مع دخول عام 2020 يبدو ان العراق سيستمر بمفاجئة الجميع بمجرياته احداثه، لذا تبرز تساؤلات ملحة عديدة حول ما يحمله العام الجديد له من توقعات، لاسيما ان محيطه الإقليمي يغلي على صفيح ساخن، مدعوما بتقاطع مصالح وسياسات واضح بين القوى الكبرى الرئيسة المؤثرة في الشرق الأوسط...

نهاية عام 2019 لا تمثل نهاية سعيدة لكثير من السياسيين العراقيين، بسبب حركة الاحتجاجات الشعبية في بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق والمستمرة منذ الأول من تشرين الأول-أكتوبر للسنة نفسها، والتي قادت الى استقالة حكومة السيد عادل عبد المهدي، وارباك حسابات القوى السياسية المشاركة في السلطة، فضلا عن حسابات المصالح الإقليمية والدولية، ودفعت الاحداث المتسارعة المحللين والمؤسسات البحثية الى إعادة النظر بتنبؤاتها بشأن هذا البلد.

ومع دخول عام 2020 يبدو ان العراق سيستمر بمفاجئة الجميع بمجرياته احداثه، لذا تبرز تساؤلات ملحة عديدة حول ما يحمله العام الجديد له من توقعات، لاسيما ان محيطه الإقليمي يغلي على صفيح ساخن، مدعوما بتقاطع مصالح وسياسات واضح بين القوى الكبرى الرئيسة المؤثرة في الشرق الأوسط.

ان استشراف واقع معقد وشائك وغير مستقر كالواقع العراقي يبدو صعبا للغاية، ولكن عند الاخذ بنظر الاعتبار تجربة سنوات ما بعد عام 2003، ومقارنتها بخارطة المصالح والتخندقات والتقاطعات الإقليمية والدولية، وما تنطوي عليه البيئة المحلية من مخاطر وتهديدات وتحديات مستمرة يمكن القول: ان العراق عام 2020 ربما سيشهد حدوث واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي:

الأول-سيناريو التقدم البطيء المحفوف بالمخاطر

يقوم هذا السيناريو على فرضية ان المشهد العراقي سيستمر على ما هو عليه الحال في السنتين الماضيتين (2018، 2019) من تردي في الخدمات الأساسية للمواطن، وتخلف البنية التحتية، وتدخل بعض الأطراف الإقليمية والدولية (طهران وواشنطن بشكل خاص) بالشأن الداخلي للتأثير على مجريات الاحداث لصالحها، واستمرار مسلسل الخروقات الأمنية، وتصارع القوى السياسية مما يقود الى انهيار تحالفات قائمة وتشكيل تحالفات جديدة، مع تصاعد حدة الخلافات بين إقليم كوردستان العراق والحكومة الاتحادية، لاسيما في ملفات عوائد النفط والمناطق المتنازع عليها، واستمرار الاحتجاجات الشعبية على سوء الأداء الحكومي، وربما توسعها لتشمل مناطق وفئات اجتماعية جديدة...

ان بقاء الملامح العامة للمشهد العراقي في هذا السيناريو لن يمنع من حدوث تقدم بطيء يبدأ مع تشكيل الحكومة المؤقتة التي ستخلف حكومة السيد عادل عبد المهدي، والتي ستكون مدفوعة بضغط الرأي العام الناقم الى تقديم تنازلات مهمة فيما يتعلق باختيار الشخصيات التي ستتولى كابينتها الوزارية، لتكون مقبولة شعبيا، واعطائها مساحة حرية أكثر لتهيئة الأجواء لانتخابات برلمانية مبكرة تنبثق عنها حكومة جديدة.

وسيترافق ذلك مع محاولات حكومية خجولة للتقدم في ملفات محاربة الفساد داخل المؤسسات الرسمية، والسيطرة على الانفلات الأمني وانتشار السلاح خارج القانون، ومعالجة البطالة، وتنويع الموارد، وتقديم الخدمات، والحد (ولو شكليا) من تأثير التدخل الخارجي في القرار العراقي، فضلا على اجراء إصلاحات محدودة في المنظومة القانونية والدستورية لن تصل الى مستوى الإصلاحات الجوهرية التي يرغبها بها المواطن، نتيجة استمرار التقاطع بين المؤسسات الدستورية من جهة، والصراعات السياسية بين قوى السلطة وحلفائها من جهة أخرى.

