يمكن للمرء ان يجيب عن هذا السؤال الذي جعلته عنوانا لمقالي بصورة سريعة بالقول: كلاهما، ويمكن ان يقول ثان: السعادة اولا، او ان يقول ثالث: العدالة أولا، وكل واحد من هذه الاجابات صحيح من وجه، وهي تؤدي في النتيجة الى القول بضرورة الامرين...

يمكن للمرء ان يجيب عن هذا السؤال الذي جعلته عنوانا لمقالي بصورة سريعة بالقول: كلاهما، ويمكن ان يقول ثان: السعادة اولا، او ان يقول ثالث: العدالة أولا، وكل واحد من هذه الاجابات صحيح من وجه، وهي تؤدي في النتيجة الى القول بضرورة الامرين.

في البدء، يوم كان المجتمع البشري بدائيا وغير منتج ولا معنى للملكية الفردية، كان هم الانسان الاول هو السعادة. وهذا قد يعني ان السعي وراء السعادة هو نزوع فطري. فالانسان منذ "هبط" على الارض او "ظهر" فيها، وجد نفسه في بيئة غير صالحة للعيش، فبدأ منذ تلك اللحظات الغابرة تاريخيا بتحسين بيئته في خطوات لم تكن منظورة في البداية، لكنها وصلت الى درجة التحكم بالبيئة في نهاية المطاف تحقيقا لسعادته. فالسعادة كانت عبارة عن شعور غريزي يدفع الانسان الى تحسين اوضاعه الحياتية، ومقياسه هو الرضا بهذه الاوضاع. وكان من الصعب تحقيق رضا الانسان بما وصل اليه فاستمر بتحسين ظروف حياته. وهذا هو منشأ الحضارات.

اكتشاف الزراعة

وحين استقر الانسان مع اكتشاف المرأة للزراعة كما يقال، واخذت علاقات الانسان باخيه الانسان، وعلاقة الانسان بالطبيعة، تتعقد وتتوسع، ظهر احتمال الظلم في هذه العلاقات، في علاقات الانتاج وفي علاقات التبادل وغيرها. وخوفا من الظلم او الجور، ظهر مفهوم العدالة، الذي لا يبعد ان انبياء تلك المرحلة القديمة هم الذين ذكروه كضرورة اجتماعية دفعا للظلم الذي قد يقع من الانسان على اخيه الانسان. ومنذ ذلك الحين اصبح مفهوما السعادة والعدالة يسيران جنبا الى جنب، حيث لا معنى لاحدهما بدون الاخر. واليوم اصبحت المجتمعات تقر بحق الانسان بالسعي لتحقيق سعادته، وبحقه في ان تكون الاوضاع عادلة بالنسبة له.

ترتبط العدالة بالقانون. لان القانون هو الذي يمنع من الظلم. والعدالة تعني تطبيق القانون على الجميع بدون تحيز او تفضيل، كما تعني تطبيق القانون على المسيء. والمسيء الذي يكون موضوعا للعقوبة القانونية ليس مظلوما، لان مقتضى العدالة ان لا يسيء الى اخيه الانسان او الطبيعة، فاذا اساء اليهما فان من العدل ردعه بالعقوبة المناسبة.

حضارة حديثة

الدولة الحضارية الحديثة تتبنى مبدأي وفرة في الانتاج و عدالة في التوزيع، حيث يحقق الاول السعادة، فيما يحقق الثاني العدالة. والتوزيع يقوم على مبدأين هما: العمل والحاجة. فمن كان عمله كافيا لان ينال حصته من الثروة العامة فبها، وان لم يكن عمله كافيا بسبب خارج عن ارادته، كان من واجب المجتمع ان يسد الفرق، وهذا هو معنى التكافل الاجتماعي، ويتم ذلك عن طريق الضرائب التي يفرضها المجتمع على الاكثر دخلا، لاعادة توزيعها على الاقل دخلا، بالقياس الى حاجته. والانسان المتحضر لا يتذمر من هذه الضرائب، ويدفعا بطيب خاطر. وهذا هو الذي تشير اليه الاية القرانية الكريمة: "وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ".

تحقيق انتاج

وحين يعجز المجتمع عن تحقيق وفرة الانتاج او عدالة التوزيع او كلاهما، فهذا يعني وقوع خلل في علاقة الانسان بالطبيعة، وعلاقة الانسان باخيه الانسان. وهذا احد مفردات التخلف الذي يعني تأخر المجتمع عن اللحوق باهداف القيم العليا الحافة بعناصر المركب الحضاري وهي الانسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل. وهذا يستدعي ان يخوض المجتمع معركة ضد التخلف، معركة لاصلاح الخلل في علاقة الانسان بالطبيعة لتنمية الانتاج، واصلاح الخلل في علاقة الانـــسان باخيه الانسان لتحقيق العدالة بالتوزيع.

وظيفة الدولة مراقبة حركة المركب الحضاري في المجتمع، والمبادرة الى اصلاح كل خلل يحصل فيه لضمان ديمومة السعادة والعدالة في المجتمع. وهذا ما تقوم به الدولة الحضارية الحديثة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق