الأمم المتحدة: تراجع في الميزانية أم النزاهة؟


الأمم المتحدة منظمة عالمية تضم في عضويتها جميع دول العالم المستقلة تقريباً. تأسست منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 24 أكتوبر 1945 في مدينة سان فرانسيسكو، كاليفورنيا الأمريكية، تبعاً لمؤتمر دومبارتون أوكس الذي عقد في العاصمة واشنطن. وتتكون حتى الآن من 193 دولة عضو. ونظرا للصلاحيات المخولة في ميثاق المنظمة وما تتمتع به من طابع دولي فريد، فإن بإمكان الأمم المتحدة العمل على قضايا تواجه الإنسانية في القرن الـ21، مثل قضايا السلم والأمن وتغير المناخ والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان ونزع السلاح والإرهاب وحالات الطوارئ الصحية والإنسانية والمساواة بين الجنسين و الحوكمة وإنتاج الغذاء وغيرها كثير. وأعلى موظف إداري للأمم المتحدة هو الأمين العام. ويرى بعض المراقبين ان هذه المنظمة العالمية وجدت لخدمة مصالح الدول القوية فيها وخاصة الدول الخمس دائمة العضوية، وخصوصا الولايات المتحدة الامريكية صاحبة الرأي الاول في العديد من الامور، والتي اصبحت اليوم تمارس ضغوط كبيرة على هذه المنظمة .

ويرى السفير حسن عيسى المستشار الأسبق لوزير الخارجية المصري كما نقلت بعض المصادر، أن الأمم المتحدة جهاز كبر في السن ويلفظ أنفاسه الأخيرة ، فهو جهاز إداري أستولت عليه الولايات المتحدة الأمريكية ، وفقد المصداقية كمنظمة دولية لدى شعوب الأرض فهذه لم تتحرك أمام المخالفات التي ترتكبها الدول الكبرى صاحبة الفيتو بينما تفرض أغلظ العقوبات على الدول الصغيرة فهي تكيل بميكيالين ولهذا فقدت أهم صفاتها العدل والنزاهة والموضوعية فقراراتها يجب أن تنصاع لها العراق وسوريا وجنوب أفريقيا وإلا فالعقاب سيكون قاسياً ورادعاً وفورياً أما إذا ضربت إسرائيل بالقرارات الأممية عرض الحائط فكأن شيئاً لم يكن لان الفيتو الأمريكي يشكل درعاً فولاذياً واقعياً يحمي إسرائيل وسياسة إرهاب الدولة التي تمارسها باستمرار .

وطالبت دول عدة مجددا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الجمعة بإصلاح عاجل لمجلس الأمن الدولي. وشددت مجموعة الدول الأربع (ألمانيا واليابان والهند والبرازيل) والتي تتمتع بثقل اقتصادي مهم في العالم على ضرورة إصلاح مجلس الأمن "بأسرع وقت" حتى تصبح هذه الدول أعضاء دائمة فيه.

ويراوح الموضوع مكانه منذ سنوات. فمجلس الأمن يتألف من 15 عضوا هم خمسة دائمو العضوية ويتمتعون بحق النقض (الفيتو) - الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين - وعشرة غير دائمي العضوية يشغلون المنصب مداورة كل عامين. ومن أجل الحفاظ على الأمن الدولي، يحق للمجلس فرض عقوبات وإجازة اللجوء إلى القوة. وهو يفرض قراراته على الدول الـ 193 الأعضاء في الأمم المتحدة. ولتبني هذه القرارات لا بد من أن يوافق عليها تسعة أعضاء على الأقل في مجلس الأمن وألا تواجه بفيتو.

ويظل مجلس الأمن في عمله تحت تأثير قوي للقوى النووية الخمس التي غالبا ما تعقد اجتماعات غير رسمية على مستوى لجان صغيرة لحلحلة مفاوضات أو التوصل إلى إجماع ليتم إقراره لاحقا في مجلس الأمن. وشددت مجموعة الدول الأربع (ألمانيا واليابان والهند والبرازيل) والتي تتمتع بثقل اقتصادي مهم في العالم على ضرورة إصلاح مجلس الأمن "بأسرع وقت" حتى تصبح هذه الدول أعضاء دائمة فيه.

كما دعت دول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة إلى إعطاء مقاعد دائمة إلى دول عربية وأفريقية. وفي موازاة ذلك، تدعو فرنسا والمكسيك منذ أكثر من أربع سنوات إلى إصلاح لحق النقض لمنع استخدامه في حالات الفظائع على نطاق واسع. ونتيجة لهذا الحق الذي استخدمته روسيا وجد مجلس الأمن الدولي نفسه مرات عدة عاجزا عن التدخل في النزاع السوري. ونددت منظمتا العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" بهذا الوضع. وصرح وزير الخارجية الفرنسي جان باتيست لوموان "نحن بحاجة إلى مجلس أمن قادر على اتخاذ إجراءات مناسبة وفعالة دون أن يجد نفسه مشلولا بسبب استخدام الفيتو في حالات ارتكاب فظائع على نطاق واسع".

ضغوط امريكية

وفي هذا الشأن أعلن دبلوماسيون ان الولايات المتحدة تسعى لتقليص ميزانية الامم المتحدة الاساسية لعامي 2018-2019 بمقدار 250 مليون دولار، وهذا بالاضافة الى مقترحات الامين العام لتحقيق وفر يبلغ 200 مليون دولار. وتخضع الميزانية الآن للنقاش في لجنة الجمعية العامة، ومن المتوقع ان يتم تبنيها قبل نهاية كانون الاول/ديسمبر الجاري.

واقترح الامين العام انطونيو غوتيريش وضع سقف لميزانية الامم المتحدة للعامين المقبلين عند 5,4 مليار دولار، ما يلغي نفقات بقيمة 200 مليون دولار من ميزانية 2016-2017. وقال دبلوماسيون ان الولايات المتحدة تقدمت باقتراح لخفض اضافي بقيمة 250 مليون دولار اي بنسبة 5%، وهو ما يرى دبلوماسي آخر انه من المستحيل تحقيقه.

وتعتبر الولايات المتحدة المساهم المالي الأول في ميزانية الامم المتحدة، وهي تؤمن وحدها 22% من الميزانية الاساسية. وقال الدبلوماسيون ان التقليصات الاميركية المقترحة في الميزانية قد تستهدف البعثات السياسية الى ليبيا وأفغانستان اضافة الى مكتب حقوق الانسان الفلسطيني وخدمات التواصل. كما وضع الاتحاد الاوروبي ايضا اقتراحا بهدف السعي لتحقيق وفر اضافي في الميزانية يقدر ب170 مليون دولار.

وقال احد الدبلوماسيين "هذه لعبة كلاسيكية"، مضيفا "هناك دائما معسكران، الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي يريدان خفض الميزانية وباقي الدول لا تريد". والميزانية التشغيلية للأمم المتحدة منفصلة عن ميزانية قوات حفظ السلام التي تم خفضها 600 مليون دولار هذا العام بضغط من ادارة الرئيس ترامب. ويأتي الضغط من اجل اجراء مزيد من التقليصات مع محاولة الامين العام انطونيو غوتيريش حشد الدعم لخططه من اجل اصلاح الامم المتحدة.

ميزانية الامم المتحدة

على صعيد متصل أعلنت الأمم المتحدة في بيان أن ميزانيتها التشغيلية للسنتين 2018 و2019 والتي أقرتها الجمعية العامة تبلغ 5,397 مليار دولار، بتراجع نحو 5% مقارنة مع ميزانية 2016-2017، وفق بيان صادر عن المنظمة الدولية. أما النفقات المرتبطة بعمليات السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة، فأقرت لها ميزانية منفصلة في حزيران/يونيو حجمها 7,3 مليار دولار.

وأوضحت المنظمة الدولية في بيان أن قيمة الميزانية المخصصة لعملها وتم التوصل إليها بعد مفاوضات مطولة بين الدول كانت أقل بـ193 مليون دولار مما طالبت به الأمانة العامة. وسيتحقق التخفيض في الميزانية الاقتصاد في الوظائف في جميع الدوائر والمكاتب التابعة للأمم المتحدة، وفق المصدر ذاته. وأعلنت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة في بيان أنها تقف وراء خفض ميزانية الأمم المتحدة، في وقت تنتقد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه المنظمة الدولية منذ سنة، آخذة عليها بيروقراطيتها.

والولايات المتحدة هي المساهم الأول في تمويل الأمم المتحدة بصفتها القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، وتؤمن 22% من الميزانية التشغيلية للمنظمة و28,5% من ميزانية عمليات حفظ السلام. ولفتت صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن البحث عن سبل التوفير في الامم المتحدة يتكرر بانتظام عند مناقشة الميزانية التي توضع لسنتين، ولم يستجد مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

وأوضح دبلوماسيون أن الولايات المتحدة طالبت خلال المفاوضات هذه السنة بمدخرات بقيمة 250 مليون دولار، ذاكرة إمكانية تجميد الرواتب والتوظيف، فيما دعا الاتحاد الأوروبي إلى تخفيض الميزانية بـ170 مليون دولار. وكانت الأمانة العامة للأمم المتحدة التي توظف 40 ألف شخص في العالم، اقترحت في مشروع ميزانيتها تخفيضا بقيمة 200 مليون دولار عن ميزانية الفترة المالية السابقة.

وقد تكون هذه آخر ميزانية عمل تقرها الأمم المتحدة لسنتين، إذ طلب الأمين العام أنطونيو غوتيريش في إطار إصلاحاته العودة اعتبارا من 2020 إلى ميزانية سنوية كما كان الحال قبل 1973، معتبرا أن ذلك سيمنح مزيدا من المرونة والبساطة في إدارة المنظمة الدولية.

واشادت الولايات المتحدة الاحد بخفض بلغ 285 مليون دولار من الميزانية الأساسية للأمم المتحدة باعتباره "خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح". وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة نيكي هايلي في بيان ان "عدم الفاعلية والزيادة في الانفاق" في المنظمة الدولية امران معروفان.

واضافت ان النقاشات حول الميزانية أثمرت عدة "نجاحات" مع اقتطاعات مالية وخفض في "وظائف الادارة والدعم المنتفخة". وقالت "لن نسمح بعد الآن بان يتم استغلال سخاء الشعب الأميركي او ان يبقى بدون تدقيق". واضافت "هذا الخفض التاريخي في الانفاق، بالاضافة الى العديد من التحركات الأخرى نحو امم متحدة أكثر فاعلية وخضوعا للمساءلة، هو خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح".بحسب فرانس برس.

وتابعت "في حين اننا سعداء بنتيجة مفاوضات هذا العام، تستطيعون ان تكونوا على يقين بأننا سنستمر في البحث عن طرق لزيادة فاعلية الأمم المتحدة بينما نحمي مصالحنا". وخلال اجتماع على هامش الامم المتحدة الجمعية العامة في ايلول/سبتمبر الماضي قال ترامب ان الامم المتحدة فشلت في الوصول الى "امكاناتها الكاملة بسبب البيروقراطية وسوء الادارة". واضاف "نحن لا نرى نتائج تتوافق مع الاستثمار".

ولاية ثانية

من جانب اخر أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الأردني زيد رعد الحسين، أنه لا يعتزم الترشح لولاية ثانية مؤكدا استحالة الحفاظ على "نزاهة صوته" ضمن السياق الجيوسياسي الراهن. وأوضح الدبلوماسي البالغ من العمر 53 سنة في بريد إلكتروني موجه لفريقه: "إذا كان علي أن أفعل ذلك ضمن السياق الجيوسياسي الحالي، فكأنني أركع وأتوسل وأقلل من استقلالية ونزاهة صوتي – الذي هو صوتكم". وكان الحسين قد اعتبر عند توليه وظيفته أن هذا المنصب لا يجب شغله سوى لولاية واحدة، لأجل تفادي الضغوط والمساومات في الكواليس.

وزيد رعد الحسين ينتمي للعائلة الملكية الأردنية، وكان أول مسلم وعربي يشغل منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وهو متمرس بطرق العمل داخل المنظمة، ففي تسعينيات القرن الماضي شارك في مهمة تدخل القبعات الزرق في يوغوسلافيا السابقة، ثم أصبح سفير بلاده لدى الأمم المتحدة في سنة 2000 ليشغل المنصب مدة عشر سنوات.

في المشهد الدبلوماسي، ثبات صوت زيد رعد الحسين أمر غير قابل للنقاش. وقد جعله حضوره الإعلامي وهيبته شخصا مسموعا. فمنذ بداية ولايته، لم يتردد "الفارس الأبيض للأمم المتحدة" أبدا في انتقاد علني للبلدان، كبيرة كانت أم صغيرة، حين لا تحترم حقوق الإنسان الأساسية. فأدان اضطهاد الروهينغا في بورما أونغ سانغ سو تشي، وندد بدعم روسيا لحكومة بشار الأسد، كما لم يسلم الأوروبيون من انتقاداته.

وفي خطاب ألقاه في لاهاي في عام 2016، انتقد زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي اليميني المتطرف مارين لوبان، والبريطاني نايجل فاراج المتطرف والمدافع عن بريكسيت، وكذلك الزعيم اليميني الهولندي غيرت فيلدرز، والذي يعرب علنا عن كرهه الأجانب. فلم يتردد زيد رعد الحسين في مقارنة وسائل هؤلاء المتطرفين اليمينيين بتلك التي يعتمدها تنظيم داعش. وقال: "تستخدم دعاية التنظيم، من خلال أسلوب الاتصال وأنصاف الحقائق والتبسيط المفرط، تكتيكات مماثلة لتلك التي يتبعها هؤلاء الشعبويون. وكل عنصر من هذه المعادلة يعود بالنفع على الآخر".

لكن اليمين المتطرف لم يكن الهدف الوحيد لسهام الدبلوماسي الأردني. ففي مناسبات عديدة، أعرب عن قلقه بشأن موقف الحكومات الأوروبية إزاء الإرهاب وأزمة الهجرة. وفي مقابلة مع صحيفة "لا كروا" الفرنسية في 18 ديسمبر/كانون الأول، أدان "ميل السلطات في أوروبا إلى الإفراط في رد الفعل بعد الأعمال الإرهابية". بالنسبة لمفوض حقوق الإنسان، "الخطر على أوروبا في خضم أزمة المهاجرين هو إنكار قيمها عبر عدم احترامها المعايير الدولية التي ساهمت في إنشائها عقب الحربين العالميتين".

وانتقد زيد رعد الحسين خصوصا ومرارا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فخلال الحملة الانتخابية الأمريكية وصف تصريحات المرشح الجمهوري للبيت الأبيض بشأن المسلمين بأنها "غير مسؤولة بتاتا". في 18 ديسمبر/كانون الأول 2017 حذر الحسين في مقابلة مع وكالة فرانس برس من تهجمات ترامب المتكررة على وسائل الإعلام، وقال إنها قد تؤدي إلى ارتكاب أعمال عنف ضد الصحافيين.

أمام موظفي وزارة الخارجية الأمريكية، كان ريكس تيلرسون واضحا في مايو/أيار 2017 عندما أكد أن حقوق الإنسان، والتي سماها "القيم الأمريكية"، مهمة لكن أهميتها لا تضاهي المصالح وأمن الولايات المتحدة. وقد كان دونالد ترامب وبعد فترة وجيزة من تنصيبه، قد مهد لهذا التحول بقوله إن التعذيب مبرر باسم الأمن الوطني. ولم يبخل زيد رعد الحسين بانتقاداته عندما ضاعف ترامب عمليات التراجع عن الالتزامات مع المؤسسات الأممية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول انسحبت واشنطن من اليونسكو وفي وقت سابق، تحديدا في سبتمبر/أيلول 2016، انسحبت من الاتفاق العالمي حول اللاجئين والمهاجرين الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي 20 ديسمبر/كانون الأول، وجه دونالد ترامب تحذيرا صارما للأمم المتحدة مهددا بوقف تمويلات بلاده، وهي المساهم الرئيسي، في حال أدانت المنظمة اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وإذا كان الحسين لم يذكر دونالد ترامب مباشرة في البريد الإلكتروني الذي يوضح فيه نيته عدم الترشح لولاية ثانية، ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الإلكترونية أن مفوض حقوق الإنسان كان محل ضغوط الأمين العام للمنظمة أنطونيو غوتيريس من أجل العدول عن انتقاداته للرئيس الأمريكي. أحدث منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان عام 1993، ويقضي أن تكون وظيفته مستقلة فيما يتعلق بالمصالح الجيوسياسية لمختلف الأعضاء لذلك يعينه الأمين العام للأمم المتحدة مباشرة. ويبدو اليوم أن العلاقة مع الأمين العام للأمم المتحدة تشهد بعض الفتور، وإن كان الناطق الرسمي باسم غوتيريس قد أكد أن "يحظى المفوض السامي بدعم الأمين العام" دون أن يقال إن الأخير يدعم ولاية ثانية للأردني.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (منظمات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك