أن طهران، المثقلة بجراحها الداخلية وتراجع زخم محورها الإقليمي، لم تعد المحرك الوحيد أو الأساسي لمسار المنطقة، إننا نشهد اليوم ولادة مرحلة جديدة تحدد ملامحها المنافسة الشرسة بين كتلتين صاعدتين، في ظل محاولات أمريكية محمومة لترسيخ هيمنة بنيوية لا تكتفي بالوجود العسكري، بل تمتد لتشمل صياغة تحالفات عميقة...
عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان "مستقبل الشرق الأوسط.. بين شراهة الطموح الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الأمريكية"، بمشاركة عدد من مدراء مراكز دراسات بحثية، وأكاديميين، وإعلاميين، اعد الورقة البحثية وقدمها الباحث في المركز الاستاذ حيدر عبد الستار الاجودي، وابتدأ حديثه قائلا:
"تدخل منطقة الشرق الأوسط في عام 2026 منعطفاً تاريخياً يتجاوز في تعقيده الصراعات التقليدية التي ميزت العقدين الماضيين، فبينما كانت عناوين الأخبار لسنوات طويلة تتمحور حول الدور الإيراني وتمدد أذرعه، يشير الواقع الاستراتيجي الراهن إلى أن طهران، المثقلة بجراحها الداخلية وتراجع زخم محورها الإقليمي، لم تعد المحرك الوحيد أو الأساسي لمسار المنطقة، إننا نشهد اليوم ولادة مرحلة جديدة تحدد ملامحها المنافسة الشرسة بين كتلتين صاعدتين، في ظل محاولات أمريكية محمومة لترسيخ هيمنة بنيوية لا تكتفي بالوجود العسكري، بل تمتد لتشمل صياغة تحالفات عميقة.
تتوزع هذه الورقة على محاور رئيسية خمسة، تبحث في طبيعة الشراهة الإسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة، وآليات الترسيخ الأمريكية للهيمنة، وصولا إلى موقع العراق في قلب هذه العاصفة الجيوسياسية، حيث تتداخل الأطماع الخارجية مع أزمة المشروع الوطني الداخلي.
المحور الأول: الكتلة الإبراهيمية وشراهة الطموح التغييري
يبرز في الأفق ما يمكن تسميته بـالتحالف الإبراهيمي، وهو محور تقوده إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ويمتد بخيوطه إلى اليونان والمغرب وحتى الهند، هذا المحور لا يتبنى سياسة دفاعية تقليدية، بل يتبنى توجهاً تغييرياً يسعى لإعادة هندسة المنطقة جذرياً.
تتجلى الشراهة الإسرائيلية في هذا التحالف من خلال الرغبة في تحويل التفوق العسكري التكنولوجي إلى واقع سياسي دائم (بواقع صادرات أسلحة بلغت 12,5 مليار دولار في 2025)، ينهي تماماً أي أفق لحل الدولتين ويستبدله بـتكامل اقتصادي وأمني تقوده إسرائيل. إن هذا الطموح يتغذى على الاعتقاد بأن النظام الإقليمي السابق قد فشل، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا بالتدخل المباشر لدعم القوى العلمانية وإضعاف حركات الإسلام السياسي بكافة أطيافها، إن انخراط الهند واليونان في هذا المحور يعطيه عمقاً يتجاوز الجغرافيا العربية، محولاً الطموح الإسرائيلي إلى مشروع عابر للقارات يهدف لتطويق المنافسين الإقليميين.
المحور الثاني: الكتلة الإسلامية واستراتيجية التوازن
في المقابل، يتشكل التحالف الإسلامي كقوة موازنة، تقوده المملكة العربية السعودية بالتعاون مع تركيا وباكستان وقطر، مع تنسيق حذر مع مصر، هذا المعسكر يرى في الشراهة الإبراهيمية عنصر تقويض للاستقرار؛ حيث يعتبر أن دعم القوى الانفصالية أو التدخلات العسكرية غير المحسوبة يؤدي إلى تفتيت الدول الوطنية، حيث تعتمد هذه الكتلة على البراغماتية المرنة وشرعية المؤسسات القائمة.
إن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني في أكتوبر 2025، وتوقيع اتفاقيات دفاعية مشتركة، هو رد فعل مباشر على محاولات تهميش هذه القوى في النظام الإقليمي الجديد، وبالنسبة لهذه الدول، فإن السيادة وسلامة الأراضي هي الشعارات المرفوعة لمواجهة التمدد الإسرائيلي-الإماراتي، مما يخلق حالة من الاستقطاب الوظيفي الذي يجعل المنطقة ساحة لتنافس لا يتوقف.
المحور الثالث: ترسيخ الهيمنة الأمريكية
في ظل إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب (2025-2029)، لم تعد الهيمنة الأمريكية تسعى لفك الاشتباك، بل لترسيخ قواعد لعبة جديدة، واشنطن تحاول اليوم إدارة هذه المنافسة الضارة بين شركائها (السعودية والإمارات) لمنع التفتت الكامل، مع التركيز على هدف استراتيجي واحد: (التطبيع السعودي الإسرائيلي).
إن الترسيخ الأمريكي يتجلى في محاولة دمج التحالفين (الإبراهيمي والإسلامي) تحت مظلة أمنية أمريكية موحدة، تضمن تفوق إسرائيل وتؤمن احتياجات الطاقة وتغلق الباب أمام النفوذ الصيني. ومع ذلك، تصطدم هذه الهيمنة بانقسامات داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وبتضارب مصالح الشركاء على الأرض في ساحات مثل اليمن والسودان والصومال، مما يجعل الهيمنة الأمريكية أحياناً تبدو كـإدارة للأزمات بدلاً من حلها.
