دائمًا ما نرى التأثيرات السَّلبية للضغط النفسي على رفاهنا الجسدي والنفسي متجسِّدة في مجتمعنا. لكنَّنا لسنا مجبرين على التأثُّر بهذه الرسائل. إذ نستطيع بدلًا من ذلك أن نختار إعادةَ تشكيلِ الطريقة التي نرى بها التحديات التي نُواجهها، ونتبنَّى طريقةَ تفكير أكثرَ إيجابية إزاء الضغط النفسي. الأشخاص الذين يَمضون...

لا سبيلَ لتحاشي الضغط النفسي. كلُّنا نمرُّ بمتاعبَ يومية مزعجة، مثل الاضطرار للانتظارِ في صف طويل، والتعامل مع زملاء مُزعجين في العمل، والشعور بالإنهاك من قائمةِ واجباتٍ لا تنتهي. لا يمكن أن نَمحو كلَّ ما يُسبِّب الضغطَ النفسي من حياتنا. لكننا نملِك الكثيرَ من السيطرة على الطريقة التي نرى بها ما يواجهنا من تحدياتٍ أو الطريقة التي نَصوغها بها.

هذه بعض الاستراتيجيات التي يمكن أن تُجرِّبوها للتعامل مع هذا الضغط النفسي بطرقٍ أفضلَ وتقليل آثاره السلبية على الجسم.

الاسترخاء

يؤدي الضغط النفسي إلى تبعاتٍ سيئة على الصحة لأنه يُحدِث استثارةً فسيولوجية تؤدِّي إلى استنزافِ الجسم مع الوقت. لكن التعوُّد على إبطال الاستجابة الطبيعية للجِسم تجاه التحديات من الممكن أن يُساعدَ على الحدِّ من الاستثارة، وبذلك يحول دون الآثار السلبية للضغط النفسي، أو يحدَّ منها على الأقل. تعلُّم أساليب تهدئة الذهن والجسم من الممكن أن يُسهِم إسهامًا كبيرًا في تقليل الآثار السلبية للضغط النفسي على ضغط الدم ومعدَّل نبضات القلب وتقلُّص العضلات.

أساليب التنفُّس العميقِ من مناهج الاسترخاء البسيطة التي تهدف إلى مساعَدة الناس على إعادة أجسادهم لحالة من الراحة والاسترخاء. خلال أوقات الضغط النفسي، يَصير معدَّل تنفُّسنا بطبيعةِ الحال أسرعَ وأقل عمقًا. لكنَّ إمعان التركيز على التنفُّس بعمقٍ وملء الرئتين بالأكسجين يساعد الجسمَ بأكمله على الاسترخاء، وبذلك يحدُّ من الاستثارة. فالجنود الذين يعودون من الخدمة في الحرب ومعايشة صدمات القتال يُبدون مستوياتٍ أدنى من القلق بعد أسبوع واحد فقط من التمرين المكثَّف على التنفس.

عند استخدام أسلوب انبساط العضلات التدريجي، يركِّز الناس على قبض كل جزء من الجسم عمدًا ثم بسطه (اليدين والكتفَين والساقين … إلخ) واحدًا تلوَ الآخر. وهذا يساعد الناس على تعلُّم التمييز بين حالة الانقباض وحالة الاسترخاء، وهو مفيد جدًّا من أجل الحفاظ على الهدوء في أي موقفٍ مُثير للضغط النفسي تقريبًا.

التخيُّل الموجَّه هو نوع محدَّد من أساليبِ الاسترخاء التي تقرن بين الاسترخاء الشديد للعضَلات وصورةٍ مبهجة محدَّدة. يهدف هذا النهج إلى مساعدةِ الناس على الاسترخاء جسديًّا وتركيز أذهانهم على شيء غيرِ مُسبِّبات الضغط النفسي على وجه الخصوص.

بل ومن الممكن أن يساعد التدرب على أساليب الاسترخاء الناسَ على السيطرة على الضغط النفسي الناشئ عن مُسبِّباتٍ بالغة الخطورة، بل وتُهدِّد حياتهم. فعلى سبيل المثال، النساء المصابات بسرطان الثدي اللواتي يتلقَّين تدريبًا على الاسترخاء يُفدن بمستوياتٍ منخفِضة من الاكتئاب، والمصابون بمرض القلب التاجي الذين يتلقون تدريبًا على الاسترخاء أقل عرضة للدخول في نوبة قلبية بعده.

إذا وجدت نفْسك تشعر بضغطٍ نفسي دائم إزاء الأمور الصغيرة أو الكبيرة في حياتك، تعلَّم الاستراتيجياتِ التي تُساعد على تهدئة جسمك — وذهنك. يوجد على الإنترنت العديدُ من أساليبِ ممارسة الاسترخاء. كما أنني في الفصل الثامن، «غيِّر سلوكك لتتغيَّر به طريقة تفكيرك»، سأشرح التأمُّل، وهو استراتيجية خاصة من استراتيجيات الاسترخاء التي تؤدِّي إلى رفاهٍ أفضلَ نفسيًّا وجسديًّا.

غيِّر طريقة تفكيرك حيالَ الضغط النفسي

دائمًا ما نرى التأثيرات السَّلبية للضغط النفسي على رفاهنا الجسدي والنفسي متجسِّدة في مجتمعنا. لكنَّنا لسنا مجبرين على التأثُّر بهذه الرسائل. إذ نستطيع بدلًا من ذلك أن نختار إعادةَ تشكيلِ الطريقة التي نرى بها التحديات التي نُواجهها، ونتبنَّى طريقةَ تفكير أكثرَ إيجابية إزاء الضغط النفسي.

