ماذا يعني لقاء رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بسفيري اهم دولتين فاعلتين في الساحة العراقية؟ او أكثر دولتين متصارعتين في بلاد الرافدين، فلم تمر ثلاثة أيام من عمر حكومة الكاظمي حتى التقى بالسفير الأمريكي ماثيو تولر ثم السفير الإيراني ايرج مسجدي، وبنفس اليوم ونفس الغرفة ونفس الديكور وعلى ما يبدو انه التقى بهما تباعا بدون فاصل للاستراحة.

من هنا يمكن تفسير عمل الحكومات العراقية المتعاقبة، فاذا كانت الحكومات في الدول ذات السيادة تتوجه أولا للشعب من اجل حل مشكلاته، تتجه الحكومات العراقية الى الراعي الإقليمي والدولي من اجل إعطاء الضمانات لتلك الدول بان مصالحها مضمونة، فيما يتاخر الشعب على طابور الانتظار الى ان يحل زمن الانتخابات فتعود الحكومة لطرق أبواب المواطنين وتوزيع كلمات المديح لهم وتصفهم بأنهم مصدر السلطات.

خلال لقائه بالكاظمي أكد السفير الأمريكي على مصالح بلاده الأساسية متمثلة بالتحضير لما يسمى بالحوار الاستراتيجي، والذي يعزز نفوذ بلاده في العراق بشكل قانوني ويجعل اية محاولة لتقليص هذا النفوذ تواجه عقبات قانونية كبيرة.

اما السفير الإيراني فجاء محملا بمصالح بلاده متمثلة باستمرار العمل في اتفاقية الجزائر 1975 والتعاون المصرفي وخط سكة حديد خرمشهر – بصرة.

هذه الدول تبحث عن مصالحها وهو جزئ من حقها الطبيعي لكن اذا كان من حق الدول الخارجية البحث عن مصالحها فان الحق الأولى يكون للشعب ومن ثم يتم بحث مصالح الدول الأخرى بشرط ان تخدم مصالح الشعب الذي يفترض ان يكون هو المعيار للعمل الحكومي وقياس مدى نجاحه وليس ان يكون قياس مدى النجاح في قدرة رئيس الوزراء في التوفيق بين الجانبين الإيراني والامريكي، هل هو موظف لديهم وينفذ اوامرهم ام انه موظف لدى الشعب.

نحن اذ نتهم رئيساً ونمدح غيره او نتهمهم جميعا فالواقع ان رئيس الحكومة لا يتمتع بصلاحيات كبيرة، ليس الصلاحيات الدستورية فقط، فهذه لا علاقة لها بالشأن السياسي لان الدستور عبارة عن وثيقة لاحتجاج المعارضين، كما ان التوافق وسيلة الدفاع الأولى لمن يخالف الدستور، الصلاحيات تاتي من التوافق الأمريكي الإيراني، فاذا اتفقت واشنطن وطهران على مسار معين فما على رئيس الوزراء العراقي الا السير عليه مثل القطار الذي لا ينحرف عن سكته.

لنتذكر حجم التصريحات التي تلت تنصيب عادل عبد المهدي والتي تتحدث عن الانتصار الإيراني والهزيمة الامريكية، سمعنا ان طهران حققت نتيجة ثلاثة الى صفر ضد واشنطن، ماذا يعني هذا؟ يعني ان الرئيس لا يختاره صاحب القرار العراقي، بل يتم اختيار من قبل الجهات الخارجية، ونفس الحال تكرر بعد اختيار الكاظمي اذ تحدثت التقارير عن هزيمة إيرانية وانتصار امريكي، ما الذي تغير بالنسبة للمواطن العراقي؟ بل هل هناك أهمية للمواطن العراقي؟

العراق بالنسبة للطرفين الأمريكي والإيراني هو ساحة الصراع، وحينما تلتقي الجيوش في ساحة حرب لا يهمهما سوى تحقيق الانتصار بأي طريقة كانت، فعندما التقت الجيوش الاوربية خلال الحرب العالمية الثانية سحقت شعوبها وقتلت اكثر من خمسين مليون انسان، وعندما رأت أمريكا صعوبة تحقيق الانتصار على اليابان القت عليها قنبلة نووية أولى وثانية، هذه هي قواعد الصراعات الدولية، وما يجري في العراق لا يختلف كثيرا مع اختلاف طفيف يمكن فيه تشبيه الوضع العراقي بما يشبه الحرب الباردة التي حدثت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اذ كانت الصراعات بين الطرفين تجري في دول ضعيفة مثل كوريا التي تقسمت نتيجة صراع الحرب الباردة وفيتنام وكوبا ودول أمريكا اللاتينية والدول العربية.

في الصراعات الشبيهة بصراعات الحرب الباردة لا يهتم المتصارعون الكبار بحجم المعاناة التي تعاني منها الشعوب، فهذا ليس هدفهم، ربما تستخدم الشعوب كوسيلة لتحقيق اهداف استراتيجية والانتصار على الخصوم، كأن يتم تحشيد الرأي العام عبر وسائل الاعلام ضد النظام السياسي الحاكم، او ضد المعارضة التي تهدد النظام عبر تشويه صورتها ودفعم الناس للتظاهر للمطالبة بالحقوق المسلوبة، واذا ما خرجت التظاهرات يتم تصويرها على انها تظاهرات شعبية خالصة، وبالفعل المواطنون يطالبون بحقوقهم المسلوبة نتيجة الصراع لكن الفرق ان وسائل الاعلام الأقوى تستطيع تحشيد الناس ضد جهة سياسية معينة وتغفل عن الأخرى.

تستطيع وسائل الاعلام تحشد الناس وإظهار ان من تسبب بكل الأخطاء هو حزب واحد او دولة خارجية واحدة او زعيم سياسي واحد، وتعلق وسائل الاعلام الامال الشعبية على القضاء على العدو الأول لطموح الشعب، واذا ما تم القضاء عليه يتحول البلد الى جنة عدن، كما حدث في العراق عام 2003 اذ صورت الولايات المتحدة العراق بالدولة المتوحشة وصنفتها ضمن محور الشر، وان القضاء على حزب البعث سيحولها الى واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، لكن ما حدث هو ان الحرب لم يتم شنها الا من اجل مشاريع تعزيز القوة الامريكية في المنطقة واستغلال مسألة الحرب على الإرهاب.

لا يمكن الافراط في التفاؤل بشأن حكومة الكاظمي كما لا يمكن الافراط في التشاؤم، كل ما يجري هو تبادل للادوار بين مصالح الدول الكبرى والإقليمية، والشعب العراقي يممثل الهدف الأخير بالنسبة لهذه الدول، الشعب هنا مجرد شماعة يم تعليق المشكلات عليها او اسقاط الحكومات بها، وتبقى مشاكله عالقة سواء كانت الحكومة مقربة من إيران او مقربة من الولايات المتحدة الامريكية.

اضف تعليق


التعليقات

مصطفى غازي الدعمي
العراق
أحسنت دكتور كونك قرأت بمهنية عالية الواقع السياسي في البلد وقلت كلمة واضحة صريحة في ما نعيشه من صراع إقليمي ودولي في بلدنا العزيز راح ضحيته شعب مسكين2020-05-12