المحور الرابع: العراق بين مطرقة الهيمنة وسندان الطموح
هنا يبرز التساؤل الجوهري حول مستقبل الدولة العراقية، يجد العراق نفسه في وضع جيوسياسي حرج؛ فهو تاريخياً وجغرافياً يقع في قلب مناطق اهتمام كلا الكتلتين.
- جدلية التباين (فرصة المناورة): إن التنافس السعودي-الإماراتي، والتباين التكتيكي بين رغبة واشنطن في الاستقرار المقيد ورغبة إسرائيل في التصعيد التغييري، يضع أمام صانع القرار العراقي إشكالية كبرى، هل يمكن للعراق أن يستثمر هذه الفجوات لتقليل الضغط عليه؟، أم أن ضعف مؤسسات الدولة سيجعله مجرد ورقة تفاوضية في ملفات التطبيع أو احتواء إيران؟، إن القدرة على المناورة تظل مرهونة بمدى وعي النخبة السياسية بمتغيرات عام 2026، حيث لم تعد القواعد القديمة للصراع صالحة.
- الخطر الوجودي (الداخل مقابل الخارج): بينما تتوجه الأنظار نحو الأطماع الخارجية المتمثلة في شراهة الطموح الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الأمريكية، تبرز حقيقة قاسية: إن غياب المشروع الوطني الموحد هو الثغرة التي تنفذ منها هذه الأطماع، إن تشتت الولاءات داخل الدولة العراقية يحول المطرقة والسندان من ضغط خارجي إلى تمزيق داخلي، فالدولة التي تفتقر لمركزية القرار لا يمكنها الصمود أمام مشاريع إعادة هندسة المنطقة التي يقودها التحالف الإبراهيمي، ولا يمكنها أن تكون شريكاً متوازنا في استراتيجيات التوازن التي تقودها الرياض.
المحور الخامس: التنافس السعودي-الإماراتي وأثره على الساحة العراقية
إن الخلاف السعودي-الإماراتي الذي انتقل من السر إلى العلن، والذي شهدته ساحات مثل اليمن، يلقي بظلاله مباشرة على العراق، فالعراق يمثل للرياض عمقاً عربياً يجب استعادته لمنع التفرد الإسرائيلي-الإماراتي، بينما قد يمثل لكتلة أبراهام ساحة لإضعاف المحاور التقليدية، هذا التنافس يزيد من تعقيد المشهد العراقي، حيث تصبح السيادة الوطنية مهددة ليس فقط بـالهيمنة الأمريكية، بل بـالاستقطاب الخليجي-الخليجي أيضاً.
السيناريوهات المحتملة
إن مستقبل الشرق الأوسط في عام 2026 يتأرجح بين سيناريوهين:
السيناريو الأول: نجاح واشنطن في دمج الكتل المتنافسة تحت الخيمة الأمريكية، وهو ما يعني ضغطاً هائلاً على العراق للانخراط في مسارات تسوية قد لا تتوافق مع تركيبته الداخلية.
السيناريو الثاني: استمرار الصراع بين الشراهة التغييرية والبراغماتية المحافظة، مما يبقي المنطقة في حالة حروب بالوكالة مستمرة.
بالنسبة للعراق، فإن الدرس المستفاد من قراءة هذا المشهد الاستراتيجي هو أن الأطماع الخارجية هي متغير دائم، بينما المشروع الوطني هو الثابت الذي يحدد قدرة الدولة على تحويل الضغوط إلى فرص، إن حماية السيادة العراقية في ظل هذا النظام الإقليمي الجديد تتطلب أكثر من مجرد ردود فعل؛ إنها تتطلب رؤية استراتيجية تفهم نقاط التباين بين الحلفاء الدوليين وتستثمرها لحماية أمن الدولة واستقرارها.
وبعد اكمال الورقة تم طرح أسئلة للنقاش:
السؤال الاول/ كيف يمكن للعراق ان يتعامل مع نقاط التباين بين واشنطن وتل ابيب لتقليل الضغوط عليه؟.
السؤال الثاني/ أيهما اخطر على مستقبل العراق: الاطماع الخارجية ام غياب المشروع الوطني الموحد؟.
المداخلات
منطق الإنجاز الأمريكي واختلال توازنات القوة
- دكتور حسين السرحان/ مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:
إذا أردنا الذهاب إلى المسار الأوسع الذي تفضلتم به، فهي وجهة نظر صحيحة وقابلة للتحليل، لكن ما أتصوره على المدى القريب يتمثل أساسا في الهدف الأمريكي التكتيكي، فالإدارة الأمريكية، وتحديدا في ظل توجهات دونالد ترامب، تبحث عن إنجاز سريع ورسائل مباشرة وغير دبلوماسية، تتجاوز التعقيد التقليدي للسياسة الخارجية.
الشرق الأوسط يعد من أكثر مناطق العالم غليانا على مستوى النظام الدولي، وهذا الغليان نابع من مجموعة عناصر متشابكة، من أبرزها هشاشة بعض الدول وفشلها في ترسيخ مشروع الدولة الوطنية، حيث تزامن وجود الدولة الشكلية مع صعود نظام الجماعات المسلحة التي بدأت تهيمن على القرار السياسي والعسكري والأمني، لا سيما بعد ظهور تنظيمات مثل داعش والقاعدة.
