بقلم: كاثرين ساندرسون

كنتُ قد ألقَيت خطابًا حول علم السعادة في مؤتمرٍ ضخم للخدمات المالية، حيث كان بوسع الجمهور حضورُ ما يَختارون من عدة عروض تقديمية في مواضيعَ شتَّى. في نهاية محاضرتي، جاءتني امرأة لتُخبرَني كم استمتعت بها. ثم قالت: «لا أكذِبك قولًا، لقد كدتُ ألا آتي لمُحاضرتكِ، لأنني تصورت أنني سأبغضها تمامًا.»

كان قولها، كفى أن أقول إنه لم يكن مُتوقَّعًا. من ثَم فقد شكرتُها على إطرائها غير المألوف وسألتها لماذا كانت توقُّعاتها بتلك السلبية.

فأجابت قائلة: «إنما تصوَّرت أن أي شخص يتحدَّث عن السعادة لمدة ساعة سيقتصر حديثه على أقواسِ قُزَح والهِرَرة، وأنني مع انتهاء الساعة سأرغب في خنقكِ.»

استهللتُ هذا الكتاب بتلك القصة للتدليل على مبدأ رئيسي سأظلُّ أعود إليه مِرارًا في الصفحات المقبلة. لا شك أن هناك من الناس مَن هم سعداء بطبيعتهم ويرون العالَم على الدوام رؤيةً يَغلِب عليها الجانب الإيجابي؛ هؤلاء هم الناس الذين يرون الحياةَ وردية مليئة ﺑ «الهررة وأقواس قُزَح». إن كنتَ من أولئك الناس، فهنيئًا لك … والحق أنك لستَ بحاجة إلى هذا الكتاب؛ لأنك غالبًا تقوم بالفعل بالأشياء الصحيحة للحصول على السعادة والعافية.

للأسف، لستُ واحدة من هؤلاء الناس. فالأشياء التي تُثير قلقي كثيرة جدًّا. هل ستفوتُني رحلة الطيران بسبب هذه الزحمة المرورية؟ هل هذا الألم الذي في معِدتي عرَضٌ من أعراضِ السرَطان؟ هل سيستطيع ابني بدرجاته المُتواضِعة الالتحاقَ بالجامعة؟ إنَّ ميولي الفِطرية بكل صراحة ميولٌ كئيبة وتشاؤمية — تكاد تكون النقيض لمنظور الحياة الوردية.

كيف استطعت إذن أن أؤلِّف كتابًا عن استراتيجيات العثور على السعادة؟ سؤال وجيه!

خلال العشرين عامًا الماضية، درَّست فصولًا وأجريت أبحاثًا تَتناول موضوعاتٍ متنوعة في علم النفس. فجانب من وظيفتي أن أقرأ بانتظام الدراسات العلمية لأظل مطَّلعة على آخرِ الاكتشافات في مجالي. وعلى مدار خمس السنوات الأخيرة تقريبًا، كانت أهم الأبحاث وأكثرها إثارة تردُ مِن مجالٍ ناشئ يُطلَق عليه علم النفس الإيجابي، يتحرَّى العوامل المُؤدية إلى الرفاه النفسي والجسدي. وفيما يلي جانبٌ من الاكتشافات المذهلة التي توصَّل إليها الباحثون في هذا المجال:

- قضاء الوقت على «فيسبوك» يجعلُنا نشعر بالحزن والوحدة.1

- العقاقير الباهظة التي تَحمل علاماتٍ تجارية أفضلُ أثرًا في تخفيف الآلام مقارنةً بالأدوية التي لا تَحمل علامة تجارية، حتى في حال احتوائها على المكوِّنات نفسها.2

- وضعُ الهاتف المحمول على الطاولة يحدُّ من جودة التواصل.3

- المرضى المقيمون في غرفةٍ بمُستشفًى يُطلُّ على منظر طبيعي يتعافون من الجراحات أسرعَ من أولئك الذين لا تتسنَّى لهم هذه الفرصة.4

- مَن لديهم توقُّعات إيجابية عن الشيخوخة يعيشون أكثرَ ممن لا يتمتَّعون بها سبع سنواتٍ ونصف في المتوسط.5

حين أردتُ المواءمة بين الأبحاث التي انتقيتها كي أعرضها على طلابي، ازددتُ قناعةً بأن هذه الاكتشافات التي تبدو متباينةً إنما تُشير إلى مسألةٍ بسيطة بحق: الأحداث الخارجية لا تُملي سعادتنا في حياتنا اليومية، وحالة صحتنا البدنية، ولا حتى المدة التي نحياها، وإنما يتوقَّف كل ذلك على الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا.

لماذا يجعلنا قضاء الوقت على «فيسبوك» ساخطين؟ لأننا نقارن حياتنا بحياة الآخرين، وأغلب الناس لا ينشرُون سوى الجوانب الإيجابية من حياتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا يجعلنا نعتقد أن الآخرين تأتيهم الأحداث الرائعة على الدوام — أطفال ناجحون، ورحلات مذهلة، وحياة مِهَنية مُبهِرة، وما إلى ذلك. فلا يبدو أن حياتنا على المستوى نفسه.

لماذا تعطي العقاقير الباهظة ذاتُ العلامات التجارية نتائجَ أفضل من تلك الزهيدة التي لا تحمل علامةً تجارية؟ لأننا نعتقد أن الأدوية الباهظة ستكون أنجعَ من نظيرتها الرخيصة، ويجعلنا هذا الاعتقاد نتصرَّف على نحوٍ يُشعِرنا بأننا صرنا أفضلَ جسديًّا. فإذا كنت على وشْك الخضوع لإجراء طبي على سبيل المثال، وكنت قَلِقًا إزاء الألم، فإن تلقِّي عقَّار تعتقد أنه سيُخفِّف الألم سيحدُّ من قلقك إلى حدٍّ كبير. وسوف يؤدِّي تراجع القلق بدوره إلى تخفيف الوجع الذي تشعر به.

حين قرأتُ كلَّ تلك الأبحاث حول تأثير اعتقاداتنا على ما نشعر به، بدأت أحاول استخدام هذه المعلومة في تغيير أفكاري وسلوكي في مُحاولةٍ مني للعثورِ على قدْرٍ أكبرَ من السَّعادة. وهكذا بدلًا من البحث على الإنترنت بلا هدف عند الاضطجاع في الفراش، صرتُ أهتم بالعثور على كتابٍ جيد لأقرأه. وحتى عندما كنت أنشغل للغاية بحيث لا أجد وقتًا لمُمارسة الرياضة، كنت أوثر التنزُّه سيرًا على الأقدام لمدة ٢٠ دقيقة وقت الغداء.

بعض الناس يأتيها التفكير الإيجابي غريزيًّا. هؤلاء الناس يجدون منحةً في كل محنةٍ ومن ثَم فإنهم أكثر سعادة وأوفر صحة. وهناك آخرون، منهم أنا، يحتاجون إلى بعض الوقت والطاقة والمجهود لتبني هذه النظرة المتفائلة للحياة. على هؤلاء الناس تحويل نزعتهم المتشائمة في العموم حتى يعثروا على تلك المنحةِ الخفية، وعليهم العمل بجِدٍّ لتبنِّي السلوكيات التي بها يصيرون أفضلَ حالًا لا أسوأ — مثل الذهاب في تمشيةٍ سريعة في الطبيعة لمجابهة الحزن، بدلًا من البحث عن السعادة في قاع وعاء من مثلجات «بن آند جيري».

