التَّربية الواعية لا تسعى إلى كبح الطِّفل بقدر ما تهدف إلى تهذيبه، ولا تعمل على إخماد طاقته؛ وإنَّما على توجيهها، بحيث يتحوَّل الغضب من قوةٍ مدمِّرة إلى طاقةٍ منضبطة، ويتحوَّل الاندفاع إلى وعي، وردَّة الفعل إلى اختيارٍ مسؤول. وفي هذا المسار، تظهر قيمة الرَّحمة بوصفها أساس الإصلاح، والحكمة بوصفها...

لا تقتصر بعضُ الاضطرابات السُّلوكيَّة لدى الطِّفل على دائرة الفرد أو الأسرة؛ ولكن تتجاوز في امتداداتها الدَّوائر المحيطة، كشبكة الأرحام والجيران، وقد تتَّسع لتطال المحيط الاجتماعي الأوسع الذي يتحرَّك فيه الطِّفل. ومن بين هذه الاضطرابات، تبرز العدوانيَّة بوصفها ظاهرةً ذات أبعادٍ نفسيَّة وتربويَّة واجتماعيَّة متشابكة، تُثقل كاهل الوالدين، وتضعهم أمام تحدياتٍ مركَّبة تتراوح بين المعالجة التَّربويَّة الدَّاخليَّة والتَّعامل مع التَّداعيات الخارجيَّة.

فالطِّفل العدواني يكشف -في كثير من الأحيان- عن خللٍ في أنماط التَّنشئة والتَّفاعل الأسري، وقد يكون انعكاسًا لتجارب سابقة مشحونة بالتَّوتر أو الإهمال أو التَّناقض في أساليب التَّربية. ومع تكرار هذا النَّمط، تتحوَّل العدوانيَّة إلى مصدر احتكاكٍ دائم مع الآخرين، سواء داخل العائلة الممتدَّة أو في الوسط الاجتماعي، الأمر الذي قد يفضي إلى أضرارٍ ماديَّة أو معنويَّة تستدعي أحيانًا التَّعويض المادِّي، أو تُفضي إلى توترات تقود إلى تآكل بعض الرَّوابط الاجتماعيَّة أو انقطاعها.

وعليه، فإنَّ التَّعامل مع ظاهرة العدوانيَّة لدى الأطفال يتطلَّب فهمًا عميقًا لجذورها، ووعيًا بآثارها المتعديَّة، بحيث يُنظر إليها باعتبارها ظاهرةً ذات امتدادات اجتماعيَّة، تستدعي تدخلًا تربويًّا واعيًا يوازن بين التَّقويم السُّلوكي، والدَّعم النَّفسي، وإعادة بناء أنماط التَّفاعل داخل الأسرة وخارجها.

المحور الأوَّل: التَّعريف والأشكال

تُعرَّف العدوانيَّة بأنَّها نمط من السُّلوك الهادف إلى إيقاع الأذى بالآخر، سواء اتَّخذ هذا الأذى طابعًا مباشرًا كالإيذاء الجسدي، أم غير مباشر كالإهانة اللفظيَّة أو التَّحقير. ويمتد ليشمل الدَّوافع الكامنة والعمليات الانفعاليَّة والمعرفيَّة التي تسبق السُّلوك وتُشكِّله، الأمر الذي يجعل العدوانيَّة ظاهرة متعدِّدة الأبعاد تتداخل فيها العوامل الفرديَّة والبيئيَّة.

وتتجلَّى العدوانيَّة لدى الأطفال في صورٍ متباينة، يمكن رصد أبرزها ضمن ثلاثة أنماط رئيسة:

أوَّلًا. العدوان الجسدي

 وهو أكثر الأشكال وضوحًا؛ حيث يتجسَّد في إلحاق الضَّرر البدني بالآخرين، كالضَّرب والدَّفع وإتلاف الممتلكات في بعض الأحيان. ولا ينحصر هذا السُّلوك في التَّفاعل مع أقران الطَّفل فحسب، فقد يمتدُّ ليطال أفرادًا أكبر سنًّا، بما يعكس غياب التَّمييز العمري أو الاجتماعي في توجيه السُّلوك العدواني. وفي بعض الحالات المتطرفة، قد يتَّخذ هذا النَّمط طابعًا أكثر خطورة باستخدام أدوات حادَّة أو وسائل مؤذية، وهو ما يكشف عن خللٍ كبير في منظومة الضَّبط السُّلوكي والتَّنشئة.

ثانيًا. العدوان اللفظي

ويتمثَّل في استخدام اللغة بوصفها أداة للإيذاء، من خلال السباب، والألفاظ النَّابية. وغالبًا ما يرتبط هذا الشكل بالسِّياق البيئي الذي ينشأ فيه الطِّفل، وتزداد حدَّته في البيئات التي تُتداول فيها المفردات الخشنة بوصفها جزءًا من التَّفاعل اليومي، ممَّا يرسِّخ لدى الطِّفل نماذج لغويَّة سلبيَّة يعيد إنتاجها في علاقاته.

ثالثًا: العدوان النَّفسي

ويظهر في صورة الاستحقار، والاستهانة بالآخر، والنَّيل من كرامته أو التَّقليل من شأنه. ويُعدُّ هذا النَّمط من أخطر الأشكال على المدى البعيد، وقد يتطوَّر تدريجيًّا ليؤسِّس لأنماط من التَّمييز أو النَّزعات الإقصائيَّة، خصوصًا إذا لم يُعالج في مراحله المبكرة.

المحور الثَّاني: منشأ العدوانيَّة

تنقسم أسباب العدوانيَّة على قسمين، ويمكن تصنيف أسباب العدوانيَّة - من حيث المصدر- إلى مناشئ ذاتيَّة، وأخرى خارجيَّة.