هذه الجماعات، سواء كانت سنية أم شيعية، لم يعد تأثيرها مقتصرا على حدود الدولة، بل امتد إلى خارجها، وهو تطور بالغ الإزعاج للهيمنة والنفوذ الأمريكيين، سواء تعلق الأمر بجماعات إسلامية أو غيرها، هذا الامتداد العابر للحدود يقوض نظام الدولة الوطنية، ويضعف مشروعها في المنطقة ككل، ما يشكل خطرا مباشرا على النظام الدولي، ولا سيما في الشرق الأوسط الذي يعد قلب العالم، نظرا لتأثيره العميق على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
إلى جانب ذلك، هناك عامل وجود إسرائيل، إضافة إلى عامل اختلال توازنات القوى الإقليمية، فصعود هذه الجماعات أخل بالتوازن القائم بين القوى الفاعلة، ما دفع الولايات المتحدة إلى التركيز على تحقيق إنجاز سريع خلال ما تبقى من ولايته. فهو عمليا لا يمتلك سوى بضع سنوات ويحتاج إلى منجز واضح، وقد عكس ذلك بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، حيث طرح خيار السلام في المنطقة كضرورة استراتيجية.
أما الحديث عن تحالفات كبرى، سواء كانت إبراهيمية أو إسلامية، فأعتقد أنه يتطلب زمنا طويلا، ولا يبدو توجها قابلا للتحقق في المدى القريب، فهناك عوائق كبيرة أمام هذه التحالفات، خصوصا مع وجود دول محورية مثل السعودية وإيران، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا.
الشرق الأوسط -بشكل عام- هو مسرح للنفوذ العالمي والأدوار الجيوسياسية الكبرى، وفي الوقت نفسه ساحة لصراعات إقليمية متداخلة، توازنات القوى التي كانت قائمة بين إيران وإسرائيل، ومن جهة أخرى قوى إسلامية مثل تركيا والسعودية، وفرت قدرا من الاستقرار النسبي، لكن تصاعد دور الجماعات اللا دولية المسلحة وغير الحكومية، أضعف هذه التوازنات وقد يقوضها مستقبلا.
ترامب، على سبيل المثال، يلوم إدارة جورج دبليو بوش على إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، لما سببه ذلك من خلخلة لتوازنات القوى وفتح المجال أمام صعود إيران، غير أن المفارقة تكمن في أن السياسات الحالية قد تكرر الخطأ ذاته؛ فمحاولة إقصاء إيران أو إسقاط نظامها ستؤدي إلى تفرد إسرائيل إقليميا، وهو ما يمثل إشكالية كبرى، كما أن إبعاد القطب الشيعي من منطقة ذات أيديولوجيا إسلامية سنية– شيعية قد يفضي إلى صعود قطب سني أكثر تشددا مستقبلا، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا: كيف يمكن التوفيق بين هذا التشدد المحتمل والتوجه الإسرائيلي؟.
في هذا السياق، يبدو أن أحد الأهداف المركزية يتمثل في أمن إسرائيل، وأن المنطقة تتجه نحو تقويض دور الجماعات المسلحة وتعزيز مركزية الدولة وقرارها السياسي والأمني، ما نشهده في لبنان، وما جرى مع قوات قسد، وكذلك التوجهات الحالية للإدارة الأمريكية في العراق، كلها مؤشرات على هذا المسار.
لكن في الحالة العراقية تحديدا، تكمن المشكلة في ضعف القوى السياسية وعدم امتلاكها رؤية جيوسياسية واضحة، التركيز ينصب غالبا على تقاسم المناصب والوزارات والمحاصصة، بعيدا عن فهم عميق لمعادلات الإقليم والنظام الدولي، بخلاف دول مثل تركيا أو السعودية، التي تمتلك مؤسسات وثوابت نابعة من تماسكها الداخلي، يعاني العراق من غياب مشروع الدولة، ومن هشاشة الصف الوطني، ما ينعكس مباشرة على قدرته في اتخاذ موقف دولي واضح.
اليوم، حتى الموقف العراقي من الصراع الإقليمي يبدو باهتا ومفرغا من مضمونه؛ فالدستور ينص على عدم استخدام الأجواء العراقية للاعتداء على الآخرين، لكن الواقع يكشف ضعف السيطرة الفعلية على الأرض والجو، وهنا تتجلى المشكلة الجوهرية: غياب مشروع وطني جامع.
في النهاية، فإن الأخطر من كل الصراعات الإقليمية هو غياب دولة تمتلك فلسفة واضحة في سياستها الخارجية، وثوابت راسخة تحكم مواقفها، ترميم الجبهة الداخلية وإعادة إحياء مشروع الدولة الوطنية يجب أن يسبق الانشغال بإيران أو إسرائيل أو اتفاقيات السلام، فالقوى السياسية الحالية، بمختلف أطيافها، لا تزال أسيرة منطق المذهبية والطائفية والمحاصصة، بعيدا عن رؤية استراتيجية للدولة وموقعها في النظام الدولي.
الصراع الأمريكي– الإسرائيلي وإعادة تشكيل النفوذ
- الشيخ مرتضى معاش:
الواقع الخارجي يشير إلى وجود صراع وتنافس حقيقيين بين الولايات المتحدة وإسرائيل في السيطرة على المنطقة، ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة مؤشرات واضحة.
أول هذه المؤشرات أن إسرائيل غيرت قواعد اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حين قدمت نفسها بوصفها الطرف المنتصر في الحرب، ولا سيما بعد ضرب حزب الله، وهو ما اعتبرته إنجازا استراتيجيا يمنحها، من وجهة نظرها، حق جني مكاسب سياسية وجيوسياسية لاحقة، ومنطق المنتصر هنا يعني بالضرورة السعي إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
المؤشر الثاني يتمثل في اتساع الأثر الإسرائيلي داخل عدد من الدول العربية، ومن بينها السودان، حيث يبدو الصراع القائم هناك مرتبطا بشكل مباشر بالحضور والدور الإسرائيلي، ويتقاطع ذلك مع مسار التحالف الإبراهيمي، الذي تشارك فيه أيضا روسيا من خلف الكواليس، رغم انشغالها بملفات أخرى، إلا أنها حاضرة عبر أذرعها، وخصوصا الفيلق الروسي في أفريقيا، سواء في ليبيا أو السودان.
الحضور الإسرائيلي لا يقتصر على هذه الساحات، بل يمتد إلى الصومال واليمن، بل وحتى إلى العراق، هذا النفوذ يتخذ أشكالا غير مباشرة، من خلال تقاطع المصالح مع قوى إقليمية ودولية، ومنها روسيا والإمارات العربية المتحدة.
في هذا السياق، كان للنفوذ الإسرائيلي المشترك مع هذه الأطراف دور واضح في محاولة انفصال إقليم كردستان، التي يمكن قراءتها كمشروع إسرائيلي بالأساس، كما أن ما جرى لاحقا مع قوات قسد مثل ضربة مباشرة لأحد مسارات هذا المشروع، بعد أن سعت إسرائيل، عقب ما اعتبرته انتصارا، إلى الدفع باتجاه تفكيك المنطقة وتقسيمها إلى دويلات، وهو ما يروج له تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد.
وفق هذا التصور، يجري الحديث عن تقسيم سوريا إلى عدة كيانات، وتقسيم العراق، والاعتراف بـأرض شمال غرب الصومال (صوماليلاند)، فضلا عن دعم مشاريع الانقسام في اليمن، هذه التحركات تعني عمليا تآكلا للهيمنة الأمريكية في المنطقة، وإن لم تكن واشنطن قادرة على مواجهة إسرائيل بشكل مباشر، بسبب قوة اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة.
بدلا من المواجهة المباشرة، لجأت واشنطن إلى تحريك حلفائها، ففي ملف كردستان دفعت الحكومة المركزية العراقية، وحركت إيران أيضا لإفشال مشروع الانفصال. وفي سوريا، جرى الضغط لإنهاء مشروع قسد ودفعه باتجاه الاندماج مع الدولة المركزية. هنا، لا يمكن فهم تمسك الولايات المتحدة بمفهوم الدولة المركزية بوصفه دفاعا عن الدولة بحد ذاتها، بل باعتباره حماية للمكتسبات والهيمنة الأمريكية، لأن التقسيم خصوصا في العراق، يعني خسارة استراتيجية لواشنطن.
أما عن موقع الفصائل المسلحة في هذا الصراع، فهي ليست الهدف الأساسي بقدر ما هي أداة كبح. فالتحركات الأمريكية بما في ذلك إرسال الأساطيل العسكرية قرب إيران، لا تهدف بالضرورة إلى مواجهة طهران مباشرة، بل إلى منع إسرائيل من الذهاب أبعد، أو منع حلفائها من إشعال مواجهة شاملة تهدد الاستقرار الإقليمي، فبعض الجماعات المسلحة المحيطة بإيران تستخدم كورقة ضغط وردع، لا كمدخل لحرب شاملة.
العراق في هذا الإطار، ليس بعيدا عن معادلة الصراع الأمريكي– الإسرائيلي، فالولايات المتحدة تسعى إلى وجود قيادة عراقية هادئة، بعيدة عن الفصائل، قادرة على تهدئة إسرائيل، وفي الوقت نفسه غير منخرطة في الصراع الإيراني– الإسرائيلي، بما يضمن عدم تحويل العراق إلى ساحة صدام مباشر، من وجهة النظر الإسرائيلية، ينظر إلى الفصائل على أنها امتداد للنفوذ الإيراني، ما يعزز الضغط باتجاه تشكيل حكومة عراقية معتدلة لا ترتبط بهذا الصراع.
وتبرز هنا نقطة أخيرة تتعلق بالصراع داخل البيت الأبيض نفسه، فـدونالد ترامب يدير لعبة اللوبيات بمهارة، سواء على المستوى الداخلي أو داخل إدارته، نجاحه لدى قاعدته الشعبية قائم على إدارة التناقضات، وهو ما ينعكس أيضا في الصراع بين المحافظين الجدد المتشددين ضد إيران واللوبي الإسرائيلي، وليس خافيا أن ترامب أقال في بداياته مستشارا للأمن القومي كان ينظر إليه على أنه قريب جدا من إسرائيل.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة الصراع الدائر حول رئاسة الوزراء في العراق على أنه انعكاس لصراع اللوبيات داخل البيت الأبيض نفسه: من هو الشخص القادر على حماية المصالح الأمريكية، وتهدئة إسرائيل، ومنع انزلاق العراق إلى قلب الصراع الإقليمي المفتوح؟ هذه هي المعادلة الحقيقية التي تحكم المشهد.
أولوية الداخل وبناء مشروع الدولة
الاستاذ علي حسين عبيد/ شبكة النبأ المعلوماتية:
كل ما يدور خارج العراق، لا يمكن أن يكون أهم مما يدور في داخله، فجوهر الإشكالية العراقية لا تكمن في التفاعلات الإقليمية أو الدولية بقدر ما ترتبط بغياب المشروع الوطني.
