أعطت نتائج الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني / نوفمبر 2015 زخما جديدا لحزب العدالة والتنمية ودعما سياسيا ومعنويا لسياساته الخارجية التي واجهت انتقادات داخلية وخارجية كثيرة في الفترة الماضية، فقد أكد بعد فوزه على خيار (السياسات التوافقية) والتهدئة داخليا، لتمكينه من أداء دور إقليمي يركز على توافق حلفاء تركيا على أهداف مشتركة وقيادة عمل جماعي دولي ضد التهديدات الجديدة، وهو ما يتسق مع مراجعاته السابقة.

فمع تعقّد مشاكل تركيا الإقليمية وتزايد تحدياتها الداخلية في السنوات الأخيرة، قدم حزب العدالة والتنمية مراجعات أكاديمية وسياسية لسياسته الخارجية التي اتسمت بالاستمرارية وثبات التوجهات منذ وصوله للحكم عام 2002.

يسعى حزب العدالة والتنمية إلى تحقيق التجانس بين التراث العثماني التركي والتراث الإسلامي في الداخل والخارج، من منطلق الإيمان بأن تركيا تمثل قوة إقليمية كبرى، ودون أن يعني ذلك تدشين امبراطورية عثمانية جديدة في الشرق الأوسط وما وراءها، ولا السعي لإقامة نظام قانوني إسلامي في تركيا الحديثة، ولكن إرساء نموذج معتدل من العلمانية التركية في الداخل، وتبني سياسة أكثر نشاطاً في الخارج، ولاسيما في مجال الوساطة لحل النزاعات.

هذه السياسة التي يتبناها حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة تقوم على مبدأ (العمق الاستراتيجي) الذي أرساه وزير الخارجية، أحمد داود أوغلو، والمرتبط بـ"تصفير المشكلات مع الجيران"، مما يسمح لتركيا بإستعادة دورها التأريخي في محيطها الإقليمي، والذي أهمل بسبب المبالغة في الاهتمام بتعزيز العلاقات مع الغرب، والأهم أن ذلك النشاط لتركيا في نطاقها المحيط يسمح لها بتعزيز مكاسبها التجارية، وذلك مع تنامي اقتصادها، وزيادة قدرتها التصديرية، حيث تضاعفت الصادرات التركية إلى دول المنطقة، خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية.

الامبراطورية العثمانية وربط المستقبل

أشار عمير تسبينار، المحلل لدى معهد بروكينغ في واشنطن، إلى ثلاث رؤى استراتيجية حاكمة لسياسة تركيا الخارجية، وكان ابرزها رؤية (العثمانية الجديدة) التي اعتبرها الرؤية التي تحدد التوجه الخارجي لحزب العدالة والتنمية بالأساس.

وترتكز انقرة على هذا النموذج من العثمانية الجديدة، بتدعيم مصادر قوتها الناعمة من خلال تعظيم نفوذها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والثقافي، وخصوصاً في المناطق التي كانت تابعة تاريخياً للإمبراطورية العثمانية، وكذلك في المناطق الأخرى، حيث لتركيا مصالح استراتيجية.

ومع الإشارة كذلك إلى أن العثمانية الجديدة لا ترى حرجاً في الاعتراف بالتعددية الثقافية، مما يساعد على استيعاب التعدد الإثني في البلاد. وعلى ذلك، وبخلاف المعسكر الكمالي القومي، لا ترى العثمانية الجديدة تهديداً رئيسياً في الاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد، ماداموا على الولاء للدولة، بل إنه يمكن استيعاب مطامحهم في إطار الهوية المسلمة التي تجمع جُل العرقيات داخل البلاد.

ويسعى قادة حزب العدالة والتنمية إلى بناء علاقات مميزة مع الدول الإسلامية لاستكمال دائرة العلاقات الخارجية، ولكن ليس كبديل عن العلاقات مع الغرب.

