإنّ الآفاق قد أغامت، والمحجّة قد تنكّرت، واعلموا أنّي إن أجبتُكم ركبتُ بكم ما أعلم، ولم اُصغِ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوَعكم لمن ولّيتموه أمرَكم، وأنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً) (نهج البلاغة: الخطبة 92، المناقب لابن شهرآشوب: 2/110)

ولكن ما أن تمَّت البيعة حتى جاءه رجال قريش يُريدون أن يُوليهم الولايات، فرفض ذلك، فنكثوا بيعته وأخذوا حبيسة رسول الله (ص) من بيتها، وطافوا بها بين العساكر، والقبائل في البصرة بعد أن اركبوها على الجمل الأدبب، ونبحتها كلاب الحوأب التي نهاها رسول الله (ص) عن وجهتها تلك بالنص المعروف التي هي ترويه، ولكن عبد الله بن الزبير جاء بخمسين رجل شهدوا بالزور وحلفوا كذباً وزوراً ودجلاً فصدقتهم وكذَّبت نفسها.

ثم قسط بقية رجال القريش من الأحزاب ونبذة الكتاب فحاربوا إمامهم (ع) في صفين، وبعده في النهروان حيث الخوارج، الذين لم ينتهوا إلا بشهادة الإمام علي (ع) غيلة في محراب عبادته في مسجد الكوفة المعظَّم، وفي كل ذلك كان الإمام الحسين (ع) قائداً من قادة الجيش في كل تلك الحروب، وعندما صالح الإمام الحسن السبط معاوية بن هند على أن تكون الخلافة للإمام الحسن (ع) من بعده لأخيه الإمام الحسين (ع)، وهذا مثبت في نصِّ وثيقة الصلح المعروفة.

مؤتمر (إقامة الحُجة) في مكة المكرمة

يروي لنا التاريخ موقفاً للإمام الحسين (ع) هو فريد من تلك السيرة العطرة لهذا الإمام العظيم الذي صادرت السلطة الأموية كل شيء يتعلق به وبأهل بيته الأطهار (ع)، وحتى تاريخهم حذفوه من التاريخ، وسيرتهم شطبوها من السيرة، ولكن رحمة الله التي شملت هذه الأمة أن حفظ الشيعة الكرام، وبعض المؤرخين نتفاً من سيرتهم، وبعضاً من كلماتهم، وقليلاً من خطبهم، لأجل أن تنير لنا ظلمات التاريخ، وتعطينا الحق، وتُرشدنا إليهم (ع) لأنهم خلاصة الدنيا وسادتها.

فيُروى أنه "لما كان قبل موت معاوية بسنة حجَّ (الإمام) الحسين بن علي (صلوات الله عليه) وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، فجمع الحسين (عليه السلام) بني هاشم رجالهم، ونساءهم، ومواليهم، ومَنْ حجَّ منهم، ومن الأنصار ممَنْ يعرفه الحسين وأهل بيته، ثم أرسل رسلاً لا تَدَعُوا أحداً ممَّنْ حجَّ العام من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعروفين بالصَّلاح والنسك، إلا أجمعوهم لي؛ فاجتمع إليه بمِنى أكثر من سبعمائة رجل، وهم في سرادقه عامتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد فإن هذا الطاغية (معاوية) قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم، وعلمتم، وشهدتم، وإني أريد أن أسألكم عن شيء فإن صدقتُ فصدِّقوني وإن كذبتُ فكذِّبوني وأسألكم بحق الله عليكم وحق رسوله (صلى الله عليه وآله)، وقرابتي من نبيكم (عليه وآله السلام) لما سترتم مقامي هذا ووصفتم مقالتي ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم مَنْ أَمِنتم من الناس).

وفي رواية أخرى بعد قوله: فكذبوني: اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمن آمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا، فإني أتخوَّف أن يدرس هذا الأمر (الدِّين) ويذهب الحق ويُغلب (والله متم نوره ولو كره الكافرون).