عندما يكتمل هذا المشروع، وتبنى بنية سياسية دقيقة، منضبطة، ومركزة، وعندما تشيد مؤسسات قادرة فعلا على إدارة العملية السياسية، ويصبح الاهتمام بالعراق أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة حقيقية، دولة تقوم على مشروع وطني موحد، لا على توازنات هشة أو مصالح متفرقة.
إن بناء مشروع الدولة كفيل بمعالجة معظم مشكلات العراق، ولا سيما مشكلاته الخارجية، فالدولة القوية داخليا توحد الوطن والشعب والمؤسسات والأحزاب داخل إطار جامع اسمه الوطن، وبهذا التماسك، يصبح العراق قادرا على إدارة علاقاته بثقة واقتدار، سواء مع جواره الإقليمي، أو مع محيطه الإقليمي الأوسع، أو حتى مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام.
الخطر الأكبر على مستقبل العراق
- الاستاذ مصطفى هذال/ شبكة النبأ المعلوماتية:
حسب اعتقادي، فإن غياب المشروع الوطني يعد اليوم الخطر الأكبر على مستقبل العراق، وذلك لأسباب متعددة ومترابطة، في مقدمتها أن هذا الغياب يفسح المجال أمام القوى الخارجية للتكالب على العراق واستغلال هشاشته، فالأطماع الدولية في العراق ليست وليدة اللحظة أو نتاج الواقع الراهن فقط، بل هي ممتدة تاريخيا، منذ العهد العثماني مرورا بالاحتلال البريطاني وصولا إلى أشكال النفوذ المعاصر، غير أن هذه الأطماع تبرز وتتصاعد وفق ظروف وعوامل محددة، من أهمها هشاشة الوضع السياسي الداخلي وغياب طبقة سياسية تمتلك رؤية وطنية قادرة على صد التدخل الخارجي.
إن غياب المشروع الوطني يفتح الباب أيضا أمام تساؤلات جوهرية لا تزال بلا إجابات واضحة، من بينها: ما هو شكل النظام السياسي الداخلي في العراق اليوم؟ وما طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم؟ وما هو موقع العراق من الصراع الإقليمي الدائر حاليا في المنطقة؟ إن عدم تقديم إجابات دقيقة وحاسمة عن هذه الأسئلة يجعل المشهد السياسي العراقي قائما على إدارة الصراعات السياسية بدلا من إدارة مؤسسات الدولة.
هذا الواقع يدفع بالأحزاب والكتل السياسية الحاكمة إلى الارتباط الجزئي بمحاور إقليمية ودولية، الأمر الذي يسهل على الطامع الخارجي التدخل والتأثير، عبر دعم طرف على حساب آخر وبهذا المعنى، فإن غياب المشروع الوطني لا يضعف الداخل فقط، بل يسهل مهمة الخارج ويمنحه أدوات النفوذ والتأثير.
ومن أخطر آثار غياب المشروع الوطني انعكاسه المباشر على مستقبل الدولة، فبدون مشروع وطني موحد تتبناه العملية السياسية، تغيب الرؤية الاقتصادية، وتتلاشى الرؤية السياسية، وتضيع الكثير من التصورات الاستراتيجية الضرورية لتأسيس دولة رصينة وقادرة على الاستمرار.
وإذا أردنا تشبيه المشهد، يمكن القول إن الأطماع الخارجية تمثل المرض، بينما يشكل المشروع الوطني المناعة الداخلية، فكلما ارتفعت هذه المناعة، تراجعت قدرة المرض على الانتشار، وكلما تعززت الحصانة الوطنية، اقترب العراق من حالة التعافي والاستقرار، وامتلك قدرة ذاتية على مواجهة التحديات والأخطار الخارجية.
فرض الإرادة الأمريكية والهيمنة
دكتور خالد الاسدي/ مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:
يمكن النظر إلى المشهد الراهن في الشرق الأوسط على أنه محاولة لفرض سياسة أمريكية جديدة تقوم على مبدأ واحد: على جميع دول المنطقة أن تتبع هذه السياسة، شاءت أم أبت، باعتبار أن الجميع يجب أن يكون تابعا للولايات المتحدة، ووفق هذا المنطق، لا يفترض بأي دولة أن تقول لا لواشنطن.
أولى الإشارات العملية التي بعثت بها الولايات المتحدة إلى العالم كانت في فنزويلا، حين جرى التعامل مع رأس الدولة وفرض السيطرة السياسية، في رسالة واضحة مفادها أن من يخالف الإرادة الأمريكية سيواجه بإجراءات مماثلة، هذه الخطوة لم تكن موجهة لفنزويلا وحدها، بل قدمت كنموذج ردعي لبقية الدول.
تسعى الولايات المتحدة من خلال ذلك إلى إبراز مشروع ناجح أمام العالم، والبدء بفنزويلا كنموذج لـإعادة صناعة الدولة تحت الهيمنة الأمريكية، بما يوحي وكأنها ستتحول إلى كيان خاضع بالكامل للنفوذ الأمريكي، غير أن هذا السيناريو، يصعب تكراره في الشرق الأوسط.
فالمنطقة ليست ساحة خالية، بل ميدان تتقاطع فيه أطماع ومشاريع قوى دولية وإقليمية أخرى، مثل الصين وروسيا، فضلا عن مشاريع إقليمية كالمشروع الإيراني، هذه القوى مجتمعة تجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تنفرد بالسيطرة المطلقة على المنطقة.
لذلك، وبدلا من استقرار المشهد، يرجح أن تتجه الأوضاع نحو مزيد من الاشتعال والتوتر، مع تصاعد الصراع بين المشاريع المتنافسة، وازدياد حدة المواجهة غير المباشرة على أرض الشرق الأوسط، بوصفه الساحة الأكثر حساسية في النظام الدولي.