تمايزُ تركيا ودول الشرق الاوسط

صرّح أوغلو في خطابه أمام الجمعية الوطنية التركية الكبرى في أبريل 2012، بأن تركيا سوف تواصل جهودها ودعواتها لتحرير المنطقة من الاستبداد، وليكون الزعيم الملهم للديمقراطيات العربية، في خطاب برز معه ملامح العثمانية الجديدة في السياسة التركية، وكذلك تأثير التوجه الجديد لتركيا، فمع بداية الأحداث العربية، التزمت أنقرة الحياد إزاء الثورة التونسية في ديسمبر 2010. ولكن مع تسارع الأحداث في مصر بعد شهر واحد من ذلك التأريخ، فقد بادر أردوغان بدعوة الرئيس السابق حسني مبارك إلى التنحي، وكان عبد الله غول أول رئيس يزور مصر بعد سقوط مبارك، مما ضاعف من الشعبية التي تحظى بها تركيا على الساحة المصرية، وهو ما انعكس في استقبال أردوغان عند زيارته لمصر في سبتمبر 2011، حيث زارها على رأس وفد كبير من رجال الأعمال، أثبت حرص تركيا على توسيع علاقتها الاقتصادية مع أكبر دولة عربية.

ولكن مع بداية الانتفاضة الليبية في فبراير 2011، بدا أن تركيا مترددة بشأن ما يجب فعله، حيث كانت لتركيا استثمارات كبيرة مع نظام القذافي. لذلك، أكدت في بداية الأحداث أهمية التوصل لتسوية سياسية للأزمة في ليبيا، محذرة من استفحال القتال على النحو الذي تم سابقاً في العراق، الأمر الذي أضر بصورة تركيا داخل ليبيا. ولكن بعد تمرير قرار مجلس الأمن 1973 الذي أَذِن بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، فقد تبدل موقف أنقرة بإرسالها قوات بحرية للمشاركة في علميات الناتو هناك، بجانب المشاركة في جهود الإغاثة الإنسانية.

كذلك، فإن اندلاع الحراك الشعبي البحريني في فبراير 2011 وضع تركيا بين حسابات متعددة، فلديها مصالح اقتصادية واسعة مع عموم دول مجلس التعاون الخليجي، وكان عليها احترام الخصوصية الأمنية لمنطقة الخليج، ولم تكن ترغب في تشجيع إيران على التدخل في شؤون دوله. ومع ذلك، فقد أرادت أنقرة إبراز دورها الدبلوماسي في محاولة لتهدئة التوترات السنية- الشيعية في المنطقة التي من شأنها الإضرار حتى بمصالحها الخاصة، ولذلك عرضت أنقرة التوسط لحل الأزمة، موصية السلطات البحرينية بضبط النفس. غير أن دول الخليج تجاهلت مبادرات أردوغان، وشرعت في الحل العسكري للأزمة بإرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين.

ومع بداية الاوضاع المتفجرة في سوريا في مارس 2011، نصح أردوغان الأسد بتنفيذ إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية سريعة، غير أن ذلك أغضب ثوار سوريا الذين رأوا الموقف التركي دعماً للنظام السوري الديكتاتوري في مواجهة الحركة الثورية الشعبية، وعليه فقد تبدل الموقف التركي سريعاً. وبحلول شهر يونيو، وصف أردوغان قمع النظام السوري لشعبه بالحملة اللاإنسانية، وتأكيد أن الأسد لم يف بوعوده الإصلاحية. وبحلول نوفمبر 2011 ، تطور موقف أردوغان إلى حد دعوته الأسد صراحة للتنحي، بل واستضافت تركيا عدة اجتماعات للمعارضة السورية، ومن بينها "مؤتمر أصدقاء سوريا الثاني" الذي عقد في اسطنبول في أبريل من عام 2012. وبذلك، أصبحت تركيا لاعباً رئيسياً في دعم الثورة السورية.

إن تركيا وإن عانت خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة للتغيرات المفاجئة في الشرق الأوسط، فإنها نظرت إلى ثورات الربيع العربي باعتبارها تطوراً جيداً نحو إرساء قيم الحكم الديمقراطي القائمة على الشفافية والمساءلة، متفائلة بتصاعد دور تيارات الإسلام السياسي والقريبة من أيديولوجيتها وأفكارها، مما يساعد على تدعيم التعاون مع أنقرة، حتى يبدو أن تركيا قد تكون من أولى القوى الإقليمية المستفيدة من التطورات الجارية في المنطقة.

