التقوى هي فضيلة وسلوك الإنسان والتزام اتجاه الله واتجاه مخلوقاته، ويترجم ذلك في أداء واجباته تجاه ربه، ووالديه، ووطنه ومجتمعه. والتقوى هي أيضا ذلك الحب والاحترام الصادقين وهي دعائم الدين والإيمان التي تتجلى في سلوكيات الإنسان وتصرفاته، كما أن التقوى هي تلك التضحيات التي نقدمها للوالدين وللآخرين دون انتظار المقابل.

يتغير مفهوم التقوى من دين ومعتقد لآخر إلا أن مضمونها وأساسها واحد، يدعو في مجمله إلى السمو بالجانب الروحي والسلوكي للإنسان حتى يسمو بذلك إلى أعلى المراتب عند ربه وبين بني جلدته، إن تقوى الله هي أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهي سفينة النجاة يوم القيامة إنها التزام طاعة الله وطاعة رسوله، إنها سلوك طريق نبينا المصطفى ووضع الدنيا على القفا، إنها علم وعمل، والتزام بأداء ما فرض الله واجتناب ما حرم الله سبحانه وتعالى فهذا هو طريق الفلاح والنجاح.

والتقوى كما يؤكد العارفون في هذا الشأن، وكما هو معروف لكل شأن وفيصل من فصول الحياة أناس مختصون به عارفون له ولأسراره وخصائصه، وأهل التقوى والعارفون بها يقولون إنها الخوف من الجليل وإتباع التنزيل والاستعداد ليوم الرحيل، إن التقوى هي أداء الواجبات والفروض واجتناب المحرمات، فمن التزم بها كان من أحباب الله وأحباب رسول الله صلى الله عليه وآله.

ولا يتخفى على أحد تلك المنزلة العظيمة التي أولاها الله للتقوى، فهي المعيار الذي يكرم الإنسان به أو العكس، كما ورد ذلك في نص قرآني كريم: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، فيما يقول الرسول الكريم (ص): إن أولى الناس بي يوم القيامة المتقون من كانوا وحيث كانوا.

هذه هي مكانة التقوى بالضبط، حيث يكرم لله سبحانه وتعالى عباده المتقين عند الحشر وفي مواقف القيامة، فهم لا يخافون عندما يخاف الناس ولا يحزنون عندما يحزن الناس وهم يحشرون وهم لابسون راكبون يأتيهم رزقهم من خالقهم ومالكهم، يقول الله عز وجل: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾ ويقول تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. وبالتقوى ينجو الإنسان من الشدائد، وتزول الشبهات، ويجعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وييسر له الرزق من حيث لا يحتسب، يقول سبحانه: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب*ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾.

ماذا تعني التقوى لغوياً؟

أما في الحديث عن معناها اللغوي فإن التقوى مأخوذة من وقى وقاية وهي أن تجعل بينك وبين عذاب الله عز وجل وقاية وهي الحاجز، وذلك بفعل الواجبات وترك المحرمات. والتقوى درجات أعلاها فعل الواجبات وترك فضول المباح وتجنب المحرمات والشبهات والمكروهات والورع عما تخشى عذابه في الآخرة. وأدناها فعل الواجبات وترك المحرمات

وهكذا فإن مفهوم التقوى، يؤكد على أن الإنسان كلما كان أكثر تقوى، كلما كان أكثر ابتعادا عن الوقوع في الخطأ، بمعنى أوضح أن التقوى تساعد الإنسان على التعامل مع الواقع بطريقة حيادية، تبعده عن الزلل، في حين يحدث العكس تماما، إذا افتقر الإنسان الى التقوى، إذ تكثر أخطاؤه ومساوئه، ثم تكثر المشكلات التي يواجهها وتتعاظم وقد تصل الى تدمير حياة الإنسان وشل تفكيره ونشاطه وبالتالي تفقده النجاح والسعي نحو الأفضل.

وهكذا يدل مفهوم التقوى على قرب الإنسان من الصدق في التعامل مع الوقائع، وبهذا تبنى شخصية الفرد على الحيادية الناجحة، ليس بمعنى الصمت عن الأخطاء او الزلل او التجاوز على الحق، وإنما محاولة تجنب المشاكل وحالات الاختلاف التي قد يكون سببها التطرف والابتعاد عن الوسطية، لذا ينبغي التمسك بقيمة التقوى لكي يتحقق شرط الصدق، كما نقرأ ذلك في الآية الكريمة التي تقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين).