إدارة التباين بين واشنطن وتل أبيب
- الاستاذ حسين علي حسين/ مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:
إن ما يحتاجه العراق كي يتمكن من التعامل بفاعلية مع نقاط التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل يتمثل في مجموعة من المرتكزات، يمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية.
المحور الأول: اعتماد سياسة التوازن الذكي. ينبغي على العراق ألا ينحاز بصورة كاملة إلى أي طرف، بل أن يحافظ على موقع الوسطية، ويتحرك بمرونة وفق ما تقتضيه مصلحته الوطنية، فالمعيار الأساس هو أي الخيارات يضمن الأمن والاستقرار في اللحظة التي يحتاج فيها العراق إلى موقف أو دعم محدد.
المحور الثاني: تثبيت مبدأ السيادة. يجب أن تدار علاقات العراق مع الدول الأخرى حصرا عبر القنوات الرسمية للدولة، لا من خلال مسارات غير رسمية، فوجود جماعات مسلحة تعمل عمليا كامتدادات أو قواعد لدول أخرى داخل العراق يضعف موقع الدولة، ويؤثر سلبا في قدرتها على التعاطي المتوازن مع واشنطن وتل أبيب.
المحور الثالث: استثمار التباينات الخارجية. على الرغم من الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن هناك تباينات وخلافات تظهر بينهما في بعض الملفات، هذه التباينات يمكن للعراق أن يستثمرها سياسيا لمصلحته، كما حصل في بعض المواقف والتصريحات التي صدرت عن دونالد ترامب تجاه بنيامين نتنياهو. المحور الرابع: تنشيط الدبلوماسية الإقليمية.
يحتاج العراق إلى توسيع دائرة تواصله مع الدول الإقليمية والقوى القريبة من محيطه الجغرافي، واستثمار هذه العلاقات سياسيا، بما يعزز موقعه التفاوضي ويقلل من ارتهانه لأي محور دولي واحد.
إن غياب المشروع الوطني الموحد يجعل من العراق لقمة سائغة لأي دولة تمتلك أطماعا خارجية وتسعى إلى بسط نفوذها عليه، لذلك فإن اكتمال هذا المشروع هو الشرط الأساس لتحول العراق إلى دولة ذات سيادة حقيقية، قادرة على رفض التدخلات الخارجية، أما استمرار الوضع على ما هو عليه، فيبقي البلاد عرضة للضغط والاختراق، ويجعلها ساحة مفتوحة لتصفية صراعات الآخرين.
الشراهة الإسرائيلية وتراجع الهيمنة الأمريكية
- الاستاذ حسين شاكر العطار/ باحث اكاديمي:
تبدو الشراهة الإسرائيلية في الوقت الحاضر وكأنها وجدت فرصة تاريخية نادرة، قد لا تتكرر إلا مرة واحدة تقريبا خلال قرن من الزمن، للسيطرة على المنطقة والشرق الأوسط، فإسرائيل تعيش اليوم حالة انتشاء أقرب إلى شعور المنتصر، من دون أن تواجه قوة حقيقية توقفها عند حدودها. فـسوريا انهار نظامها، والعراق يعاني ضعفا بنيويا، فيما بدأت إيران تميل إلى الانكفاء نحو الداخل، هذه المعطيات مجتمعة جعلت إسرائيل ترى اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لتكريس نفسها بوصفها الطرف الأقوى نفوذا وتأثيرا في الشرق الأوسط.
في المقابل، تمر الهيمنة الأمريكية بمرحلة تباين وإرباك نسبي، فالولايات المتحدة باتت تواجه صعوبات متزايدة، لا سيما من بعض دول الخليج مثل السعودية وقطر وعمان، ففي السابق، وخصوصا قبل نحو عقد من الزمن، كان الاحتقان الطائفي في المنطقة مرتفعا، ما دفع الخليج إلى الميل بشكل أوضح نحو المظلة الأمريكية. أما اليوم، فقد بدأ الخليج يستشعر خطورة الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية، وهو ما انعكس في قدر من التحفظ إزاء بعض المواقف الأمريكية.
صحيح أن دول الخليج قدمت استثمارات كبيرة خلال فترة دونالد ترامب، ولا سيما في بدايات ولايته الثانية، إلا أن ما يمكن تسميته بـالاعتدال الخليجي في المرحلة الأخيرة جعل الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة لواشنطن، فهناك شعور أمريكي متزايد بتراجع الشركاء المضمونين في المنطقة، ما دفع الولايات المتحدة إلى تكثيف وجودها العسكري والتقاطع بشكل أوثق مع إسرائيل، بهدف حماية مصالحها، وقد تداولت تقارير أخيرا عن طلب بعض دول الخليج من الإدارة الأمريكية عدم استخدام أراضيها في أي تصعيد عسكري، وهو ما شكل عبئا إضافيا على واشنطن.
في هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة في العراق والمنطقة إلى ضرب الجماعات المسلحة بوصف ذلك مدخلا للسيطرة على أنظمة الحكم، فمن وجهة النظر الأمريكية، السيطرة على النظام السياسي تفضي تلقائيا إلى التحكم بالقرارين السياسي والاقتصادي، وبالتالي تسهيل الهيمنة. أما الرؤية الإسرائيلية، فلا تختلف في الهدف النهائي لكنها تختلف في الوسيلة؛ إذ تميل إسرائيل إلى تفكيك الدول وتقسيمها، بل وتقسيم المقسم، باعتبار أن التشظي والفوضى يفتحان الطريق أمام السيطرة بالقوة.