نظرة على علاقاتها مع الغرب والاتحاد الاوروبي

تأسست السياسة الخارجية التركية على أساس الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وغرب أوروبا من جهة، ومع روسيا من جهة أخرى.

وعلى الرغم من تزايد التوترات، فليس هناك ما يشير إلى أن أنقرة تخطط لقطع العلاقات مع واشنطن أو الاتحاد الأوروبي.

بدلاً من ذلك، فإن تركيا ستصبح أكثر حزمًا حول مصالحها في العلاقة مع الأوروبيين، وخاصة فيما يتعلق باللاجئين وتوفير ملاذات آمنة من قبل بعض الدول الأوروبية لعناصر من حزب العمال الكردستاني وجماعة جولن.

وفي ضوء الرأي العام التركي الذي يعتبر أقل حماسًا حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن جوهر العلاقات التركية الأوروبية لن يتغير.

وبالنسبة للعلاقات مع الولايات المتحدة فمن الواضح أن أنقرة تنتظر لترى أولاً ما إذا كانت واشنطن ما بعد أوباما ستغير نهجها تجاه تركيا ومصالحها.

مراجعات تغير السياسة التركية

يرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في تقرير له بعنوان "مسألة التغيرات في السياسة الخارجية التركية: المراجعات والاتجاهات"، أن تبلور النهج الجديد يرتكز على مساهمات نظرية سياسية قُدمت منذ بداية تداعي ثورات الربيع العربي وتنامي انعكاساتها السلبية على تركيا، مشيرًا الى أن المراجعة الأولى في عام 2012 بحثت الحاجة إلى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمصلحة التغيير في الشرق الأوسط، وبخاصة بعد تفاقم الأزمة السورية، وأظهرت الدور المهم الذي يمكن أن تقوم به تركيا عبر الحلف بوصفها عضًوا فاعلا وركنا أساسًيا فيه.

ويضيف التقرير، أنه في عام 2013 ناقشت المراجعة الثانية نهج (الدبلوماسية الإنسانية) التي تعطي أولوية للعمل الإنساني من جهة، وتركز على توسيع نشاط تركيا دوليا بعد تفاقم مشاكلها وتوتر علاقاتها مع مزيد من دول المنطقة من جهة أخرى. وأكدت الثالثة في عام 2014 على الحاجة إلى (استعادة تركيا) عبر تعزيز الديمقراطية، والاقتصاد، والدبلوماسية النشطة مجددا في المنطقة ولكن عبر التحالفات الدولية.

الخاتمة

لعل المسار الذي اتبعته تركيا في السياسة الخارجية، خلال الفترة الماضية لم يمكنها من إحداث اختراقات مهمة في ملفات المنطقة، مع أنه أنتج مواقف تركية متمايزة عن حلفائها في قضايا الإقليم، وقد أحدثت الاوضاع العربية المضطربة تغيرات جيوسياسية هامة في منطقة الشرق الأوسط، فاضت تأثيراتها وإرهاصاتها على مختلف دول الجوار، وامتدت إلى مناطق أخرى من العالم. وكانت تركيا من أكثر الدول تأثرا بهذه الامتدادات والتفاعلات، نظرا لقربها الجغرافي من المنطقة العربية، والعلاقات التأريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية، التي تربطها مع سائر الدول العربية.

وتبقى تغيرات السياسة الخارجية التركية، تحددها مصالح تركيا قبل كل شيء، مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، وتحدث من منطلق فهم دور تركيا وواقعها، وتشابك علاقاتها من دول الإقليم والعالم، إذ إن مواصلة الصعود التركي الاقتصادي، مرتبط مع ممكنات التغيير الحقيقي السياسي، واتخاذ سياسات الانتشار والتمركز الإقليمي، والابتعاد عن العزلة إقليميا.

وبالتالي لن تحدث تغييرات جذرية وسريعة في المنظور القريب، ذلك أن تعقيدات الأوضاع في المنطقة ومقتضيات الأمن القومي التركي، تجعل من التغييرات محكومة بالتريث والحسابات الدقيقة، في ظل تمترس مختلف الأطراف وراء مواقفها السياسية، المنسجمة مع توجهات أنظمتها ومصالحها وأمنها.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2017 Ⓒ

اضف تعليق