تعيش أوروبا اليوم أزمة جديدة بسبب الخلافات المتفاقمة بشأن قضية الهجرة، حيث ما زالت مختلف دول الاتحاد الأوروبي كما نقلت بعض المصادر، منقسمة حول مسألة التعامل مع موضوع الهجرة. هذه القضية باتت تهدد وحدة وتماسك الاتحاد الأوروبي وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إن "أوروبا أمامها الكثير من التحديات، إلا أن تحديات مسألة الهجرة قد تقرر مصير الاتحاد الأوروبى"، معتبرة أن مستقبل أوروبا بات على المحك بسبب قضية الهجرة.

ودعت ميركل، إلى حلول "متعددة الأطراف" بدلاً من إتباع الدول الأعضاء نهجًا "أحاديًا"، محذرة من خطر فقدان أوروبا لقيمها إذا اضطرت لاختيار الجانب الأمني والنهج الأحادي في مواجهة قضية اللاجئين.

وبينما تدعو حكومات أوروبية عدة ومنها ايطاليا إلى الحزم في ملف اللاجئين، فإن ميركل أكدت للبرلمان الألمانى على أنه "إما أن نجد حلًا يسمح بأن يشعر الناس في إفريقيا وغيرها أن قيمنا توجهنا، وأننا ندعو إلى التعددية وليس إلى الأحادية، وإما أن لا يعود أحد يؤمن بقيمنا التي جعلتنا أقوياء بعد اليوم".يوأضافت أن "ثمة أمور كثيرة على المحك" في ملف الهجرة الذي يسبب توترًا شديدًا بين العواصم الأوروبية، وتجسد أخيرًا في مواجهات دبلوماسية بشأن سفينتين لمنظمتين غير حكوميتين تنقلان مهاجرين. ويذكر ايضا أن الجناح اليميني من تحالف ميركل الحكومي يطالب باتخاذ إجراءات ملموسة في قضية اللاجئين.

وكان وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، رئيس الاتحاد المسيحي الاجتماعي، حليف حزب ميركل البافارى المحافظ، قد هدد بطرد كل المهاجرين المسجلين في دول أخرى حال عدم التوصل لحل بشأن القضية، وهى خطوة قد تؤدى إلى انهيار التحالف الحكومي وتنظيم انتخابات جديدة. ويوماً بعد يوم تبدو المعركة الدائرة في أوروبا حول سياسة الهجرة كما لو أنها مواجهة إيطالية ضد بقية الأعضاء في الاتحاد. المفوضية الأوروبية حاولت احتواء الهجوم الأخير الذي شنّه سالفيني عندما أعلن مفوّض الهجرة اليوناني ديميتريس أفراموبولوس «أن إيطاليا تحملّت طوال سنوات مسؤولية أكبر من غيرها بكثير، ومن حقها أن تطالب بتغيير سياسة الهجرة».

محادثات طارئة

وفي هذا الشأن طلبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من زعماء الاتحاد الأوروبي منع طالبي اللجوء من التجول بحرية بين أرجاء الاتحاد مع بدء محادثات طارئة بشأن أزمة المهاجرين التي تهدد الائتلاف الحاكم في ألمانيا. ويحاول زعماء الاتحاد الأوروبي أثناء اجتماع في بروكسل تجاوز خلافاتهم العميقة بشأن الهجرة التي تقوض الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.

وقالت ميركل لدى وصولها لحضور المحادثات التي تضم 16 من زعماء دول الاتحاد وعددها 28 دولة ”سيتركز جزء كبير من مباحثات على حماية الحدود الخارجية وكيفية الحد من الهجرة غير الشرعية لأوروبا“. وأضافت ”وستجري كذلك محادثات بشأن الهجرة الثانوية وكيف نعامل بعضنا البعض بشكل عادل داخل (منطقة حرية السفر) شينجن وكيفية إيجاد توازن مقبول“.

ويمثل عدد المهاجرين الذين يصلون عبر البحر المتوسط مجرد نسبة ضئيلة مما كان عليه الأمر في 2015 عندما وصل أكثر من مليون شخص إلى أوروبا لكن استطلاعا حديثا للرأي أظهر أن قضية المهاجرين هي أهم مصادر القلق لمواطني الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم نحو 500 مليون. وتواجه إيطاليا صعوبات منذ فترة طويلة في التعامل مع الوافدين الجدد وقالت حكومتها الجديدة إنها سترفض أي أفكار بشأن استقبالها أعدادا أكبر من المهاجرين.

وقال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي”نريد معالجة المشكلة بشكل هيكلي. الرأي العام لدينا يطالبنا بذلك“. ويخوض زعماء الاتحاد الأوروبي الذين يواجهون ضغوطا شديدة من الناخبين في بلادهم معارك شرسة بشأن كيفية توزيع حصص طالبي اللجوء في الاتحاد. ونظرا لعدم تمكنهم من الاتفاق فقد زاد هؤلاء الزعماء من القيود على اللجوء وشددوا الإجراءات على حدودهم الخارجية لتقليص عدد من يُسمح لهم بالدخول. وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن 41 ألف لاجئ ومهاجر فقط دخلوا الاتحاد الأوروبي عبر البحر هذا العام حتى الآن. بحسب رويترز.

ولكن هذه القضية تمثل مكسب أو خسارة في الانتخابات بالنسبة للساسة عبر الاتحاد الأوروبي من إيطاليا حتى المجر مع تفضيل الناخبين للمرشحين المدافعين عن اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الهجرة. وتواجه ميركل ضغوطا لأن حليفها منذ فترة طويلة وهو حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري هدد ببدء إبعاد كل طالبي اللجوء عند الحدود الألمانية والذين سجلوا أسماءهم بالفعل في دول أخرى بالاتحاد الأوروبي مالم يتوصل الاتحاد لاتفاق بشأن توزيعهم بشكل أكثر عدالة. ورفضت الدول الشيوعية السابقة في شرق الاتحاد الأوروبي بقيادة المجر وبولندا استقبال أي من الوافدين الجدد مشيرة إلى مخاطر أمنية بعد سلسلة هجمات نفذها متشددون إسلاميون في أوروبا.

من جانب اخر حث فيليبو جراندي المفوض السامي لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة الاتحاد الأوروبي على إصلاح سياسة اللجوء ”المخزية“ لديه بعد أن رفضت كل من إيطاليا ومالطا استقبال سفينة تقل مئات المهاجرين. وظل حوالي 629 مهاجرا، أكثرهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، على متن السفينة أكواريوس وسط مياه البحر المتوسط. والسفينة تشغلها منظمة (إس.أو.إس ميديتيراني)، وهي منظمة خيرية فرنسية ألمانية تحاول إنقاذ من يقومون بالرحلة الخطرة إلى أوروبا.

وقال جراندي ”إنه أمر مخز. كأوروبي شعرت بالخزي.. الخزي من أن سفينة ظلت في البحر المتوسط لعدة أيام وما من أحد يريد أن يستقبل هؤلاء الناس“. وجاءت الواقعة بعد تولي حكومة جديدة مناهضة للمؤسسات في إيطاليا المسؤولية، وأدت لتفاقم التوترات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة. ومضى جراندي قائلا ”واضح جدا أن أوروبا بحاجة إلى إصلاح نظام اللجوء لديها بطريقة جماعية. هناك مقاومة كبيرة لهذا لكن لا يوجد سبيل آخر“.

وأثنى جراندي على إسبانيا لموافقتها على استقبال السفينة، لكنه أشار إلى أن إيطاليا تحملت العبء الأكبر من المهاجرين القادمين من ليبيا خلال السنوات القليلة الماضية. وأضاف ”يتعين وضع نظام لتقسيم مسؤولية السماح للسفينة بالرسو بإنصاف أكبر ثم البدء في عملية تحديد من منهم لاجئ ومن ليس كذلك... إيطاليا محقة في قولها إن الأمر يجب أن يُقسم على نحو أكبر“. وقال جراندي إنه حتى إذا نجح الاتحاد الأوروبي في مساعدة الدول التي تشكل نقاط عبور للمهاجرين، في إدارة تدفقهم قبل أن يصلوا إلى أوروبا، ”فسيظل البعض راغبين في السعي للجوء إلى أوروبا“. وأضاف ”يتعين التشارك في هذا وإلا فلن يجدي الأمر“.

عقوبات مالية

على صعيد متصل أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تأييده لفرض عقوبات مالية على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي ترفض استقبال مهاجرين. وصرح ماكرون في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في باريس أنه "لم يعد من المقبول أن تكون هناك دول تستفيد إلى حد كبير من التكافل الأوروبي وتشهر أنانيتها القومية عندما يتعلق الأمر بموضوع الهجرة".

وأوضح ماكرون "أؤيد أن يتم فرض عقوبات في حال عدم التضامن ... وأن يتم فرض شروط حول هذا الموضوع لتمويل مساعدات هيكلية"، مضيفا "أؤيد وجود آليات تأخذ ذلك في الاعتبار وهو نقاش سيتم في الوقت المناسب". وأضاف الرئيس الفرنسي "نحن نؤيد تشييد مراكز مغلقة بموجب شروط مفوضية اللاجئين بمجرد وصول المهاجرين الى اوروبا ... وتكافل مالي فوري وتول سريع للملفات وتضامن اوروبي بحيث تتولى كل دولة بشكل منظم الاشخاص الذين يمنحون الحق باللجوء". وتابع ماكرون "أنه حل يتم بالتعاون ويحترم القانون وعلينا احترام مبادئنا وعدم الانجراف نحو التطرف".

