من الواضح؛ أن الشعوب المتقدمة والناجحة، تلك التي تخترق جدار اليأس والاحباط، وتنطلق في عملية النهوض والبناء وتحقيق التقدم، بالاستفادة من تجارب وعبر التاريخ، فتسجل قفزات نوعية في مجالات عديدة، لذا فهي لن تبقى تحت تأثير صدمة الخسائر المادية والبشرية، مهما كبرت، لانها في الوقت الذي تقرأ التاريخ، وتدرس حياة الماضين وتجاربهم، تتطلع الى المستقبل والى الغد، وليس فقط الأمس واليوم.

ومن أشد ما نواجهه في الوقت الحاضر، انتشار حالة اليأس والاحباط من كل شيء، فالجميع لا يكاد يستشرف يوماً واحداً يلتمس فيه الأمل بالتغيير نحو الأحسن، والسبب في ذلك – باعتقاد البعض – وجود مجموعة تجارب تاريخية فاشلة واحداث سلبية تلقي بظلالها على الحالة النفسية والذهنية، مما يثقل على النفوس ويجمد العقول من فعل شيء ايجابي، علماً ان هكذا مآلات مما خبرته الكثير من شعوب العالم، حيث مرت بهزائم ونكبات، مثل الشعب الكوري الجنوبي والشعب الصيني والشعب الهندي والشعب الالماني وغيرهم كثير.

فما السبب في هذا التداعي الفكري والثقافي والتغافل عن الصفحات المضيئة من التاريخ وعدم الاستفادة من التجارب الناجحة؟.

ربما هنالك سببين من جملة أسباب تقف وراء شيوع هذه الحالة النفسية التي باتت تشكل اليوم عقبة كأداء أمام أي حراك او نهضة على أي صعيد في الامة، بغض النظر عن الحالة المناطقية والتقسيمات الجغرافية على الخارطة:

الأول: منطق القوة بدلاً من قوة المنطق

في كتابه "شهر رمضان شهر البناء والتقدم" لسماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- يتحدث سماحته عن اهمية دراسة التاريخ، وكيف انه "الوعاء الذي يخزن تجارب الامم والدول". و"لابدّ من الاقتداء بالآخرين الصالحين وأخذ العِبر من تجاربهم والاستفادة من نتائج أعمالهم". ويشير الى أنه "في شهر رمضان يتعطش المرء لدراسة السيرة النبوية ليعرف تاريخ المسلمين الأوائل، وكيف استطاعت الفئة القليلة من المسلمين ان تصنع أمّة مترامية الأطراف. ان تأثير الفكرة التي صدح بها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، كتأثير الحجر عندما يُرمى في وسط الماء، فانه يأخذ بالتموّج ويستمر هذا التموّج بقدر حجم الحجر، وشدة الرمية". ويؤكد سماحته ان اعتماد النبي الأكرم، على الفكرة والطرح الحضاري والانساني هو الذي جعل الاسلام يبسط جناحيه من أقصى المشرق وحتى أقصى المغرب، والفكرة او الافكار، هي بالحقيقة تعبير عن القيم والفضائل والمكارم التي بشر بها الاسلام.

نعم؛ كان السلاح الوسيلة – ضمن وسائل عديدة- لتحقيق الاهداف السامية، لكنه لم يكن الغاية بالمرة. حتى الغزوات التي خاضها المسلمون الأوائل، كانت بصفة دفاعية، وهذا ما يتفق عليه الباحثون والمؤرخون.

هذه المسيرة الحضارية، لم تتوقف وتتعثر إلا بعد ظهور عصر الاستعمار في البلاد الاسلامية، حيث بدأ منطق القوة والقسوة يفرض نفسه ويصنع الحدث والواقع، ومردّ هذا الى عاملين؛ الاول: السياسات القمعية والدموية التي اتبعها الاستعمار مع الشعوب، والثاني: ما قامت به الانظمة السياسية التي بديلاً عن الاستعمار في حكم البلاد والعباد، فكان الرد مماثلاً في بعض الاحيان من الشعوب، ثم كانت المواجهة غير المتكافئة والدماء والتضحيات التي قدمتها الشعوب.

وعند هذه النقطة السلبية تحديداً يتوقف الكثير، ويبدأوا الحديث المتشائم عن جدوائية الإصلاح والتغيير، عندما يكون السلاح والمال وشراء الذمم، القوة الفاعلة في الساحة، بينما نلاحظ تأكيد سماحة الامام الشيرازي على أن "الفكرة هي القادرة على بعث الموج وليس السيف. وهذه فكرة هامة نستنتجها من قراءة التاريخ خصوصاً في أيام شهر رمضان، وإذا ما أردنا العودة إلى قوة الإسلام ومنعته، فلابدّ وان نأخذ بأسباب القوة. وإذا أردنا ان نخرج من دائرة الانحسار وننطلق في الميادين العمل المنتج لابدّ وان نبدأ من حيث بدأ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بدأ بالفكرة وليس بالسيف".

وبالتأكيد؛ عندما يعتمد الناس على منطق القوة ويعدونه وسيلة الانتصار الوحيدة، ثم يفقدونها ويعجزون عن امتلاكها، تكون الصدمة العنيفة والانتكاسة، ومن ثم اليأس الكامل.

ثانياً: الصورة النمطية من صنع السلطة

على طول التاريخ، كان هنالك خطان في الامة؛ خط المعارضة والإصلاح، وخط الإبقاء على الواقع الفاسد(المحافظ)، وفي الوقت الذي يكون الخط الاول على طريق الثورة والتضحية، فان الخط الثاني يتسم بالخضوع والاستسلام والحرص على المصالح الخاصة، وهو نفسه يمثل رموزاً في السلطة ومن طلاب المناصب والامتيازات، ومن أجل أن يغطي هذا الخط على موقفهم السلبي المفضوح، فانهم يطلقون التهم ضد الخط الاول، من قبيل أن هؤلاء "فوضويون" او "خارجون عن الإجماع" او "باحثون عن دور وسط الدماء"، وغير ذلك كثير.

ويشير الكاتب المصري "فهمي جدعان" في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الاسلام"، الى حقيقة أن "الشيعة"، وبالرغم من "أنهم مضطهدون وأئمتهم مشردون، ووجودهم السياسي والاجتماعي غير مشروع، وقد اصابتهم كوارث ماحقة منذ خروج الخلافة من آل البيت، ومقتل الامام علي والامام الحسين، عليهما السلام، مع ذلك فان الفجيعة لديهم لم تولد يأساً، وانما ولدت أملاً رأوه في حتمية مجيء الامام المهدي، ليعيد الحق الى نصابه".

هذه الروح الثورية العالية والثقة بالنفس،هي التي واجهت الضغوط النفسية وحتى السياسية والاجتماعية، منذ العهد الاموي ثم العباسي، مروراً بالحكام الذين تواتروا على البلاد الاسلامية، وحتى يومنا هذا، فقد شهد التاريخ الشيعي نهضات كبرى، ليس فقط على الصعيد السياسي، وإنما هنالك نهضات علمية وثقافية وفكرية عارمة سجلوها في تاريخ الامة، وكان لها الاثر الكبير في نضوج تجارب ثورية وعلمية، فقد كان للشيعة الفضل في النهضة العلمية منذ عهد الامام الصادق، عليه السلام، وحتى في القرون التي تلت، وفي مجالات العلوم الدينية والفلك والهندسة المعمارية وغيرها. كما لهم كبير الفضل في النهضة الادبية وايضاً السياسية في أمثلة عديدة أشرنا اليها من مقالات سابقة.

هذه التجارب المضيئة، طالما سعى الخط الثاني من المتخاذلين والمصلحيين لتغييبه، بل وتشويهه وإبعاده عن الاذها، لئلا يكون نموذجاً تاريخياً يحتذى به او نقطة بداية لانطلاقة جديدة، وهذا لم يتوقف حتى اليوم، ونلاحظه اليوم في العراق جليّاً حيث هنالك أطراف عديدة تسعى باشكال مختلفة لأن تصور التجربة السياسية الجديدة على أنها مسكونة بالفشل وهي سبب للكوارث والازمات الخانقة. ولعل أول المستهدفين في هذا المجال، هم علماء الدين والحوزة العلمية لما لها من نصيب وافر في النجاحات التاريخية التي أشرنا اليها آنفاً.

وهذا يستدعي اليقظة والحذر الشديدين من خسارة رصيد ضخم من التجارب التاريخية أمام مؤامرات ودسائس تحاك في أقبية مخابراتية وسياسية في المحيط الاقليمي والدولي لتكريس المزيد من اليأس والاحباط والشعور بالهزيمة في نفوس العراقيين، وذلك من خلال دراسة تاريخ الناجحين وتجاربهم الباهرة، واستثمارها لما يفيد تغيير الواقع الفاسد ما أمكن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1