هذا التباين يكشف عن فجوة واضحة في المصالح بين الطرفين: الولايات المتحدة تميل إلى توحيد النظم السياسية للقضاء على الجماعات المسلحة ثم السيطرة من خلال الدولة، بينما تدفع إسرائيل باتجاه التفتيت والتقسيم كمدخل للهيمنة الإقليمية.
بالنسبة للعراق، إذا أراد أن يتجنب الخضوع الكامل للهيمنة الأمريكية، وفي الوقت نفسه أن لا يكون ساحة مفتوحة للضربات الإسرائيلية، فعليه أن يسيطر على الجماعات المسلحة ذات التأثير الإقليمي، ولا سيما تلك التي تهدد أمن الطاقة في الخليج أو تنخرط في صراعات تتجاوز المصلحة الوطنية، إن ضبط هذا الملف يحد من الذرائع الإسرائيلية، ويقلل في الوقت ذاته من مبررات التدخل الأمريكي.
المدخل الأساس لكل ذلك يبقى السيطرة على القرار العراقي عبر مشروع وطني موحد، وأرى أن هناك بذرة لهذا المشروع كانت قد ظهرت عام 2022، مع التحالف الذي جمع مقتدى الصدر ومحمد الحلبوسي ومسعود بارزاني. وبغض النظر عن السلبيات المحتملة لذلك المحور، فإن تقديري الشخصي أن وجوده في الحكم آنذاك، في ظل ما شهدته المنطقة لاحقا من حروب وأحداث مفاجئة منذ طوفان الأقصى وحتى اليوم، كان من شأنه أن يجنب العراق، وربما المنطقة، كثيرا من الأزمات.
العراق بين هشاشة الداخل وضغط الخارج
- الاستاذ عدنان الصالحي/ مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
في الحقيقة، يمكن القول إن العراق يمثل اليوم أضعف نقطة في المنطقة تقريبا، فمعظم بلدان الشرق الأوسط تعيش حالات من الاستقرار النسبي على مدى فترات ممتدة؛ تمتلك قدرا من المأسسة في حكوماتها ودولها، وتتمتع باستقرار مقبول في تقديم الخدمات والبنى التحتية، أنظمتها السياسية، سواء كانت ملكية أو جمهورية أو حتى سلطوية أو تعددية، لا يهم شكلها بقدر ما يهم أنها قادرة على إدارة الأزمات، وتمتلك برامج سياسية واضحة، وعلاقات خارجية مستقرة، وتنسيقا مؤسسيا داخليا وخارجيا.
أما أزمتنا في العراق، فهي أعمق من ذلك بكثير، فنحن لا نمتلك رؤية سياسية واضحة تجاه الخارج، ولا رؤية سياسية مستقرة للداخل، أغلب ملفاتنا تدار بمنطق (تمشية اليوم)، دون أي تصور لما قد يحدث غدا، وضعنا المالي لا يسر صديقا ولا عدوا، ولا يوجد استقرار حقيقي في الملفات المالية أو المائية أو التجارية، ولا حتى في سعر الصرف، كل ذلك يعكس هشاشة بنيوية مستمرة منذ عام 2003 وحتى اليوم.
الأخطر من ذلك هو نمط الحكومات التوافقية التي باتت أشبه بـ"خلطة عطار"، تدار خارج المواقيت الدستورية، وتستغرق أشهرا طويلة لتشكيلها، ثم تعبر أربع سنوات محملة بالوعود، لتعود الدورة من جديد، نحن في هذا السياق، أشبه بطالب في المرحلة الابتدائية يحلم بالوصول إلى الدكتوراه، دون أن يكون قد قرأ أساسيات المنهج، ومع ذلك يطلب منه تقديم أطروحة والدفاع عنها واجتياز الأسئلة.
اليوم، تقف الكتل السياسية كافة أمام شروط واضحة وصريحة: نزع السلاح، بناء مؤسسات الدولة، إبعاد المتورطين في الفساد، إلى جانب حزمة مطالب باتت معروفة ومتداولة، هذه الشروط لم تأتي فجأة، بل جرى التمهيد لها على مدى سنوات، لكن الإشكالية تكمن في كيفية الموازنة بينها وبين الواقع القائم، فعدم الاستجابة أو العجز عن تحقيق هذا التوازن، لا يعني العودة إلى نقطة الصفر فحسب، بل قد يؤدي إلى الإقصاء الكامل من المعادلة، لأن ما يجري اليوم ليس صراعا عابرا، بل عملية إعادة ترتيب شاملة لمستقبل الشرق الأوسط.
المسألة ليست مزاجية، بل هي نتاج صراع قوى كبرى وإقليمية، ويجب أن يحسم هذا الصراع بطريقة أو بأخرى، في هذا السياق، لا يمكن ركوب أكثر من سفينة في وقت واحد؛ فمن يختار مسارا لا يستطيع التراجع عنه بسهولة، والبحر من خلفه، العراق اليوم أمام خيارات معقدة: إن التحق بمحور، فمستقبل هذا المحور ذاته غير واضح، ومع ذلك تستمر بعض القوى في التفاوض لا باسم الدولة، بل باسمها وباسم أتباعها، فيما يدفع البلد كله ثمن هذه المقامرة.
الأخطر أن أي انحياز غير محسوب قد يجر تبعات قاسية؛ فالقوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لا تنسى من يضع نفسه في خانة الخصم، حتى وإن لم يكن الثمن فوريا أو عسكريا، بل سياسيا واقتصاديا، بما يؤدي في النهاية إلى إنهاك الدولة نفسها.