الثاني-سيناريو الرجوع الى الخلف

يستند هذا السيناريو الى فرضية عجز القوى العراقية الحاكمة عن الاستجابة لمتطلبات التغيير المنشود شعبيا، بسبب عدم استعدادها لتقديم تنازلات حقيقية، ولوجود تدخل قوي من أطراف خارجية (طهران وواشنطن) لتسوية الصراع المحتدم بينها على الساحة العراقية، وفقا لمباراة صفرية حادة.

وسيعني ذلك وصول جميع الاطراف الى طريق مسدود يعزز الغضب في الشارع، وربما تتطور الأمور الى عنف مسلح بين بعض القوى السياسية التي لديها تشكيلات قتالية مما يربك الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، ويسمح لخلايا داعش النائمة بمسك زمام المبادرة من جديد، في بعض المناطق، لاسيما ان مقدمات ذلك ظهرت الان في محافظتي كركوك وديالى، ومناطق الحدود العراقية-السورية.

حصول هذا المشهد سيعقد الأمور أكثر مع التراجع الشامل في ملفات الامن والتنمية والديمقراطية والسيادة، ويدفع الأوضاع في العراق الى العودة الى أجواء ما قبل عام 2014 (عام سقوط الموصل بيد تنظيم داعش الإرهابي)، مع انهيار شبه تام لمؤسسات الدولة ينتج عنه فوضى كبيرة وخيمة العواقب.

الثالث-السيناريو السوري

فرضية هذا السيناريو تقوم على اختلال قواعد اللعبة الإقليمية والدولية بين طهران وحلفائها، من جهة، وواشنطن وحلفائها، من جهة أخرى، تدفع الى استعجال مواجهتها لبعضها بشكل مباشر او من خلال حلفائها الرئيسيين داخل العراق.

هذا السيناريو سيعيد انتاج تجربة الحرب الاهلية السورية في العراق وستتعرض البلاد بسببه الى آثار مدمرة على بنيته التحتية واقتصاده وتماسكه الاجتماعي ونظام حكمه وسيادته ووحدته الجغرافية. وستكون نتائج المواجهة بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المتحاربة غامضة وغير معلومة النهايات، يرسم ملامحها المنتصر وحده على حساب المصالح العليا للعراق. وسيكون هذا السيناريو اسوء ما يمكن توقعه للعراق في عام 2020.

لا تبدو الصورة مشرقة للعراق في هذه السنة بالنسبة للسيناريوهات الثلاث اعلاه، الا ان السيناريو الأكثر ترجيحا وقربا للواقع هو السيناريو الأول، لأسباب عديدة منها:

1- ان القوى السياسية العراقية المهيمنة نفسها لا زالت تمسك بمفاتيح اللعبة، وأظهرت استعدادها لتقديم التنازلات -عند الضرورة- لتهدئة شارعها المنتفض وتلافي الكارثة. وتدرك هذه القوى، بل وحتى الشارع الشعبي الناقم، ان التصعيد غير المسيطر عليه يقود الى خسارة الجميع.

2- استحضار الذاكرة الشعبية لمآسي الوقوع تحت سيطرة الإرهاب القريبة سيمنع إعطاء فرصة المبادرة للتنظيمات الإرهابية من جديد خوفا من تكرار التجربة.

3- عدم استعداد القوى الإقليمية والدولية، لتكرار التجربة السورية عراقيا، فهي لا تريد الانزلاق نحو الفوضى الشاملة او المواجهة المفتوحة، لذا تجدها لا زالت تلعب وفق قواعد محسوبة بدقة، ولا يوجد ما يمنع بقاء هذه القواعد عام 2020 ما لم يحصل حدث جسيم غير متوقع يدعو لخرقها.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق