يعيش الشباب اليوم في فيض من صور الحياة المثالية والرفاهية المطلقة عبر منصات التواصل، هذه المقارنات تولد سخطاً دفيناً على واقع الأسرة المادي أو الاجتماعي، وتخلق اندفاعاً للهروب بحثاً عن تلك الجنة الوهمية المعروضة خلف الشاشات... والحل يبدأ باستبدال اللوم والتوبيخ بجلسات المساءلة العقلانية وتحميلهم مسؤوليات كاملة توقظ لديهم الضمير والالتزام...

يتسكعون في المقاهي إلى ساعات متأخرة من الليل، أو في ملاعب كرة القدم وقاعات الألعاب الإلكترونية، أو التجول في السيارات لساعات طويلة من اليوم، بدون وقت للراحة والنوم الصحي ولا الاختلاط بالعائلة بالشكل الذي يجعل الالتزام الفردي تجاه العائلة غائباً، ولا حتى مساعدة الوالدين في إنجاز بعض مهام المنزل الثقيلة إذا ما أُلقيت على الأب أو الأم لوحدهما، والتبرير أنهم شباب وهذا وقت راحتهم أو وقت فسحتهم في الحياة؛ هذه أبرز ملامح الكثير من الشباب في عالمنا المعاصر، فما هي تداعيات تخبط الشباب؟ وكيف يمكن تحميلهم مسؤولية أنفسهم على أقل تقدير في المستقبل؟

يتساءل الكثيرون من الآباء والمختصين الاجتماعيين على حد سواء، عن سبب قلة قدرة جيل الشباب الحالي على تحمل المسؤولية، فكثيراً ما يتم تسليط الضوء على الاتكالية، والتملص من الالتزامات طويلة الأمد، وضعف القدرة على مواجهة الضغوط الحياتية البسيطة، بوصفها سمات مميزة لسلوك العديد من الشباب اليوم للأسف.

في المقابل يدافع الشباب عن أنفسهم بأنهم ضحايا لعالم معقد ومتسارع ومليء بالمتغيرات الفائقة التي لم تِتح لهم فرصاً حقيقية لتمكين الذات، بين لوم الكبار واحتجاج الصغار تبقى الفجوة في التفكير بين العقليتين قائمة، وحينها ينفرط عقد التفاهم سيما مع كون الشباب متمسكين بآرائهم مما يعقد مهمة الاتفاق على خط للسير المشترك.

شهادة من الواقع

تخبرني إحدى الأمهات أن ابنها البكر يقضي أيامه في دوامة مستمرة بين وظيفته وبين الخروج شبه اليومي مع أصدقائه والبقاء لأوقات متأخرة في هذا المكان أو ذاك، وعند عودته إلى المنزل يخلد إلى النوم لساعات قصيرة ويعود إلى عمله أو أنه يلهي نفسه بعيداً عن العائلة، وهو ما يجعل وجوده في المنزل شبه منعدم مما يجعلها في موضع إحباط وقلق من قدرته على تحمل مسؤوليته وعائلته في المستقبل سيما وأنه على أبواب زواج كما تقول.

ما هي الآثار الناتجة عن التخبط؟

الآثار التي ينتجها عدم ارتباط الأبناء بمنازلهم وعوائلهم كثيرة من أبرزها:

تدهور الجانب الصحي والنفسي: فحين يسهر الإنسان بصورة متكررة فإن ذلك سينال من جرف صحته الجسمانية وحتى النفسية، فيصبح إنساناً عصبياً مستفزاً وناحلاً، وبالتالي قد يصبح غير اجتماعي وانطوائياً.

الهدر المالي الباهظ: يترتب على ذلك هدر كبير للدخل الذي يحصلون عليه، لا سيما مع كون الأموال لا تأتي بلا جهد، وهذا الجهد يؤخذ من رصيد صحتهم، وبالتالي تُهدر الأموال بصورة مؤسفة.

الانفصال عن الواقع: العيش في حياة أناس غيرهم، وهو ما يجعلهم مرهقين باستمرار نتيجة الانفصال عن البيئة الحقيقية التي يجب أن يرتبطوا بها.

دوافع الهروب من المسؤولية

حتماً هناك ثمة دوافع نفسية تجعل من الشباب يتصرفون على هذه الشاكلة غير المسؤولة، ولعل من أبرزها ما يلي:

1. البحث عن الاستقلالية الخاطئة: حيث إن الشباب تتضخم لديهم "الأنا" فيميلون إلى الرغبة في التحرر من القيود، سيما إذا كانت التربية قائمة على الخنق التام ومنع إبداء الرأي أو تسخيف الرأي وعدم احترامه، قد يرى الشاب في الهروب إثباتاً متطرفاً لقدرته على الاستقلال وإدارة حياته بنفسه.

2. غياب الوعي بالعواقب: عدم وعيهم بعواقب الخروج المستمر من المنزل من النواحي الأسرية، فهم ينزوون تدريجياً من أسرهم ويحاولون تقليل الارتباط بها لتخفيف الأعباء والمشكلات التي تنتجها الأسرة كما يعتقدون.

3. الإغواء الرقمي والمقارنات الوهمية: يعيش الشباب اليوم في فيض من صور الحياة المثالية والرفاهية المطلقة عبر منصات التواصل، هذه المقارنات تولد سخطاً دفيناً على واقع الأسرة المادي أو الاجتماعي، وتخلق اندفاعاً للهروب بحثاً عن تلك الجنة الوهمية المعروضة خلف الشاشات.

خارطة الطريق: كيف نعيدهم إلى صوابهم؟

رفع المساعدة المالية غير المشروطة: أول ما يجب فعله من الوالدين هو رفع المساعدة المالية غير المشروطة عنهم، وعدم القيام بالواجبات التي يجب عليهم القيام بها لئلا يصبحوا اتكاليين، وبالتالي يواجهون الفشل في المستقبل حين يوضعون بمواجهة أي تحدٍ صغير كان أو كبير، والأفضل تحميلهم المسؤوليات التي تناسب أعمارهم.

إسناد المسؤوليات الكاملة والجماعية: ومن الأهمية بمكان أن يتم إسناد إليهم مسؤوليات كاملة عن أمر معين مثل التسوق للمنزل ويجب عليه الالتزام، كما يجب أن يشعر أن تقصيره في هذا الأمر سيتسبب في مشكلة حقيقية للمجموعة، مما يوقظ لديه الضمير والالتزام ضمن محددات المجموعة.

جلسات المساءلة العقلانية البديلة: يجب استبدال اللوم والتوبيخ بجلسات المساءلة العقلانية، فالتسلط يضع الشاب في موقف دفاعي أو يدفعه للهروب مجدداً، والأفضل تحويل الحوار إلى جلسة تقييم ومساءلة موضوعية، وبهذه السلوكيات يمكن أن يحيد الشاب عن طريق اللامسؤولية إلى طريق المسؤولية والانضباط وهذا هو المراد.

اضف تعليق