لكن ها هو ذا خبرٌ سعيد لأولئك الذين يُحاولون بصعوبةٍ أن يشعروا بالسعادة: مهما كانت ميولنا الفطرية، نستطيع جميعًا بلوغ قدرٍ أكبر من السعادة والصحة بإجراء تغييرات صغيرة نسبيًّا في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم. وكما قالت إليزابيث جيلبرت في سيرتها الذاتية التي نُشرت عام ٢٠٠٦، «طعام، صلاة، حب»:

السعادة هي نتاج مجهود شخصي. فإنك تحارب من أجلها، وتسعى إليها، وتُصمِّم عليها، بل وقد تطوف في أنحاء العالم بحثًا عنها في بعض الأحيان. لا بد أن تسهِم من دون كللٍ في سبيل أن تتبدَّى أوجه النِّعم التي رُزقتَ بها. وحين تبلغ حالةَ السعادة، يجب ألا تتوانى أبدًا عن الحفاظ عليها. لا بدَّ أن تبذل جهدًا جهيدًا حتى تظلَّ ماضيًا في سبيل السعادة إلى الأبد، لتبقى متقدِّمًا فيها.

الأفكار الإيجابية المُتفائلة لا تُراوِدُني بسهولة؛ فعليَّ العمل من أجل سعادتي. خلال السنوات القليلة الماضية، ظللتُ أعمد إلى التحوُّل بذهني ليصير أكثرَ اتفاقًا مع ما أثبتَت الأبحاث أنه يجعل الناس أكثر هناءً. فبدلًا من الانغماس في منشورات الآخرين على مواقع التواصل الاجتماعي ومقارنة حظي (أو قلَّته) بحظوظهم، أتحوَّل بتفكيري لوقف هذه الأفكار السلبية والتركيز بدلًا من ذلك على ما لديَّ من أشياءَ حقيقية إيجابية. فصحيح أنَّ ابني الصغير لن يصير الأول على دفعته، لكنه لديه مجموعة طيبة من الأصدقاء. صحيح أن أسرتي لا تقضي أسبوعين في تاهيتي، لكننا نستمتع حقًّا بالأسبوع الذي نقضيه في منزلٍ مُستأجَر في ساحل جيرسي شور.

من الواضح أنني لا أنزع بطبعي إلى العثور على الإيجابيات، لكن مع الوقت والطاقة والمجهود، صرت أجد التحوُّل بفكري التحولَ الذي يجعلني أكثر سعادةً وقد صار أسهل على الدوام. إن غايتي من كتابة هذا الكتاب هي إعطاء الآخرين الذين يسعون للشعور بالسعادة استراتيجيات محدَّدة قائمة على أساسٍ علمي يمكنهم استخدامها في النهوض بمستوى حياتهم وتمديد أعمارهم. وعليه، فهنيئًا باتخاذ الخطوة الأولى لاختيار هذا الكتاب، وإنني أرجو كثيرًا أن يساعدكم في العثور على السعادة التي تستحقونها.

* مقدمة كتاب التحول الإيجابي: تحكم في طريقة تفكيرك وانعم بالسعادة والصحة والعمر المديد، للمؤلفة: كاثرين إيه ساندرسون، أستاذة علم النفس في أمهرست كوليدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية

..........................................
(1) Kross, E., Verduyn, P., Demiralp, E., Park, J., Lee, D. S., Lin, N., … Ybarra, O. (2013). Facebook use predicts declines in subjective well-being in young adults. PLOS One, 8(8), e69841.
(2) Faasse, K., Martin, L. R., Grey, A., Gamble, G., & Petrie, K. J. (2016). Impact of brand or generic labeling on medication effectiveness and side effects. Health Psychology, 35(2), 187–190.
(3) Przybylski, A. K., & Weinstein, N. (2012). Can you connect with me now? How the presence of mobile communication technology influences faceto-face conversation quality. Journal of Social and Personal Relationships, 30(3), 237–246.
(4) Ulrich, R. S. (1984). View through a window may influence recovery from surgery. Science, 224(4647), 420–421.
(5) Levy, B. R., Slade, M. D., Kunkel, S. R., & Kasl, S. V. (2002). Longevity increased by positive self-perceptions of aging. Journal of Personality and Social Psychology, 83(2), 261–270.

اضف تعليق