وكان ماكرون وسانشيز أعربا عن تأييدهما لبناء مراكز استقبال مغلقة في دول الوصول الأوروبية لدراسة الحالات ومنح اللجوء للذين يستحقونه وإمكان إعادة الآخرين إلى مسقط رأسهم. وترغب فرنسا في أن تقترح على شركائها الأوروبيين اتفاقا مع ألمانيا وإسبانيا لإدارة "أوروبية" لملف المهاجرين وذلك في مستوى الاستقبال ودراسة الملفات أو "ترحيلهم" إلى بلدانهم الأصلية، بحسب الرئاسة الفرنسية.

يروج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في توافق مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، لمقاربة "تعاونية" معاكسة لمقاربة مجموعة فيسيغراد (المجر وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا). واستدعت تصريحات ماكرون رد فعل غاضب من الحكومة الإيطالية. وأعلن لويجي دي مايو ماتيو نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حركة خمس نجوم عبر فيسبوك أن "تصريحات ماكرون بأن إيطاليا لا تواجه أزمة هجرة تؤكد أنه بعيد كل البعد عن الواقع. من الواضح أن الحكومات الإيطالية السابقة أبلغته بعدم وجود مشكلة". بحسب فرانس برس.

كمل ندد وزير الداخلية الإيطالي وزعيم حزب الرابطة (يمين متشدد) ماتيو سالفيني السبت بـ"عجرفة" الرئيس الفرنسي، داعيا إياه إلى "الإقلاع عن الإهانات وإظهار كرمه بالوقائع وفتح الموانئ الفرنسية الكثيرة والتوقف عن إبعاد نساء وأطفال ورجال إلى فينتيميلي"، عند الحدود الفرنسية الإيطالية. وأعلن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أن فرنسا "لا تتلقى دروسا من أحد" في ما يخص ملف المهاجرين لأنها "الدولة الثانية من حيث عدد طالبي اللجوء الذين استقبلتهم هذا العام"، في ردّ على انتقادات روما للموقف الفرنسي. وقال ماكرون "يجب ألا ننسى قيمنا، سأكون عنيدا في هذه النقطة".

ونقلت المتحدثة باسم سالفيني عنه قوله "ندعوه (ماكرون) الى وقف الشتائم والى إثبات سخائه عبر أعمال من خلال فتح الأبواب الفرنسية الكثيرة والتوقف عن قمع نساء واطفال ورجال في فانتيمي" على الحدود بين فرنسا وايطاليا. وهذه ليست المرة الاولى التي ينتقد فيها سالفيني فرنسا والرئيس الفرنسي. وكان سالفيني ندد بـ"نفاق" فرنسا بعد تصريحات للأخيرة انتقدت فيها ايطاليا لرفضها فتح ابوابها مؤخرا لسفينة "أكواريوس" وعلى متنها أكثر من 600 مهاجر. كما هاجم سالفيني ماكرون الذي انتقد "الجذام" القومي في اوروبا. وقال سالفيني مخاطبا الرئيس الفرنسي "قد نكون شعبويين مصابين بالجذام، لكنني أتعلم الدروس ممن يفتح أبوابه. استقبل آلاف المهاجرين وبعد ذلك نتحدث في الموضوع".

تقاسم أعباء المهاجرين

في السياق ذاته أعدت إيطاليا اقتراحا لعرضه أثناء اجتماع لقادة دول الاتحاد الأوروبي يتضمن الدعوة إلى تحمل جميع دول الاتحاد نصيبها من المهاجرين الوافدين أو الحصول على تمويل أقل من الاتحاد. ويشمل الاقتراح 10 نقاط تعتقد روما أنها ستحل المشكلة. وجاء في الوثيقة ”تحدد كل دولة حصص دخول للمهاجرين الباحثين عن تحسين أوضاعهم الاقتصادية“. ”هذا مبدأ يجب احترامه لكن يجب توفير اجراءات مضادة بشأن التمويل مع احترام الدول التي لا ترحب باللاجئين“.

وتنم الوثيقة بشكل واضح عن رغبة إيطاليا في إجراء تغييرات على ما يعرف باسم (لائحة دبلن) التي تحدد قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن التعامل مع طالبي اللجوء والمهاجرين الوافدين إلى الاتحاد. وتنص القواعد القائمة حاليا على أن البلد الذي يعبر منه طالب اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي هو المسؤول عن التعامل مع طلبه باللجوء. وجاء في الوثيقة ”الذين يصلون إلى إيطاليا هم في الاتحاد الأوروبي“ لافتة إلى أن الاتحاد الأوروبي عليه مسؤولية مشتركة تجاه من يتم انتشالهم من البحر. بحسب رويترز.

وتشير الوثيقة إلى أن نظام شينجن للتنقل بحرية داخل الاتحاد الأوروبي دون تأشيرة سفر مسبقة أصبح على المحك. وجاء في الوثيقة ”الالتزام بالإنقاذ لا يمكن أن يصبح التزاما بالتعامل مع طلبات (اللجوء) نيابة عن الجميع“. كما دعت الوثيقة إلى تأسيس مراكز للمهاجرين في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، مشيرة إلى أن هذا لا يجب أن يقتصر على إيطاليا وإسبانيا.

اضف تعليق