الوظيفة الأساسية للمراسل الصحفي (سواء عمل في صحيفة، موقع الكتروني، إذاعة، او تلفزيون) هي نقل الحقائق المتعلقة بالاحداث الجارية، وتصريحات المسؤولين وأصحاب الاختصاص (أي اختصاص، سياسي، اقتصادي، فني، رياضي..الخ بحسب طبيعة الموضوع)، فالصحفي ليس من مهمته التعبير عن ارائه في الاخبار والتقارير التي ينشرها الا في اطار محدود من اجل تفسير بعض المناطق المعتمة في تقريره، او في سياق إضفاء طابع التشويق.

لماذا لا يحق للصحفي التعبير عن رأيه في الخبر او التقرير؟ لانه يتناول موضوعات عدة بحسب ما يجري على ارض الواقع، ولا يمكنه ان يكون صاحب ثقافة موسوعية في كل مجال يقوم بتغطيته، فاذا كانت مهمته في الامس تغطية دخول قوات الاحتلال الامريكية للعراق، فهو ليس مختصا بالعلاقات الدولية، ولا هو شخصا متعمقا في شؤون العسكر.

لذلك يحتاج الى اشخاص لهم دراية في هذا المجال يفيدون التقرير بالتفسير والتوضيح لما يقوم الصحافي بتغطيته، واذا تطورت الاحداث السياسية وكلف بتغطية الحرب على داعش، فالصحافي ليس مختصا بشؤون الجماعات المتشددة، ولا هو خبير بشؤون حرب العصابات، لذلك يحتاج الى اخذ تصريحات من أصحاب الاختصاص بهذا المجال من اجل تفسير ما يجري على ارض الواقع، اما الان ونحن ندخل الحرب ضد فيروس كورونا فلا يمكن للطبيب غير المختص بعلم الفيروسات ان يدلي بتصريح في هذا الشأن فكيف بالمراسل الصحفي الذي لا يملك الا معلومات بسيطة اكتسبها من المصادر المعلوماتية المفتوحة، ما يعني ضرورة لجوئه الى اهل الاختصاص بعلم الفيروسات من اجل إعطاء معلومات توضح التقرير الذي هو بصدد اعداده عن انتشار فيروس كورونا على سبيل المثال.

النماذج أعلاه هي التي توضح فلسفة امتناع او ضرورة منع الصحفي من ابداء رأيه في التقرير او الخبر الذي ينقله للجمهور، والخطوة التالية تتمثل بالتحقق من مصداقية مصادره التي تتحدث له، وهل هم فعلا من أصحاب الاختصاص؟ وهل هم الاجدر بالتصريح وإعطاء معلومات وافية عن الموضوع قيد البحث ام لا؟ ما يعني ان عملية اخذ التصريحات ليست عملية اعتباطية عبر حشر كلام لمجموعة من الشخصيات لنقول ان هذا تقريرا صحفيا، وربما نرقيه الى مستوى التحقيق.

ماذا عن مواقع التواصل الاجتماعي؟

هل يمكن الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي لاعداد تقارير صحافية تنشر عبر وسائل الاعلام؟ يمكن ولا يمكن، ولتوضيح الفكرة، هناك تقارير تتحدث عن الحقائق التي لا يمكن لنشطاء التواصل الحديث عنها، لانها من وظيفة اهل الاختصاص، وهناك تقارير تتعلق باستقصاء اراء الجمهور، وهي اشبه باستطلاع صغير للرأي العام، هنا يمكن اللجوء الى اراء الجمهور، بمعنى حسب طبيعة المادة الاعلامية، فاذا كانت المادة عن نشاط مواقع التواصل فيمكن ذلك، مثل برامج "الترند" التي تتابع ما يكتبه نشطاء التواصل الاجتماعي.

وغير ممكن، اذا كانت وسائل الاعلام تعد تقريرا يتعلق بموضوع سياسي معين، وتاخذ تغريدات ومنشورات النشطاء لتفسير واقع سياسي معين، اي انها لا تأخذ الاراء تلك كاراء تخص من يقولها، بل تاخذها كحقائق دامغة من اجل فرض واقع سياسي او اجتماعي معين، بل يصل الامر الى تفسير التحركات السياسية بمقولات من مواقع التواصل لاشخاص لا علاقة لهم بالموضوع، وكل ما قاموا به هو التعليق على ذلك الواقع وليس القطع به، لان ذلك من وظيفة الاشخاص المعنيين.

لنوضح الفكرة، فاذا أراد صحافي يعمل في قناة فضائية معينة اعداد تقرير يبحث عن ملفات فساد في احدى مؤسسات الدولة، فيعتمد معد التقرير على مقولات وردت في منشورات الفيس بوك والتي تقول بان مدير المؤسسة سرق كذا مليون دينار بعقود وهمية، هذا خطأ وغير ممكن، لاننا هنا نتحدث عن وقائع فعلية وليست اراء، ولا تخمينات، يفترض ان يلجا معد التقرير الى اصحاب الاختصاص، اما المؤسسات الرقابية والقضائية، او سجلات التحقيقات لدى الدولة، او تقارير المنظمات المستقلة، او بعض الموظفين في نفس المؤسسة التي يعمل يديرها المدير، وربما في بعض الاحيان يمكن الاعتماد على معلومات من المتابعين لنشاط المؤسسة مثل الخبراء.

اما ان يتم اقحام اراء النشطاء على انها حقائق فذلك غير صحيح، ليس لاننا ضد فسح المجال امامهم، بل لان الموضوع لا يتعلق بالاراء، انما بالحقائق، ولا يمكن اثباتها باراء غير دقيقة الا اذا كان معد التقرير يتعمد التحيز ويريد فرض واقع مزور، وما نراه في تقارير وسائل الاعلام التي تعتمد على مواقع التواصل تتعمد الخلط بين الرأي والحقيقة، وتتكاسل عن اعداد تقارير ميدانية فتجد في مواقع التواصل الاجتماعي ما يملأ الفراغات في ساعات البث او أبواب النشر في المواقع الالكترونية.

اضف تعليق