انها حقًا محنة البشرية بمواجهة هذا الفايروس، مثل هذه المحنة والأوبئة والكوارث هو إمتحان أعظم يعري الناس مما تستر به من زخرف الادعاء، ومن زيف التبرير والكذب والقوة واستعراضها سواء الفردية، أو الجمعية، شعوب أو حكومات.

فوجئت شعوب العالم في هذا القاتل الصامت الذي هاجم الحضارة البشرية فجأة وانتشر سريعًا بغتة وعلى غير إنتظار. ترك هذا الحدث –الانتشار السريع للفايروس- التفكير لدى شعوب الأرض وحكوماتها، انه رعب شديد وإندفاع هستيري في عمل لا أحد يعرف ماذا يعمل؟ هل يلجأ للتبضع العشوائي السريع ويمكث في بيته، هل يحتمي في داره والسكون فيه دون مخالطة الآخرين؟ هل ينقطع عن العالم مجبرًا ويتابع نشرات الأخبار والفضائيات وأخبار التواصل الإجتماعي، وجميع من ينقل الاحداث كل دقيقة بدقيقة، حتى جعلت وسائل الإعلام في دوامة الفوبيا "المخاوف المرضية" وتهيئة العقل الجمعي للقلق وقبول القادم المجهول.

حقًا ان أجهزة الاعلام قد اسرفت في التركيز على ما اسمتها الانتشار المذهل في بلدان بعينها، لا بل في كل أصقاع العالم، وفقدان السيطرة على هذا الفايروس أو تحجيمه، إنها بلوى الاعلام المتعمد بنشر الرعب والهلع وعرض الصور والحالات القاتمة عن الموت، فعلا نجح في إغراق الناس في الذهول، هل يمكننا القول إنه يحاول "الاعلام" أن يصدع الشخصية الإنسانية؟

تؤكد أوليات علم النفس وادبياته بأن الإيحاء (Suggestion) من أكثر المفهومات شيوعًا في علم النفس والطب النفسي، وعرض "فرويد" في كتابه الموجز في التحليل النفسي عن فكرة الإيحاء، يقال عادة عن شخص أنه خضع لإيحاء إن خطرت له فكرة أو أعتنق عقيدة أو شعر بميل دون أن يدرك أن الفكرة، أو العقيدة، أو الميل يصدر في الحقيقة عن فعل خارجي مباشر، أو عن إرادة مستقلة عنه.

يضيف "جوستاف لوبون" إن فكرة الإيحاء هي الدعامة التي يقيم عليها التأثير المباشر على الناس، ووصفه لظواهر الجمهرة بسيكولوجية الظواهر النفسية الجمعية وتأثيرها.

أما الوساوس (Obsession) كمفهوم في علم النفس والطب النفسي يتميز بأن المصاب به قد يتخذ شكل فكرة أو شعور متصلب، لا يستطيع التخلص منه. كما يتميز بأن الشخص الوسواسي يسلك سلوكًا لا يستطيع مقاومته، فهو مرغم على أن يغسل يديه كل خمس دقائق وأن يطهر يديه بالكحول، أو المعقمات كل يوم عدة مرات، ولا يستطيع أن يهدأ إلا إذا تصرف هذا التصرف. فضلا عن أن الوسواسي يتميز بالشك المستمر والتردد في إتخاذ القرار، فيقضي ساعات من يومه ليلا ونهارًا يفكر ليتخذ قرارا في مسألة عالية جدًا من الدقة، وربما لا يستطيع البت فيها، إذًا تنقصه الثقة بالنفس، ويصاب بالفزع والقلق والشعور بالضعف إذا ما صادفته مشكلة رغم ما يتمتع به من ذكاء عالي.

يرى "مصطفى خليل الشرقاوي" أن الأفكار التسلطية تعني وجود فكرة غير منطقية لا تلبث أن تعاود الفرد وتسيطر عليه إلى الحد الذي يشعر معه بنوع من العبودية، أو الإنقياد لها، وإلى الحد الذي يجعله لا يستطيع أن يفكر، أو يعمل عملًا إيجابيًا مفيدًا. وتنقسم الوساوس لقسمين أما أفكار تسلطية، أو أفعال قهرية.