ومن ثم تقول الرواية: "ما ترك شيئاً مما أنزل الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسَّره، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبيه، وأخيه، وأمه، وفي نفسه، وأهل بيته، إلا رواه وكل ذلك يقول أصحابه: اللهم نعم وقد سمعناه وشهدناه؛ ويقول: التابع اللهم قد حدَّثني به مَنْ أُصدِّقه وأئتمنه من الصحابة.. فقال: (أنشدكم الله إلا حدثتم به مَنْ تثقون به وبدينه).

قال سُليم بن قيس: فكان فيما ناشدهم الحسين (عليه السلام) وذكَّرهم أن قال: أنشدكم الله أتعلمون أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان أخا رسول الله؟ حين آخا بين أصحابه فآخا بينه وبين نفسه وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ثم ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لأبي ثم سدَّ كل باب شارع إلى المسجد غير بابه فتكلم في ذلك مَنْ تكلم فقال: ما أنا سددتُ أبوابكم وفتحت بابه ولكن الله أمرني بسدِّ [أبوابكم] وفتح بابه؛ ثم نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره وكان يُجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه أولاد؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أ فتعلمون أن عمر بن الخطاب حرص على كوَّة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد فأبى عليه ثم خطب فقال: إن الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصبه يوم غدير خمٍّ فنادى له بالولاية وقال: ليبلغ الشاهد الغائب؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت ولي كل مؤمن بعدي؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأتِ إلا به وبصاحبته وابنيه؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله أتعلمون أنه دفع إليه اللواء يوم خيبر ثم قال لأدفعها إلى رجلٍ يُحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله كرار غير فرار يفتحها الله على يديه؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعثه ببراءة وقال: لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل منِّي؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ينزل به شديدة قط إلا قدَّمه لها ثقة به وأنه لم يدعه باسمه قط إلا يقول يا أخي وادعوا إلى أخي؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال: يا علي أنت مني وأنا منك وأنت ولي كل مؤمن بعدي؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أنه كانت له من رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل يوم خلوة وكل ليلة دخلة إذا سأله أعطاه وإذا سكت ابتدأه؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضَّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة: زوجتك خير أهل بيتي أقدمهم سلماً وأعظمهم حلماً وأكبرهم علماً؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا سيِّد ولد آدم وأخي علي سيِّد العرب وفاطمة سيِّدة نساء أهل الجنة والحسن والحسين إبناي سيدا شباب أهل الجنة؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بغسله وأخبره أن جبرئيل (عليه السلام) يعينه؟ قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في آخر خطبة خطبها: إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا؟ قالوا: اللهم نعم.

فلم يدع شيئاً أنزله الله في علي بن أبي طالب (عليه السلام) خاصَّة وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) إلا ناشدهم فيه فيقول الصحابة: اللهم نعم قد سمعنا. ويقول التابع: اللهم نعم قد حدثنيه من أثق به فلان وفلان ثم قد ناشدهم أنهم قد سمعوه يقول: مَنْ زعم أنه يحبني ويبغض عليا فقد كذب ليس يحبني ويبغض علياً، فقال له قائل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: لأنه مني وأنا منه مَنْ أحبَّه فقد أحبَّني ومَنْ أبغضه فقد أبغضني ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله؟ فقالوا: اللهم نعم قد سمعنا وتفرقوا على ذلك. (بحار الأنوار: ج 33 ص185)

نعم؛ لقد كان هذا المؤتمر هو أوّل مؤتمر سياسي عرفه المسلمون في ذلك العصر فقد بيَّن فيه الإمام الحسين (ع) سياسة معاوية الهادفة إلى ضرب الإسلام بحجب المسلمين عن أهل البيت (ع)، وهم أئمتهم وسادتهم، وقادتهم، ومودتهم أجر الرسالة، ومحبَّتهم واجبة عليهم، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): (لكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت)، فسياسة معاوية كانت تهدف إلى ضرب هذا الأساس السامي، وكسر هذا الفرع النامي، حيث أراد ستر فضائلهم عن الأمة، فدعا الإمام الحسين (ع) الحضور في ذلك المؤتمر إلى إشاعة مآثرهم وإذاعة مناقبهم وما ورد في حقّهم من النبيّ (صلى الله عليه واله) ليعرف المسلمون النوايا الشريرة التي يبّيتها ويُخفيها معاوية بسياسته ضدّ أهل البيت الذين هم بمثابة الروح في جسم الأمة الإسلامية.

قام بذلك الإمام الحسين (ع) وهو حُجَّة الله على خلقه، وإمام الأمة الإسلامية، وخامس أصحاب الكساء، وخُلاصة الأصفياء، ووالد الأولياء من بعده، ليُقيم الحجة ليس على الحضور فقط بل على الأمة الإسلامية كلها وأجيالها المتعاقبة لكيلا يأتي مَنْ يقول: "أن الإمام الحسين لم يُبيِّن حقه للناس، ولم يُعلن موقفه الواضح قبل ثورته بل فاجأ الأمة بنهضة لم تكن محسوبة".

فهذا المؤتمر الكبير جداً في جوار بيت الله الحرام، وفي أيام الحج، الذي حضره أكثر من مئتين من الصحابة، وخمسمائة من غيرهم لا سيما وفيهم أعيان بني هاشم الأكارم وكبارهم وعلماءهم، ولا شك ولا ريب أن بقيَّة الحجاج سمعوا بهذا المؤتمر وأقوال الإمام الحسين (ع) فيه، ثم بتحميل الجميع مسؤولية التبليغ لأقوامهم وأهلهم ومَنْ يثقون به وبدينه ليكونوا على أهبة الاستعداد عندما يطلبهم الإمام لأداء واجبهم تجاه دينهم المعرَّض للخطر، وإمامهم المعرَّض للقتل.

المحطَّة الثانية في مكة المكرمة

لماذا كانت مكة المكرمة المحطَّة الثانية لرحلة الإمام الحسين (ع) قبل معراجه الملكوتي؟

هنا فلسفة عميقة جداً نُلفتُ إليها في هذه الكلمات: الإمام الحسين (ع) ولي الله وحجته، انطلق بنهضته الربانية فمن الطبيعي أن يخرج من بيته إلى حضرة جدِّه رسول الله (ص)، ثم ينطلق من بيت رسول الله إلى بيت الله الحرام، ثم ليقصد أرض المعراج في كربلاء، كجدِّه عندما كان معراجه من بيته، إلى بيت المقدس، ثم إلى الملكوت، مع فارق واحد بين المعراجين، فمعراج الرسول الأكرم (ص) للشهود والرُّجوع، وأما الإمام المعظم فللشهادة والدموع.

ولكن العجيب الغريب من تاريخ هذه الأمة أنه لا يُرى أثراً يُذكر للإمام الحسين (ع) في مكة المكرمة وقد مكث فيها لأكثر من مئة وعشرين يوماً، حيثُ يؤرخ الإمام الراحل السيد الشيرازي (رحمة الله عليه) فيقول: " دخل الإمام الحسين (ع) مكة المكرمة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان، وقد استغرق طريقه نحواً من خمسة أيام، لأنه خرج من المدينة لليلتين بقيتا من رجب على بعض الروايات. (إعلام الورى: ج1 ص435)

فأقام (ع) بمكة باقي شعبان وشهر رمضان وشوالاً وذا القعدة وثماني ليال من ذي الحجة" (مقتل الحسين (ع)، لأبي مخنف الأزدي: ص61)

وأقبل أهل مكة ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق يختلفون إلى الإمام الحسين(ع). (من حياة الإمام الحسين (ع) السيد محمد الشيرازي: ص83)

ولكن لم ينقلوا عنه إلا خطبة واحدة كانت له قُبيل مغادرته مكة المكرمة إلى أرض المعراج في كربلاء المقدسة به، وهي الخطبة التي يُخبر فيها بقتله وشوقه للشهادة حيث يقول: (الحمد لله ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم، خُطَّ الموتُ على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها ذئاب (عُسلان) الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا، وأجربةً سغبا، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لُحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقرُّ بهم عينُه وينجز بهم وعده، مَنْ كان باذلاً فينا مهجته وموطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله) (بحار الأنوار: ج 44 ص366)