برأيي، الأطماع الخارجية أمر طبيعي في منطق السياسة الدولية؛ فكل دولة تمتلك مشروعا وتسعى لتحقيق مصالحها، لكن الكارثة الحقيقية تكمن في غياب المشروع الوطني الذي يحدد كيف يتموضع العراق داخل هذه الصراعات، وكيف يتماهى أو يوازن أو يعبر بأقل الخسائر.
الدول الأخرى وصلتها الرسائل بشكل ناعم ومدروس، أما العراق فقد وصلته الرسائل بشكل مكثف وصريح، عبر تصريحات علنية، وتغريدات، ورسائل مباشرة وغير مباشرة، مفادها: إما إنهاء هذا المسار، أو إنهاؤه بالقوة السياسية.
إعادة تشكيل النفوذ الدولي وغياب الدولة الوطنية
- الاستاذ احمد جويد/ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
اليوم، يشهد العالم حالة من الهيمنة الأمريكية في مواجهة الصعود الصيني، وتندرج قضية الشرق الأوسط ضمن هذا الصراع الأوسع على النفوذ الدولي، لا سيما مع تقاطع المصالح مع كل من الصين وروسيا، فالمنطقة باتت ساحة مركزية لإعادة ترتيب موازين القوة، كما كانت الحال سابقا حين سعى الاتحاد السوفيتي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي للوصول إلى المياه الدافئة.
اليوم، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى نقل ثقل قواعدها العسكرية ومراكز نفوذها باتجاه محيط الصين، مع العمل على السيطرة على مراكز التأثير الاقتصادي والمالي، ومحاولة شل حركة الاقتصاد الصيني.
وفي هذا السياق، أصبح الشرق الأوسط محطة رئيسية لإعادة ترتيب الأوراق بين واشنطن وإسرائيل، ولا سيما أن إسرائيل تعد القوة الأكثر استقرارا وأمانا من وجهة نظر الغرب، فالأنظمة الملكية في المنطقة، على سبيل المثال، لا تشكل تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل، وهي أنظمة تحرص تل أبيب على استمرار استقرارها، ولو أن العرب قبلوا منذ عام 1948 بمشروع التقسيم، لكان المشهد مختلفا اليوم؛ إذ كانت إسرائيل ستقبل بقيام دولة فلسطينية على جزء من الأرض، وربما استقر الشرق الأوسط في إطار تسوية مبكرة، حتى بعد عام 1967، كانت هناك فرص للتسوية، لكن مع كل تقدم إسرائيلي، كان التراجع العربي يتعمق، سواء على مستوى التحالفات أو التفاهمات أو حتى في البنى الداخلية للدول.
في المقابل، إسرائيل تمتلك طموحات كبيرة، وتدرك الولايات المتحدة أن معظم دول الشرق الأوسط تعاني من هشاشة وعدم استقرار، فالدول المؤثرة تاريخيا لم تعد على حالها؛ فالعراق، الذي كان يحسب له حساب كقطب إقليمي، تحول اليوم إلى ساحة نفوذ قابلة للاختراق والتدخل الخارجي في شؤونه.
وفي الداخل العراقي، يمكن ملاحظة ثلاثة محاور رئيسية: محور يسعى للتشبث بالسلطة بأي ثمن، ومحور آخر يطمح للوصول إلى السلطة بأي ثمن، ومحور ثالث كان يسعى إلى الاستقلال والسلطة لكنه تعرض لضربات داخلية وخارجية، فاكتفى بالحفاظ على ما تحقق له، ويتمثل هذا المحور بالقوى الكردية.
أما على المستوى السني، فهناك قوى ترى أن استعادة السلطة تمر عبر التحالف مع الولايات المتحدة، بل وتقديم وعود بالاعتراف بإسرائيل مقابل العودة إلى الحكم. وفي المقابل، ترى قوى شيعية أن البقاء في السلطة هو الهدف الأعلى، حتى لو كان ذلك على حساب الدولة، أو في ظل الحصار والضغوط المختلفة، وهذا الموقف يعد الأخطر على مستقبل العراق.
فالمعضلة الحقيقية ليست في الأطماع الخارجية بحد ذاتها، بل في غياب مشروع بناء الدولة. فالعراق، رغم تاريخه وموارده ونخبه، يعاني اليوم من دولة مهلهلة، لم تستثمر مواردها، ولم تفعل نخبها، ولم تحسن إدارة سياستها أو اقتصادها.
وفي هذا السياق، تبدو السياسة الأمريكية، ولا سيما خلال فترات حكم دونالد ترامب، محاولة لإنجاز مشروع سياسي وتاريخي سريع يحسب له، بينما يحاول الطرف الآخر الصمود لأطول فترة ممكنة بانتظار تغير المعادلات، وقد شكلت عودة ترامب إلى المشهد السياسي كابوسا لكثير من الأطراف التي بالكاد تجاوزت فترته الأولى، ولا يبدو أن رئيسا آخر سيكون أكثر صعوبة عليهم منه في المستقبل القريب، يبقى مستقبل الشرق الأوسط، والعراق في قلبه، مرهونا بقدرة الدول على بناء مشروع وطني حقيقي، قبل أن تجد نفسها مجرد أوراق في لعبة النفوذ الدولية.
وفي ختام الملتقى الفكري تقدم مقدم الورقة البحثية الاستاذ حيدر الاجودي بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع سواء بالحضور او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر الى الدعم الفني الخاص بالملتقى الفكري الاسبوعي.






اضف تعليق