الأشخاص الذين يَمضون في الحياة بنظرةٍ إيجابية، مهما قابلتهم الحياة بمُكدِّرات، يؤدُّون هذا النوع من إعادة النظر فطريًّا، وهي آلية جيدة نوعًا ما لتقليلِ الآثار السلبية لتلك التجارب. يُوضِّح ذلك أيضًا لماذا هم أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب بعد الأزمات التي تَعصِف بحياتهم.

بيْد أن مجرَّد تغيير الطريقة التي ترى بها الضغط النفسي من الممكن أن يكون له أثرٌ كبير. فالناس الذين يتعلَّمون استراتيجياتٍ للتفكير في الضغط النفسي بأسلوبٍ أكثر تكيُّفًا — باعتباره مصدرًا للطاقة والإلهام، وليس متعبًا ومُستنزفًا فقط — يَبدون بحالة نفسية وجسدية أفضل. فمثلًا طلبة الجامعة الذين يطَّلعون على فوائدِ الضغط النفسي، مثل أن الضغط النفسي يزيد الاستثارة فيؤدي بذلك لأداءٍ أكاديمي أفضل، يُظهِرون مستويات أدنى من القلق من مادة الرياضيات ويحصلون على درجاتٍ أفضل فيها. يُقلِّل هذا النوعُ من إعادة الرؤية من الضغط النفسي القلبي الوعائي واستنزافه العام للجسم.

وإليكم مثالًا بسيطًا على الفوائد العملية لتغيير طريقةُ تفكيرنا إزاء الضغط النفسي. كلَّف الباحثون في إحدى الدراسات الموظَّفين في مؤسسةٍ مالية كبيرة بمشاهَدة واحدٍ من اثنين من الفيديوهات. فشاهدت مجموعةٌ من الناس فيديو حول استنزاف الضغط النفسي؛ حيث وصف هذا الفيديو جوانبَ ضارة شتَّى للضغط النفسي، منها أنه يسفِر عن أداءٍ هزيل في العمل وتبِعات سلبية على الصحة. وشاهدت المجموعة الأخرى فيديو عن الأثر التحفيزي للضَّغط النفسي؛ إذ وصف هذا الفيديو فوائدَ الضغط النفسي في تعزيز الإبداع والإنتاجية وجهاز المناعة.

وكما توقَّع الباحثون، كشف الأشخاص الذين شاهدوا فيديو الأثر التحفيزي للضغط النفسي عن فوائدَ كبرى. إذ أدلوا بتحسُّن أدائهم في العمل، وأفادوا بمستوياتٍ أدنى من القلق والاكتئاب.

إننا لا نملك السيطرةَ على ما تضعه الحياة في طريقنا، لكن بإمكاننا جميعًا أن ندأب على إعادةِ رؤية المواقف الصعبة باعتبارها تحديات، وليس تهديدات. ولهذا التحوُّل في طريقة التفكير فوائدُ كبرى لصحتنا النفسية والجسدية.

تعوَّد الرِّفق بالذات

إحدى أسهل الطرق التي نستطيع بها السيطرةَ على الضغط النفسي، مع الحد من آثاره السَّلبية على الصحة، هي أن نمنح أنفسنا مهلةً فحسب. كما أوضحت في الفصل الأول، الأشخاص الذين لديهم مستوياتٌ مرتفعة من الرفق بالذات، وأقصد هنا المَيل إلى معاملة النفس بحنانٍ وعطف، يرون الأحداثَ السَّلبية رؤيةً أقل فظاعة. فإنهم أقلُّ مَيلًا للوم أنفسِهم عند وقوع الأحداث الرديئة، وهو ما يُقلِّص بدوره من شعورهم بالضغط النفسي.

إن الأشخاص الذين يلتمسون لأنفسهم الأعذارَ عند وقوع الأحداث السيئة أفضلُ قدرة أيضًا على مقاومة الأمراض البسيطة والخطيرة. للتحقُّق من فوائدِ الرفق بالذات على الحالة الصحية في إحدى الدراسات، طلب الباحثون من الناس تقييمَ تقبُّلهم لعيوبهم وأوجه قصورهم ثم الخضوع لاختبارٍ للضغط النفسي. بعد ذلك قاسُوا مستوى الالتهاب لدى المشاركين، وهو واسمٌ فسيولوجي للضغط النفسي مرتبِط بأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان وألزهايمر.

وقد كشفت النتائج التي توصَّلوا إليها أن الأشخاصَ المتدنيين في مستوى رفْقهم بذواتهم لديهم مستوياتٌ أعلى من الالتهاب حتى قبل الخضوعِ لاختبار الضغط النفسي، مما يُشير إلى أن هؤلاء الأشخاص في الأساس يَمضون في الحياة شاعرين بقدرٍ أكبرَ من الضغط النفسي. كذلك ظهر لدى الأشخاصِ القليلي الرِّفقِ بذواتهم مستوياتٌ أعلى من الالتهاب بعد اختبارِ الضغط النفسي، وهو ما يشير إلى أنهم يتفاعلون بطرقٍ سلبية مع مكدِّرات الحياة اليومية. ومن الممكن مع الوقت أن يؤثِّر افتقارهم للرِّفق بالذات سلبًا على حالتهم الصحية، بل وأعمارهم أيضًا.

ولذا، إليكم طريقة سهلة لتصير أكثرَ سعادة وبحالة صحية أفضل: التمسْ لنفسِك بعض الأعذار. فلتغفِر لنفسِك، واعطفْ عليها، وعامِلها بعناية وحنان.

* مقتبس بتصرف من كتاب التحول الإيجابي: تحكم في طريقة تفكيرك وانعم بالسعادة والصحة والعمر المديد، للمؤلفة: كاثرين إيه ساندرسون، أستاذة علم النفس في أمهرست كوليدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية

اضف تعليق