تسعى البلدان المتقدمة في العالم الاخرى النامية، الى زرع محفزات للمسؤولية الجماعية في اوساط المجتمع، فالتقدم الاقتصادي واحترام النظام والقانون وتحقيق النسب العالية من الرفاهية، إنما مرهون بوجود النسبة العالية من الشعور بالمسؤولية عند كل مواطن إزاء العالم الخارجي، كما يكون مسؤولاً عن عالمه الداخلي، وكيف يجب ان يكون، وهذا يتجلّى في مظاهر عديدة مثل تظافر الجهود لمواجهة الكوارث الطبيعية والتحديات الامنية والسياسية داخلياً وخارجياً، واحترام القانون في كل شيء، من نظافة الطرقات الى الالتزام بقانون الضرائب وغيرها.

مفهوم المسؤولية هنا؛ يتسم بالطابع المادي، ومثالنا في ذلك، ما حدثني به احد الاصدقاء المقيمين في مملكة السويد، وكيف أن الممرضة في المستشفى عاملته بلطف وعناية خاصة اثناء تأدية عملها، بيد أنه الصدمة استوقفته عندما تغير كل شيء لمجرد انتهاء فترة عملها وتخلّت عن ملابس التمريض وكانت تروم العودة الى بيتها.

لذا عكف علماؤنا على تحديد مفهوم القيمة الدافعة لتحمل المسؤولية، وقال البعض أن القيمة تتحدد من الاهداف التي يحملها الانسان ويؤمن بها، ومن صحة العمل الذي يقوم به، فيظفي على عمله ومواقفه وتفكيره هالة من القيمة والاهمية.

ولكن؛ كيف نتمكن من تحديد الاهداف الصحيحة ونتجنب الخاطئة منها؟

ما دامت المسؤولية ذات طابع معنوي، فلابد من اللجوء الى المنشأ ومصدر القيم وهو الله – تعالى- فعندما يكون ثمة حيّز لله – تعالى- في المنظومة الفكرية للانسان، فان بامكانه تحديد الاهداف النبيلة أولاً؛ ثم بلورة القيم الانسانية والاخلاقية التي تأخذ بدفة مسيرته نحو تكوين مجتمع سليم بكل المعايير.

وقد جرّب البعض اواسط القرن الماضي، تجريد الانسان من هذه الخلفية المعنوية، وتركه وحيداً مع سلوكه ومن ثم مصيره، عندما قدم المفكر الفرنسي، جان بول سارتر، نظريته "الوجودية" القائمة على أصالة الانسان، وانه هو المسؤول الوحيد عن تصرفاته وسلوكه في الحياة، ولا تأثير للخالق ولا المحيط الاجتماعي على ثقافته وفكره، فهو من يصنع شخصيته ويحدد المعايير لتصرفاته، ولا أحد يحرم او يحلل اعماله. نعم؛ الشيء الوحيد الذي يجمع هؤلاء الناس هو القانون وحسب، لذا نجد سارتر يدعو الى إبعاد الله - تعالى- عن بناء القيم والمفاهيم، لان "جذر المسألة يتعلق بحرية الانسان، فاذا كان الله موجوداً فلا معنى للحرية، واذا انتفت الحرية، ينتفي الاختيار، ومن ثم تفقد المسؤولية معناها"!.

واذا أتينا الى فريضة الصوم في شهر رمضان المبارك، ورغم ظاهرها البسيط وأحكامها الواضحة من إمساك عن الطعام والشراب ومفطرات اخرى، بيد انها ذات ابعاد انسانية عميقة، وتمثل احد العوامل المساعدة على تكوين القيم الايجابية، ومنها المسؤولية إزاء النفس والآخرين لتحقيق اهداف سامية، وإلا ما العلاقة بين إفطار الصائمين في هذا الشهر الفضيل وبين تقوى الله؟.

في خطبته لاستقبال شهر رمضان المبارك، يحثّ النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، المسلمين بأن يسهموا في أمر إفطار الصائمين، لما لذلك من الأجر الكبير يوم القيامة، فقام أحدهم وسأل عما اذا تعذر عليهم فعل ذلك، فجاء الجواب من النبي بأن "اتقوا الله ولو بشق تمرة، اتقوا الله ولو بشربة ماء"، وهذا يعني مما يعنيه، أن إفطار الصائمين او حتى تقديم المساعدات العينية والمادية للعوائل الفقيرة، كما تحرص على ذلك مؤسساتنا الخيرية في عديد البلاد الاسلامية، له علاقة عضوية بالقيم السامية، وليست من بناة افكار الانسان، إنما هنالك تنظيم مسبق لحبك نسيج العلاقات الاجتماعية وتوجيهها نحو المزيد من البناء والتقدم، ويكون شهر رمضان، بمنزلة الاجواء الرائعة لتنمية علاقات كهذه.

وهذا ينسحب على مجمل المنظومة الثقافية لدى افراد المجتمع التي تتلقى دفء شعاع هذه القيم عندما نشهد عملية تقويم مستمرة للسلوك والعادات من خلال مفهوم المسؤولية التي يتحملها الجميع دون استثناء، وهو ما نجد تأكيده واضحاً في القرآن الكريم تحت عنوان "التواصي".

فاذا نهينا عن خلق ما او تصرف معين، فالتحرك ينطلق من صميم قيم سامية واهداف كبيرة وحضارية، وليست المسألة تعود الى رغبة شخصية او مصلحة معينة، والنتيجة تكون لدينا امكانية من افراد المجتمع على استيعاب وتقبل التقويم والتصحيح لتحقيق اهداف تهم الجميع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1