ومن الأمثلة في مجال علم النفس وادبياته عن الإيحاء وقوة سطوته، ويمكن نقلها إلى مجال التأثير الاعلامي حيث يقول "بيير داكو" قد يُظهر النوم المغناطيسي انتفاخات على الجلد عن طريق الإيحاء بأن هذا المكان قد احترق، ويمكن بالإيحاء زيادة ضربات القلب، أو إنقاصها إذا أوحينا إلى الشخص النائم أنه يشهد على سبيل المثال حادثًا، وتَحدث هذه التبدلات القلبية هنا إذن بإثارة الانفعال وهذا يؤثر على جهاز التنفس وجهاز الهضم، وكذلك على جهاز البول، وعلى الوظائف الجنسية، هذا الذي يحدث من ضغوط عالية على إتزان الإنسان وقدرته على التحمل ومواجهة أزماته، ليست الشخصية فحسب، وإنما قوة تأثير الضغوط الخارجية وأولها الإعلام في زمن فايروس الكورونا، وهنا يحق لنا أن نقول تبرز العلاقات الوثيقة جدًا بين" الفكر" و"الجسم". هنا كيف يستطيع الفكر الهروب من المواجهة والتحمل؟ بالتأكيد سيلجأ إلى الضغط على الجسم وينقل شدة التفكير وتختل الموازنة فتكون الأعراض النفس جسمية، ولنا مبحث آخر لها في موضوعات أخرى.

يمكننا القول بأن الاعلام معرفة، المعرفة وراء الوراء، وراء المدى المنظور، وراء المدى الرمزي بقوة تأثيره على العقل الجمعي وتحويره نحو أهداف غير منظوره، حيث تخفي وراءها أسرار، ووراءها الاخبار، ووراء الإدراك، حيث يحور بعدها التفكير، وهذه هي جدلية الجشطالت، ومفعولها على الشخصية، هذه كلها أشياء لم تكن، فكانت بمعنى أدق الذي لم يكن ثم كان، لا يحصل إلا في مكان والذي لم يزل كان، ولذلك الاعلام يجعل العقل في كثير من الأحيان أسير دون أن يعلم صاحبه بما يدري ويكون، ليس لأنه مغيب، ولكنه تحت تأثير الإيحاء وقوته.

الاعلام لغة، يتحكم ويسيطر على العقل من خلال اللغة والقدرة على الإقناع والتصديق وتقول "نيفين مصطفى زيور" يتأكد هذا من خلال إنشطار الأنا على نفسها بوصفها مجهلة (النكرة صفة العارف "وحيلته") وبذلك يتحقق للإعلام التأثير على تغيير الاتجاهات وتبديل الآراء، وحينما يسبر أغوار النفس والعقل يغير المعتقد فيتحول إلى نقيضه بما يؤمن.

إذن يكشف لنا هذا التأثير القوي للإعلام عن وضع الوجود الإنساني من حيث وجود قوامه الصراع بين إرادات راغبة في البقاء، وإرادات تحركها الرغبة في الإعتراف بحق صاحب هذه الرغبة في مشروعي تحقيقها، من جانب الآخر الذي يكن بدوره مثل هذه الرغبة، مثل هذه الغاية في إنتزاع الاعتراف من القوي، فلم يكتف بما سلطه عليه من بلوى شملت كل شعوب الأرض باسرها، وهو الفايروس القاتل الصامت، ثم تبعه بوسائل أكثر رعبًا ذات انتشار واسع وهي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي وكل ما يخترق المجتمعات والبيوت والافراد والنفس الإنسانية بدون استئذان، وهو الإعلام.

ولعلنا نتساءل الآن ألا تعبر وسائل الاعلام بصورة مفزعة عن مخاطر هزيمة ممثلي الحضارة، وحاملي التكنولوجيا أمام ممثلي صناعة الفايروس القاتل ووسائله في نشر الرعب كل دقيقة وثانية بنقل الاخبار دون كلل، أو ملل.

في النهاية حاولنا بإيجاز وباجتهاد شخصي تطبيق أسلوب من أساليب علم النفس في إيجاد العلاقة بين الإعلام وبعض مفاهيم علم النفس المرضي وذلك بإيضاح التزاوج بين ما هو نفسي عميق وما هو إجتماعي حضاري وهي وسائل الإعلام بأنواعها.

* استاذ جامعي-باحث في علم النفس والصحة النفسية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6