إسلاميات - المرجع الشيرازي

كيف يكون المسؤول مخلصاً وناجحاً؟

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(لا يصحّ للمسؤول أن يتصنّع الإخلاص)

المسؤولية درجات، دنيا، متوسطة، وعليا، وتُعرّف المسؤولية بأنّها قدرة الشخص على تحمّل نتائج أفعاله التي يقوم بها باختياره، مع علمه المسبق بنتائجها، كما تُعرّف المسؤولية بأنّها شعور أخلاقي يجعل الإنسان يتحمّل نتائج أفعاله، سواء كانت أفعالاً جيّدة، أم أفعالاً سيّئة، وفي تعريف آخر ورد في معجم المعاني الجامع بأنّ المسؤولية هي التزام الشخص بما يصدر عنه من قول، أو فعل، كما قسّم المعجم المسؤولية إلى أنواع، وهي المسؤولية القانونية، والأخلاقية، والاجتماعية، والجماعيّة، وأشدّ المسؤوليات تلك التي تتعلق بمصائر الشعوب.

وهناك فوائد يمكن أن تُجنى من تحمّل المسؤولية منها، اكتساب الاحترام الذاتي، وذلك من خلال قبول تحمّل المسؤولية تجاه الأمور التي يقوم بها الإنسان، ممّا يؤدي إلى إيجاد شعور جيّد من الإنسان تجاه نفسه، وكذلك الحصول على احترام الآخرين، والحصول على المزيد من العمل والمهام، وذلك من خلال قبول الشخص بتحمّل المسؤولية في العمل، أو في المنزل، ممّا يؤدي إلى ثقة الآخرين به. ويكتسب أيضا المهارة والقدرة على التغيير.

في حين يُعدُّ الإخلاص فضيلة من الفضائل وخلق من الأخلاق الحسنة الحميدة، والتي يعبر فيها الشخص بالقول والفعل عن آرائه ومشاعره ومعتقداته ورغباته دون رياء أو نفاق أو مواربة، ويرتبط الإخلاص بالصدق، إذ أنه يعبر عن مدى تطابق القول مع الفعل، وهذا ما يجب أن يتوافر عند المسؤول، حيث تزداد الحاجة للإخلاص كلما كانت المسؤولية أكبر وأكثر ثقلا وحساسية، وتعني مفردة الإخلاص في اللغة، التخلّص من الشوائب والأدران، والإخلاص على ترابط وثيق بالمسؤولية التي لا تكتمل إلا بدعم الإخلاص لها خلال مراحل تأديتها وإنجازها.

السؤال المهم لماذا ترتبط المسؤولية بالإخلاص، وما مدى تأثير أحدهما على الآخر؟، في الإجابة عن ذلك، لا يمكن الإتيان بنتائج جيدة للمسؤول ما لم يكن مخلصا في أدائها، حتى يُقال أن من يضع الإخلاص خلف ظهره لا يمكن له النجاح في أداء مسؤوليته، والخوف كل الخوف عندما تتحوّل أهداف المسؤول إلى حصد المكاسب المادية والمعنوية من منصبه، مثل جمع الأموال والحصول على الوجاهة والنفوذ، يحدث هذا عندما يغيب الإخلاص عن المسؤول!.

لماذا يبحث المسؤول عن الوجاهة؟

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول حول هذه النقطة: (ما يُخشى منهُ حقّاً على الإنسان المسؤول، إذا كان نظره إلى اللوازم التي تأتي نتيجة موقع المسؤولية، كالهيبة والتقدير والوجاهة أو الأموال والمكاسب المادية الأخرى، وكانت هذه الأمور هي التي تدفعه للعمل).

متى يمكن أن يخفق المسؤول في أداء دوره الصحيح ولماذا؟، وهل يمكن للإخلاص والتمسك به في أداء المسؤولية أن تصنع له مكانة متميزة لدى الجمهور؟، الشيء الذي لا يقبل الخطأ أن من يتعامل مع مسؤوليته بإخلاص سوف ينتهي إلى ما يريده الناس ويحقق لهم تلك الوعود التي ألوم بها نفسه، فضلا عن رضاه الشخصي عن نفسه وارتياح ضميره وكسبه لاحترام الجميع.

حين يحدث العكس فإن موقع المسؤولية والمنصب الكبير سوف يعود على صاحبه بمردودات عكسية لا تصبّ في صالحه، لاسيما إذا كان يجعل من المنصب في خدمة أهدافه ومآربه الشخصية وليس في خدمة الجمهور، وبعد زواله من المنصب سوف يقول له الجميع إنك لم تعمل بضمير، ولم تقم بواجبك كما يجب، بل سعيت إلى تبجيل نفسك وتنمية ثروتك وحماية مصالحك وإعلاء شأنك وسمعتك، على حساب حقوق الآخرين، باختصار أنت فشلت في مسؤوليتك لأنك لم تكن مخلصاً!.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (قد يقال للإنسان الذي هو بموقع المسؤولية، بعد تعب مرير وعناء كثير: لقد فعلت ما فعلت من أجل أمور تخصّك كالوجاهة أو الأموال والمكاسب المادية الأخرى، وقد حصلت عليها فلا شيء لك عندنا، لقد عملت للشهرة والسمعة وحسن الصيت).

ومن النتائج التي تغيب عن توقّعات الإنسان المسؤول، أنه لا يفكر بعواقب إهماله وأعماله السيئة، ويظن أنها تُمحى مع الزمان، أو أنها تُحذَف من الذاكرة بعد موته، لكن هذا التوقّع أو التفكير لا أساس له من الصحة، فذاكرة الأمم والشعوب هي ذاكرة تاريخ لا تهمل شيئا ولا تغفل الأخطاء كبيرها وصغيرها، وكلٌ يُحاسَب على مقدار أدائه للمسؤولية بإخلاص تام!، لذلك لابد أن تظهر الآثار السيئة للأعمال في يوم ما، سواءً في وجود المسؤول وحياته أو بعد رحيله، لا شيء يمكن أن يُمحى أو تزول آثاره ونتائجه، وقد تكون الآثار السيئة أكثر بقاءً من سواها.

المسؤول بين التصنّع والإخلاص

هذا ما حذّر منه سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في قوله: (قد يعمل أحدكم شيئاً سيّئاً ولا يظهر أثره السيئ إلاّ بعد مرور عشر سنين أو عشرين سنة أو أكثر أو أقل، وربما تظهر الثمرة السيّئة لبعض الأعمال عند الموت!).

وهناك بعض المسؤولين يحاول بكل الحيَل أن يبدو للآخرين بأنه مخلص في أعماله، ومؤدٍّ جيد وأمين لمهامه، أي أنّهُ يتصنَّع الإخلاص ظاهرا، وهذا من أسوأ ما يمكن أن يقوم به مسؤول، وهو يحاول أن يخدع الناس بإخلاصٍ مزيّف لأداء المسؤولية، فسرعان ما ينكشف للجميع، وتأتي النتائج أشد وقعاً عليه. لذلك يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (لا يصحّ للمسؤول أن يتصنّع الإخلاص).

ويحذّر سماحته، من أن تصنّع الإخلاص سوف يعود بالأذى على المجتمع برمّته، والسبب أن المسؤولين الآخرين قد يكونوا ممن تابع أداء المسؤول المخادع أو المزيّف أو الذي يتصنّع الإخلاص كذباً وليس حقيقة، هؤلاء المسؤولين سوف تنعكس عليهم الحالة والأداء المخادع، وقد يصبح هذا الضرب من الأداء نهجا يسير عليه الآخرون، مما يجعل منه وباءً يعاني منه الجميع!.

كما نلاحظ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (إن لعمل شخص واحد – مسؤول- متظاهراً بالإخلاص تأثيراً سيّئاً على المخلصين الحقيقيين).

المسؤول الناجح هو الذي يرفق أداءهُ بالإخلاص، وليس أمام جميع المسؤولين في الحكومة والدولة سوى التمسّك بقيمة الإخلاص التي تنقذه من الفشل، وتحميه من شطط النفس، وتحصّنه من المآرب الدنيوية السريعة، لذا على كل من يتصدى لمسؤولية ما، كبيرة أو صغيرة - مع أهمية حجم وحساسية المسؤولية- أن يبدأ فورا بإعادة حساباته، وتغيير تفكيره، والتشبّث بالإخلاص كالقارب الذي يقي المسؤول من الغرق.

هذا ما يؤكّد عليه سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في قوله: (لنبدأ من الآن في مراجعة أنفسا كل يوم، كل في مجال عمله، ولننزّهها قبل أن يصعب الأمر علينا أكثر، وقبل أن تصيبنا الغشاوة التي تكون مانعاً من نفاذ نور اليقين والعلم إلى أعماقنا).

ويطالب سماحته جميع المسؤولين بانتهاز الفرصة اليوم قبل غد، مع أهمية الاستفادة من دروس الآخرين وتجاربهم في أداء المسؤولية لضمان النجاح.

فيقول سماحتهُ: (لنعتبر قبل فوات الأوان، وقبل أن نكتشف أنه لات حين عبرة، ولنأخذ الدروس من قصص الآخرين).

الخلاصة مما جاء في أعلاه، تكمن في تمسك المسؤول بقيمة الإخلاص، حتى يكون قادرا على إنقاذ نفسه ومستقبله وتاريخه، مما يلحق به من أذى وسوء في حال أخفق في أداء المسؤولية، كما أن هذا الأمر يتعلق بنجاح أو فشل دولة ومجتمع كامل، وهذه هي المسؤولية الكبرى التي يجب أن يتنبّه لها جميع المسؤولين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7