إسلاميات - المرجع الشيرازي

زيارة الأربعين هل تطفئ الغضب؟

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(اتركوا الغضب في حياتكم حتى يتقبّل الإمام الحسين منكم الزيارة)، بهذه الكلمات الواضحة المطمئنة خاطب سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، زوار الحسين عليه السلام المتوجهين إلى كربلاء المقدسة، فما علاقة هذه الزيارة المليونية بالغضب؟، وقبل ذلك لابد من إطلالة على معنى هذه المفردة وما تعنيه في حياة البشر.

يقول العلماء المختصون إن الغضب هو انفعال، وقيل هو تغيّر يحصل عند غليان دم القلب؛ ليحصل عنه التشفي للصدر، ويشمل التأثير الجسدي للغضب زيادة في معدل ضربات القلب وضغط الدم، ومستويات الادرينالين والنورادرينالين. وأوضح بعضهم الغضب كجزء من شجار أو معركة، ويمكن أن يؤدي الغضب إلى أشياء كثيرة جسديا وعقليا.

كما يمكن معرفة الغضب من خلال رؤية تعبيرات الوجه، ولغة الجسد، والاستجابات الفسيولوجية، وأحيانا في الأفعال العامة فالبشر والحيوانات غير البشرية على سبيل المثال تطلق أصوات عالية، محاولة جعل شكلها الخارجي أكبر حجما، وتكشر عن أسنانها، وتحدق بأعينها بقوة ونادرا ما تحدث المشاجرة البدنية بدون التعبير المسبق عن الغضب، ويشير علماء النفس إلى أن الشخص الغاضب ممكن أن يكون مخطئ جدا حيث أن الغضب يتسبب في فقدان القدرة على مراقبة وضبط النفس والقدرة على الملاحظة الموضوعية.

وللغضب أسباب كثيرة منها، معظمها يعود إلى طبيعة شخصية الإنسان، ودرجة إيمانه، والمستوى الأخلاقي الذي يتحلى به، والقدرة على الصبر والاحتمال، فهناك من يثور لأتفه الأسباب، وكثيرا ما سمعنا عن خلافات كبيرة راح ضحيتها كثيرون بسبب كلمة أو حادثة تافهة سرعان ما تتطور بسبب الغضب لتشتعل نار عالية تحرق الأطراف التي تدخل في عراك أجوف كان يمكن تجنبّه بقلّة الغضب.

لذلك يخاطب سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) زوار الحسين عليه السلام والجميع ويطلب منهم بهذه اللغة الواضحة: (صمّموا على ترك الغضب).

ما أسباب الأحقاد والتصادم؟

أما المشكلات الكبيرة والمستعصية التي يمكن أن تنتج عن الغضب، فقد تنتهي بالناس إلى نتائج لا يُحمَد عُقباها، فتؤدي إلى حالة من التصادم والعداء والأحقاد التي تبقى نيرانها مضطرمة لأزمان طويلة، وقد تنتقل من الآباء إلى الأبناء لتنغّص عليهم حياتهم وتخلخل السلم الأهلي وتجعل حياة الناس مع بعضها أشبة بالمستحيل بسبب حالات الغضب المتأججة والتي قد تصل حد القتل!.

وكما هو معروف كلما تزايدت أعداد الناس في بقعة واحدة يصبح الاحتكاك فيما بينهم أكثر وأكبر، وربما يؤدي إلى حالات من التصادم خصوصا إذا أغلقت العقول أبوابها وغادر الصبر قلوب الناس وأعصابهم.

لهذا يوصي سماحة المرجع الشيرازي زوار الإمام الحسين عليه السلام بترك الغضب كليّاً، وكلما كان الزائر ملتزما بهذه الوصية ويجفف أسباب العنف فكره وسلوكه، كان أقرب إلى نيْل رضا الإمام الحسين، وهذا هو الفوز الكبير للإنسان.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(لكي يتقبّل الإمام الحسين صلوات الله عليه منكم الزيارة، أوصيكم بوصيّة، وهي وصيّة مولانا نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله التي كرّرها ثلاث مرّات وقال: لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب).

إذاً رسولنا الأكرم ركّز على تحييد الغضب وترويضه، ومن ثم تركه على نحو مطلق، كونه لن يصب في صالح أحد، فالإنسان الغاضب تتحاشاه الناس وتنفضّ من حوله وتتحاشاه، على العكس من ذلك تحب وتتقرب من الإنسان الهادئ الخلوق وتطمئن له وتتعاون معه، وسوف ينعكس ذلك على حياة الإنسان ومحيطه وعائلته ومجتمعه على نحو العموم، بمعنى إذا صممنا على ترك الغضب في حياتنا، سواءً حين وجودنا في كثافة سكانية كما في الويارة الأربعينية أو حتى في حركتنا اليومية الاعتيادية، فإن الغضب مرفوض وغير محبب بسبب المشكلات المعقدة التي تنتج عنه.

سماحة المرجع الديني الكبير يصرّ على مخاطبة الجميع حول هذا الجانب فيقول:

(كلكم من الآن صمّموا وإلى آخر عمركم على التقليل من الغضب في حياتكم، وترك الغضب، شيئاً فشيئاً. فإن صمّمتم على هذا الأمر، فسيتقبَّل الإمام الحسين صلوات الله عليه منكم السلام حينما تسلّمون عليه في حرمه الطاهر).

هكذا يربط سماحته (دام ظله) بين التصميم على ترك الغضب وبين قبول الإمام الحسين لزيارة الزائر الكريم، بل وتتناسب درجة القبول صعودا ونزولا مع قدرة أو ضعف الزائر على مواجهة الغضب، وهذا ربط منطقي كون الزائر الذي يقطع مئات وآلاف الكيلومترات متوجها إلى أرض كربلاء المقدسة، لابد أن يكون مستعدا روحيا لهذه الزيارة، فهو يسعى بعد تجشمه عناء السفر الطويل والمسافات التي يقطعها مشيا إلى كسب رضا الإمام الحسين وشفاعته، فهل ينال الإنسان الغاضب هذا الشفاعة والرضا؟

زيارة الأربعين والكثافة السكانية الكبيرة

كما أن منافع كبح الغضب لا تقتصر على موقف أو هدف محدد، بمعنى ليس المطلوب من الإنسان أن يقلل أو يحد من غضبه في حالة واحد فقط، كالزيارة الأربعينية مثلا، أو المناسبات الأخرى التي تحدث فيها كثافة بشرية واحتكاك مضاعف بين الناس كحضور فعالية رياضية أو ثقافية، وإنما من الأفضل أن يكون الحد من الغضب سلوكا حياتياً دائما.

هل يمكن أن يتدرّب الإنسان على ترويض الغضب أو تقليله، أو حتى القضاء عليه بشكل كامل؟، نعم يمكن ذلك، ولكن يحتاج هذا الأمر كي يحققه الإنسان كثيرا من الصبر والحكمة وضبط النفس، وهذه الأخلاقيات الكبيرة، كلّها تنبع من إيمان الإنسان وتقواه والتزامه الديني والأخلاقي، هذه كلها مصادر تدعم الإنسان وتمنحه قوة إضافية لردع حالة الغضب والسيطرة على الذات.

فوائد كبح الغضب كثيرة، فهي تمثل العمود الفقري لبناء السلم الأهلي، والتعاون والتعايش، وتساعد على تنمية صفة مهمة وكبيرة في شخصية الإنسان وهي التسامح والعفو الذي يحث عليه الإسلام وأئمة أهل البيت عليهم السلام، فكلنا سمعنا أو قرأنا عن موقف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال لمن حاربه وحاصره وهجّره من قريش (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، كذلك موقف الإمام الحسين عليه السلام وهو يدعو الله لهداية معسكر الظلم والطغيان ويقول لهم: (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم).

لذلك سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يوصي الزوّار الكرام فيقول:

(أيّ واحد منكم يكون تصميمه أحسن وأفضل ويقلّل من الغضب في حياته، سيتقبّل الإمام الحسين صلوات الله عليه منه في المستقبل أكثر).

ما يدعو إليه سامحة المرجع الشيرازي (دام ظله)، هو الابتعاد التام عن الغضب، وليصبح هذا منهج حياة وسلوك يومي دائم للناس أينما كانوا، حتى في بيوتهم وعائلاتهم، فإذا غضب الأب، أو غضبت الزوجة، أو غضب الجار، أو الصديق أو الأقارب، أو أحد زملاء العمل، أو أي شخص كان، لا يصح مواجهة ذلك بحالة غضب أو تهور أو فقدان للأعصاب، والأمر ينطبق على الزائرين الكرام، فلا يجب أن يغضب الزائر على أخيه الزائر، ولا يغضب الأهالي من الزوار أيّاً كانت الأسباب، فترك الغضب وامتصاص غضب الآخر ينبغي أن تكون منهج حياة للجميع.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إنْ غضب آباؤكم فأنتم لا تغضبوا، وإنْ غضب زوجاتكم فأنتم لا تغضبوا، وإنْ غضب جيرانكم فأنتم اتركوا الغضب، وإنْ غضب أرحامكم وأقاربكم فاتركوا أنتم الغضب عليهم).

وهكذا لاحظنا الانعكاسات السيّئة للغضب، والدعوة إلى التقليل منه أو إلغاؤه تماما، وهو ما نلاحظه فعلا في زيارة الأربعين التي نعيشها هذه الأيام حيث الانسجام والوئام والتعاون والهدوء والكرم والأخلاق الرفيعة هي السمات والعلامات الواضحة التي يعيشها اليوم زوار أبي عبد الله وسوف يجعلون منها منهاجا فكريا وسلوكيا لأبنائهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم لبناء السلم الأهلي المأمول.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0