ومن بين ما يتحقق أن النفس التي تنتهج التقوى وتفوز بها وتنميها وتحرص على إدامتها، سيكون حامل تلك النفس صادقا مع وربه ومع الآخرين جميعا، وهو بذلك يسهم بنشر السلوك القويم والفكر السليم الذي يساعد على بناء مجتمع واع متطور وقائم على القيم السليمة التي تساعد على الإبداع ومن هذه العوامل المساعدة على الاستقامة والصلاح التقوى التي تجعل الإنسان صادقا وناجحا في تعامله مع واقعه وما يستجد فيه من أحداث وتطورات، فتسود مثل هذه العلاقات الاجتماعية بين الناس وهي ترتكز على أصول وقواعد ثابتة كالتقوى.

التقوى تجعل الإنسان أكثر إنصافا

ويؤكد الواقع السلوكي والفكري للأمم المتطورة أن جميع الخصال الجيدة تسهم في صناعة الشخصية غير المنحازة، بمعنى التي تتعامل وفق معايير العدل والمساواة مع الجميع، ولعل هذه الشخصية تسهم بدورها في بناء مجتمع متكامل وغير منحاز أيضا، لذلك إذا توافرت التقوى عند الناس فإن هامش الخطأ سوف يكون قليلا الى أدنى حد.

وهذا يسهم الى حد كبير في جعل الإنسان أكثر إنصافا للآخرين حيث يحرص على علاقات رصينة متكافئة عادلة معهم، فكلما كان المجتمع ذا تقوى متكاملة كان صادقا في التعامل والانجاز، ومن ثم منصفا، لا يتعرض أفراده للغبن في الحقوق ولا في مضاعفة الواجبات، وبهذا يكون إسهام التقوى في استقرار العلاقات الاجتماعية هو الاشتراط الأهم.

فهل أن التقوى تساعد الأمة على الانتقال الى مرتبة المجتمعات المتقدمة، الجواب نعم، لأن التفكير المتحضر يقوده الى أعلى المراتب، وان الصدق سيكون نتيجة حتمية للتقوى والإنصاف، ويبني الشخصية التي تعتمد الإيثار والتضحية من اجل الآخر، أما في حالة غياب التقوى أو ضعفها بين أفراد المجتمع، فإن النزعة الأنانية ونزعة تفضيل النفس وظاهرة الاستحواذ، سوف تصبح هي الصفات المؤسفة في المجتمع، وسوف يتعرض الضعفاء في هذه الحالة الى غبن كبير، لان قيمة التقوى تغيب او تضعف، وفي هذه الحالة يغيب الحس الإنساني والوازع الذاتي والضمير في مراقبة ومحاسبة النفس، وفي مثل هكذا مجتمعات، سوف يغيب العدل ويتنحى القانون جانبا، فضلا عن ضعف الرادع الذاتي أصلا، وهكذا يتحول مثل هذا المجتمع الى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، ويموت فيها الفقير تحت أقدام الغني، أما إذا دعم الإنسان نفسه بالتقوى فلا مخافة عليه، حيث يسود العدل وينحسر الظلم كثيرا.

وعندما تكون التقوى حاضرة وقوية سوف تضبط حركة المجتمع وعلاقاته، وستكون بمثابة صمام الأمان، لعدم انزلاق الفرد والمجتمع في دوامة الغرائز والشهوات وتحبيذ الجاه والسلطة والظلم، في ظل غياب الرادع الوضعي والديني والذاتي في وقت واحد، لذا لابد لعقلاء القوم والحكماء فيه، لاسيما قادة النخب ورجال الدين والمعنيين بأمر المجتمع، ان يسعوا جميعا الى بث روح التقوى بين الجميع، بالوسائل والطرق المتاحة، خلاف ذلك سوف يتعرض المجتمع الى أزمة أخلاقية سلوكية وفكرية تنعكس نتائجها على الأداء المجتمعي المتواضع من حيث المستوى والمضمون، في حين تُسهم التقوى - إذا ما أصبحت منهجا سائدا- بجعل العلاقات والأنشطة كافة ضمن إطار المسموح به فتنتج عن ذلك أسس العلاقات المتوازنة التي تحافظ على صناعة الأمة المتقدمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0