تطلعات وآمال الحرية والرخاء تتوازن على حد سكين بين طغيان الدولة والفوضوية والعنف اللذين كثيرا ما يفرضهما المجتمع على ذاته. فإذا كانت اليد العليا للدولة على المجتمع بمقدار أكبر مما ينبغي، فإن النتيجة تكون الاستبداد. وإذا كانت الدولة ضعيفة في مواجهة المجتمع فالنتيجة هي الفوضوية...
بقلم: داني رودريك

كمبريدج ــ في رواية محمد حنيف "طيور حمراء"، تسقط قاذفة قنابل أميركية في الصحراء العربية، وتتقطع السبل بالطيار بين السكان المحليين في مخيم قريب للاجئين. ويجد الطيار نفسه يتحدث عن اللصوص مع صاحب متجر محلي، فيشرح له قائلا: "حكومتنا هي اللص الأكبر. فهي تسرق من الأحياء، وتسرق من الأموات". فيرد صاحب المتجر قائلا: "حمدا لله، نحن لا نعاني من هذه المشكلة. فنحن فقط نسرق من بعضنا بعضا".

تلخص هذه اللمحة البسيطة الرسالة الرئيسية لكتاب دارون أشيموجلو وجيمس روبنسون الجديد بعنوان "الممر الضيق: الدول، والمجتمعات، ومصير الحرية". تفترض أطروحة أشيموجلو وروبنسون أن تطلعات وآمال الحرية والرخاء تتوازن على حد سكين بين طغيان الدولة والفوضوية والعنف اللذين كثيرا ما يفرضهما المجتمع على ذاته. فإذا كانت اليد العليا للدولة على المجتمع بمقدار أكبر مما ينبغي، فإن النتيجة تكون الاستبداد. وإذا كانت الدولة ضعيفة في مواجهة المجتمع فالنتيجة هي الفوضوية.

كما يشير عنوان الكتاب، لا يوجد سوى "ممر ضيق" بين هاتين الحالتين المختلتين، خيط رفيع لم تتمكن سوى قِلة من البلدان، أغلبها في الغرب الصناعي، من إيجاده. علاوة على ذلك، لا يضمن العثور على المسار الاستمرار عليه. يؤكد أشيموجلو وروبنسون على أنه ما لم يظل المجتمع المدني يقظا وقادرا على الحشد والتعبئة ضد المستبدين المحتملين، فإن الارتداد إلى الاستبداد يظل دوما احتمالا قائما.

يبني كتاب أشيموجلو وروبنسون الجديد على كتابهما السابق الذي حقق نجاحا كبيرا بعنوان "لماذا تفشل الأمم". في هذا الكتاب وغيره من الكتابات، يحدد الكاتبان ما أسمياه "المؤسسات الشاملة" باعتبارها المحرك الرئيسي للتقدم الاقتصادي والسياسي. وهذه المؤسسات، مثل حقوق الملكية الآمنة وحكم القانون، متاحة لكل (أو معظم) المواطنين ولا تحابي مجموعة ضيقة من النخب على حساب بقية المجتمع.

لكن هناك دولة واحدة ظلت دوما تصطدم بفرضية أشيموجلو-روبنسون، وهي الصين. ذلك أن احتكار الحزب الشيوعي الصيني للسلطة، والفساد المستشري في الدولة، والسهولة التي يقصي بها الحزب المنافسين الاقتصاديين والمعارضين السياسيين، كل هذا يتعارض تماما مع مفهوم المؤسسات الشاملة. ومع ذلك، لا أحد يستطيع أن ينكر أن النظام الصيني نجح على مدار العقود الأربعة الماضية في تحقيق معدلات غير مسبوقة من النمو الاقتصادي فضلا عن الحد من الفقر بدرجة مبهرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ المسجل.

في كتاب "لماذا تفشل الأمم"، يزعم أشيموجلو وروبنسون أن النمو الاقتصادي الصيني سوف يفقد زخمه ما لم تفسح المؤسسات السياسية الاستخلاصية المجال لمؤسسات شاملة. وقد أكدا على هذه الفرضية في كتاب "الممر الضيق". وهما يصفان الصين على أنها بلد حيث فرضت الدولة القوية هيمنتها على المجتمع لفترة تقرب من ألفين وخمسمائة عام. ويزعم الكاتبان أن الصين، بعد أن أمضت كل هذا الوقت خارج الممر الضيق، من غير المرجح أن تتمكن من العودة بسلاسة. ولا يبدو الإصلاح السياسي ولا استمرار النمو الاقتصادي السريع في حكم الممكن.

الدولة الكبرى الأخرى التي يبدو أنها تتعارض بوضوح مع فرضية أشيموجلو-روبنسون الأصلية هي الولايات المتحدة. في وقت كتابة "لماذا تفشل الأمم"، كان كثيرون يعتبرون الولايات المتحدة مثالا رئيسيا للمؤسسات الشاملة ــ الدولة التي أصابت الثراء وأصبحت ديمقراطية من خلال تطوير حقوق الملكية الآمنة وحكم القانون. واليوم، أصبح توزيع الدخل في الولايات المتحدة لا يقل انحرافا عن حاله في أي دولة تحكمها نخبة ثرية. وتبدو المؤسسات السياسية التمثيلية في الولايات المتحدة، الخاضعة للهجوم من قِبَل زعماء الدهماء الآن، هشة تماما.

يبدو أن "الممر الضيق" كُتِب جزئيا لتقديم سرد للهشاشة البادية التي تعاني منها الديمقراطيات الليبرالية. فقد صاغ المؤلفان مصطلح "تأثير الملكة الحمراء" كرمز للنضال المستمر لدعم المؤسسات السياسية المفتوحة. ومثله كمثل الشخصية في كتاب لويس كارول، يضطر المجتمع المدني للركض بسرعة متزايدة دوما حتى يتسنى له مواكبة الزعماء المستبدين وكبح جماح ميولهم الاستبدادية.

بالتالي، ربما تعتمد قدرة المجتمع المدني على مقاومة "وحش الاستبداد" على الانقسامات الاجتماعية وتطورها. تنشأ الديمقراطية عادة من صعود جماعات شعبية قادرة على تحدي قوة النخب أو ربما تنشأ من انشقاقات بين النخب. في القرنين التاسع عشر والعشرين، أدى التصنيع، والحروب العالمية، وانحسار الاستعمار، إلى تعبئة مثل هذه الجماعات. وقد استجابت النخب الحاكمة لمطالب الخصوم بتمديد الامتياز، دون مؤهلات الملكية (عادة)، لجميع الذكور. في المقابل، قبلت المجموعات التي حصلت على حقوق الامتياز حديثا فرض القيود على قدرتها على تجريد مالكي العقارات من ملكياتهم. باختصار، استبدلت حقوق التصويت بحقوق الملكية.

لكن، كما أناقش في عمل مشترك مع شارون موكاند، تتطلب الديمقراطية الليبرالية المزيد: الحقوق التي تحمي الأقليات (ما يمكن تسميته الحقوق المدنية). وتتمثل السمة المميزة للتسوية السياسية التي تتولد عنها الديمقراطية في استبعادها للمستفيد الرئيسي من الحقوق المدنية ــ الأقليات ــ من على طاولة المفاوضات. فلا تملك هذه الأقليات الموارد (مثل النخبة) ولا العدد (مثل الأغلبية). وعلى هذا فإن التسوية السياسية تحابي نوعا فقيرا من الديمقراطية ــ ما يمكن أن نسميه الديمقراطية الانتخابية ــ على الديمقراطية الليبرالية.

يساعد هذا في توضيح السبب وراء ندرة الديمقراطية الليبرالية. ويأتي الفشل في حماية حقوق الأقليات كنتيجة مفهومة بسهولة للمنطق السياسي وراء نشوء الديمقراطية. وما يتطلب التوضيح ليس الندرة النسبية التي تميز الديمقراطية الليبرالية، بل حقيقة وجودها. ولا تكمن المفاجأة في أن قِلة من الديمقراطيات ليبرالية حقا، بل في وجود أي ديمقراطيات ليبرالية على الإطلاق.

ليست هذا بالاستنتاج المريح على الإطلاق في وقت حيث تبدو الديمقراطية الليبرالية عُرضة لتهديد خطير، حتى في تلك الأجزاء من العالم حيث بدت وكأنها راسخة على الدوام. ولكن من خلال تقدير مدى هشاشة الديمقراطية الليبرالية، ربما يصبح بوسعنا أن نتجنب فتور العزيمة الناتج عن اعتبارها من الأمور المسلم بها.

* داني رودريك، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون ف. كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد. ومؤلف كتاب "العولمة التناقض: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي، وقواعد الاقتصاد: حقوق وأخطاء علوم الكومبيوتر، وآخرها حديث مستقيم عن التجارة: أفكار لإقتصاد عالمي
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق