احيانا نجد انفسنا مضطرين للمسير في دروب لم نوافق المسير فيها الا لضرورة ملحة، وغالبا ماكنا نرفضها لكننا اليوم جرينا فيها وقبلناها، ربما هذه الاذعان والموافقة جاءت لرغبة الاغلبية المحيطة ورغبة عدم مخالفة توجههم وما يحبون، هذه السلوكية تعرف بـ(المسايرة الاجتماعية) والتي تحدث تحت سيطرة العقل الجمعي.

مفهوم المسايرة بشكل عام يشير الى جملة من الآليات والإستراتيجيات التي تجعل الانسان متمكناً من الانصهار في بوتقة المحيط والتأقلم مع الضغط النفسي من خلال تقليله إلا أن بعض الإستراتيجيات قد تؤدي إلى صعوبة التأقلم، بسبب تأثيرها على المستوي البعيد، بمعنى رفضها من قبل الانسان اذا كانت ذات اثار على المدى جانبية تضر بسمعة الانسان وتأريخه، ولنوع الشخصية تأثير في انواع المسايرة المختلفة حيث أن هذه الآليات تمثل جزءا من تكوين الشخصية، كما أن آليات المسايرة أيضا تخضع للبيئة الاجتماعية.

علم النفس يعرف المسايرة او المجاراة على انها "بذل مجهود عقلي بصورة واعية لحل مشكلة شخصية أو مشكلة تفاعلية اجتماعية، أو احتواء موقف للتقليل من التوتر أو الضغط المصاحب لهذا الموقف، وتتوقف فاعلية المسايرة على نوع التوتر وشدته، كما تتوقف على الاختلافات بين الأفراد والظروف المحيطة".

واود التنبيه الى ان مهارات المسايرة هي ليس ذاتها اليات الدفاع النفسية المستخدمة بصورة لا واعية لحماية الأنا وهذا هو الفرق، اذ انها آليات يستخدمها الانسان بوعي تام لغرض عدم مقاطعة الجماعة والخروج عن قوانينها وانظمتها.

اول تجربة نفسية حول تأثير المسايرة الاجتماعية اجراها عالم النفس (جانيس) في عام 1932، حيث اتى بعلبة زجاجية ممتلئة بحبات الفاصوليا ثم وضع العلبة امام كل فرد من افراد العينة وطلب منه ان يقدر على انفراد عدد حبات الفاصوليا داخل العلبة وقام بتثبيت الاجابات في ورقة، ثم جمع المشاركين وطلب منهم تقديراً جماعياً عبر المناقشة مع بعضهم لبعض، بعد ذلك قام بتفريقهم وطلب منهم تقدير عدد حبات الفاصوليا بمفردهم مرة أخرى، جراء هذه العملية حصل جانيس على اجابات مختلفة في المرتين وبذا تبين تأثير رأي الجماعة على قراراتهم، اذ غير جميع افراد العينة او اغلبهم تقديراتهم الشخصية ليقارب تقدير الجماعة.

اين تكمن اهمية المسايرة الاجتماعية؟

اهمية المسايرة الاجتماعية من التأثير الذي تتركه على الفرد والمجتمع ككل فحين يساير الانسان سلوكية ما فإنّه قد يركز على قبول بعض الممارسات التي يعدّها غير مقبولة، في الوقت الذي بمقدوره ان يفعل شيئا مختلفا عن الذي فعله، كل ذلك يأتي للرغبة في الابقاء على رضا المحيط وعدم تغير صورة في منظورهم.

هل ان المسايرة الاجتماعية ايجابية في جميع حالاتها؟

نعتقد ان مسايرة المجتمع في الحالات التي تحفظ له المصلحة العامة ودون المساس بالكرامة والخصوصية والابتذال امر مفيد وحسن الى ابعد الحدود، لكن حين تكون المسايرة الاجتماعية على حساب الحقوق والكرامة والمبدأ تتحول الى مسايرة سلبية فارغة وغير موضوعية ومرفوضة، على سبيل المثال يتماهى غالبية الشعب عن المطالبة بحقوقهم بذريعة ان الغالبية متقبلين للأمر وموافقين عليه ويتحول هذا التماهي الى سيف مسلط على رقاب من يريد المطالبة وبذا يمنع القلة الرافضة للظلم من استرداد الحقوق وهنا تتحول المسايرة الاجتماعية الى نقمة.

في الكثير من المواقف التي يساير فيها الانسان مجتمعه يخرج من كونه انسان ذو رأي وقرار الى تابع مسلوب الارادة والموقف، والدافع هو تحقيق الاندماج الاجتماعي فهو يقيد نفسه على الرغم من أنّ لديه اعتراضات جادة ضد الرأي او الفكرة المطروحة، وعلى الرغم من أنّ هذا الأمر يميز الشخص المتساير مجتمعياً عن أولئك الذين لا يسايرون ويرفضون أو الذين لا يهتمون، لكن هذا قد يعني أنّ الشخص المتساير يحجب معتقداته الحقيقية وقد لا يدافع عنها.

يمكن اعتبار المسايرة الاجتماعية في جانبها الايجابي من قيم الفضيلة لكونها تتعلق بتقبل الاخر المختلف ورفض التصارع من اجل اثبات مالا يغير من الواقع في لكثير من الوقائع والامور التي أن يفضل الفرد الواعي المتفهم أن يحاربها أو يتجاهلها أو يتغلب عليها، على الرغم من مخالفتها لمعتقداته وبنائه المعرفي وأسلوب التفكير الخاص به، ولذا اصبح المفهوم (المسايرة الاجتماعية) هو الحد الفاصل بين التعايش السلمي والتعصب والصراع العنيف بين الجماعات، وموضوع التحامل والصراع الاجتماعي الوثيق الصلة بها لأكثر من نصف قرن.

اضف تعليق