فهل يُعقل –يا أمة الإسلام وعقلاء الدنيا– أن الإمام الحسين بعظمته وجلالة قدره يُعلن رفضه لبيعة يزيد الشر في المدينة، ثم يسافر إلى مكة ويُقيم فيها كل هذه الفترة ولا يلتقي بأحد، ولا يخطب ولا خطبة إلا قبل أن يُغادر مكة في يوم التروية، هل تجدون ذلك منطقي، أم أن سلطات بني أمية وكتابهم ورواتهم من الدجالين والمنافقين أخفوا تلك السيرة العطرة المفعمة بالشموخ والعزة والكرامة للإمام الحسين (ع)، الذي قام رافضاً إعطاء الشرعية لبني أمية اللعناء والطلقاء.

ولكن لماذا خرج الإمام الحسين (ع) من مكة المكرمة؟

هذا ما نأخذه بروايات رواها الإمام الراحل في كتابه: "روي أن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص (الأموي)، في عسكر عظيم وولاه أمر الموسم وأمّره على الحاج كلهم، وكان قد أوصاه بالقبض على الإمام الحسين (ع) سراً، وإن لم يتمكن منه بقتله غيلة، ثم إنه دسَّ مع الحاجِّ في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية، وأمرهم بقتل الحسين (ع) على أي حال اتفق، فجعلوا سيوفهم تحت إحرامهم حتى يقتلوا الإمام الحسين (ع) وإن كان معلقاً بأستار الكعبة.

فلما علم الحسين (ع) بذلك، حلّ من إحرام الحج، وجعلها عمرة مفردة، وخرج من مكة يوم التروية أو قبله بيوم! فعن أبي سعيد قال: سمعتُ الحسين بن علي (ع) وخلا به عبد الله بن الزبير وناجاه طويلاً، قال: ثم أقبل الحسين (ع) بوجهه إليهم وقال: (إن هذا يقول لي: كن حماماً من حمام الحرم، ولأن اُقتل وبيني وبين الحرم باع أحب إليّ من أن اُقتل وبيني وبينه شبر، ولأن اُقتل بالطف أحب إليّ من أن اُقتل بالحرم) (كامل الزيارات: ص151)

وعن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: قال عبد الله بن الزبير للحسين بن علي (ع): ولو جئت إلى مكة فكنتَ بالحرم، فقال الحسين (ع): (لا نستحلها ولا تستحل بنا، ولأن اُقتل على تل أعفر (قرية في سنجار معروفة) أحب إليّ من أن اُقتل بها) (كامل الزيارات: ص151)

لهذا خرج الإمام الحسين (ع) من مكة المكرمة لتبقى مكرَّمة، ومحفوظة، ومصانةً ولا تُنتهك حُرمتها بأهلها وبانيها ومطهريها ومُقدسيها من الشجرة النبوية المباركة الطيبة، لعلمه (ع) أن صبيان النار من أبناء الشجرة الملعونة في القرآن (بني أمية) لا يقيمون وزناً واحتراماً لشيء إلا للكرسي والسلطة وكل شيء مباح عندهم ففي سبيل ذلك، وهذا ما فعله يزيد الشر بعبد الله بن الزبير نفسه بعد أن قتل الإمام الحسين (ع) في كربلاء، واستباح المدينة المنورة بعدها في وقعة الحرَّة المشؤومة، حاصر عبد الله بن الزبير في البيت الحرام وقصفه بالمنجنيق فأحرقه وهدَّمه.

فالإمام الحسين (ع) الذي يعلم حقيقة وواقعية قداسة هذا البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً ولكن السلطات الأموية اليزيدية لا أمن ولا أمان لأحد ما لم يخضع لسلطانهم ويخشع لحاكمهم الشيطان يزيد الشر، ولهذا خرج الإمام الحسين (ع) بعد أن اعلنا مدوِّية ثورة على الظالم، ونهضة ربانية بوجه الطغاة عبر العصور والدهور..

تلك كانت رسالة الإمام الحسين (ع) للأمة والتاريخ: قداسة بيت الله لا ينتهكه إلا عدو الله.

اضف تعليق