النَّوع الأوَّل: المناشئ الذَّاتيَّة

ويُقصد بالمناشئ الذَّاتية تلك العوامل التي تنبثق من داخل نفس الطِّفل، سواء أكانت مرتبطة بدوافع فطريَّة، أم بحالات انفعاليَّة، أم باستعدادات كامنة قد تتفاعل مع البيئة المحيطة. ومن أبرز هذه المناشئ ما يأتي:

1. نزعة التَّملُّك

 وهي من الغرائز الأصيلة في التَّكوين الإنساني؛ حيث يميل الفرد بطبيعته إلى حيازة الأشياء والاحتفاظ بها. غير أنَّ هذه النَّزعة، إذا تجاوزت حدودها المعتدلة ولم تُهذَّب ضمن إطارٍ تربوي، قد تنقلب إلى مصدرٍ للسُّلوك العدواني، فيسعى الطِّفل إلى الاستحواذ على ما بيد الآخرين بالقوَّة أو الإيذاء. وتشتدُّ حدَّة هذه النَّزعة لدى الأطفال الذين يعيشون حالات حرمان مادِّي؛ إذ تتحوَّل الحاجة إلى دافعٍ ضاغط يدفع نحو سلوكيات غير منضبطة. 

2. الإحباط والشُّعور بالنَّقص

الإحباط من أبرز العوامل المولِّدة للتَّوتر، وعندما يعجز الطِّفل عن التَّعبير عن هذا التَّوتر بطرق سوية، قد يلجأ إلى العدوان بوصفه وسيلةً تعويضيَّة لإثبات الذَّات أو تفريغ الشُّحنة الانفعاليَّة. ويرتبط بذلك الإحساس بالنَّقص، الذي قد يتولَّد عن المقارنة بالآخرين أو عن تجارب فشل متكرِّرة، ممَّا يفضي إلى نشوء الغيرة، التي تتحوَّل - في حال غياب التَّوجيه - إلى سلوك عدواني موجَّه نحو المحيط. 

3. الاستعدادات الوراثيَّة

 تفترض بعض الدِّراسات وجود قابلية موروثة قد تجعل بعض الأطفال أكثر ميلًا إلى السُّلوك العدواني مقارنة بغيرهم، حتَّى في حال عدم توافر العوامل البيئيَّة الضَّاغطة. ولا يعني ذلك حتميَّة السُّلوك؛ بل يشير إلى قابلية تحتاج إلى توجيهٍ واعٍ واحتواءٍ تربوي دقيق، يمنع تحوّلها إلى نمطٍ ثابت.

4. العوامل البدنيَّة والمرضيَّة

 تُظهر بعض الدِّراسات أنَّ بعض الاضطرابات الجسديَّة أو الحالات المرضيَّة المزمنة قد ترتبط بارتفاع مستوى التَّهيُّج والانفعال لدى الطِّفل، الأمر الذي يجعله أكثر قابلية للاستثارة وأسرع استجابة للمثيرات السلبيَّة. ولا يكون السُّلوك العدواني في هذه الحالة تعبيرًا عن قصدٍ واعٍ للإيذاء بقدر ما هو انعكاسٌ لحالةٍ مضطربة يفرضها الألم أو الإرهاق أو الخلل العضوي. لذلك، فإنَّ فهم هذا النَّمط يتطلَّب قراءةً تراعي البعد الصحي إلى جانب البعد النَّفسي، بما يمنع إساءة تفسير السُّلوك أو التَّعامل معه بوصفه انحرافًا إراديًّا خالصًا. 

5. العزلة النَّاشئة عن الرَّفض الاجتماعي أو الأسري

 الإقصاء من الجماعة أو الحرمان من القبول العاطفي أحد العوامل في تشكيل الاضطرابات النَّفسية لدى الطِّفل؛ فالطِّفل الذي يُواجَه بالرَّفض أو التَّهميش، سواء داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي، قد يطوّر أنماطًا من العزلة تتراكم معها مشاعر الألم والحرمان، لتتحوَّل تدريجيًّا إلى توترات مكبوتة تبحث عن منفذٍ للتَّفريغ، وغالبًا ما يظهر ذلك في صورة سلوك عدواني غير منضبط. 

النوع الثَّاني: المناشئ البيئيَّة والتَّربويَّة

ترتبط العدوانيَّة لدى الطِّفل، في كثير من مظاهرها، بالسِّياق البيئي والتَّربوي الذي ينشأ فيه، وتتفاعل الخبرات اليوميَّة مع المنظومة النَّفسيَّة لتُنتج أنماطًا سلوكيَّة قد تميل إلى العنف أو الاعتداء. ولا يمكن فهم هذا النَّمط بمعزل عن طبيعة العلاقات داخل الأسرة، ونوعيَّة الرَّسائل التي يتلقاها الطِّفل من محيطه القريب والبعيد. ومن أبرز هذه المناشئ ما يأتي:

1. الاضطراب النَّاتج عن بيئةٍ أسريَّة يسودها التَّوتر والقسوة

 ينعكس أسلوب التَّعامل القائم على العنف اللفظي أو الجسدي على التَّوازن النَّفسي للطِّفل، فينشأ وهو يحمل أنماطًا من القلق وعدم الأمان. ومع تراكم هذه الخبرات، تتشكَّل لديه استجابات دفاعيَّة قد تتَّخذ صورة العدوان، بوصفه وسيلةً لحماية الذَّات أو التَّعبير عن الضيق النَّفسي. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى ضرورة اعتماد اللين في الخطاب والتَّعامل، كما في قول الله (تبارك وتعالى): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(1)، وهو توجيه يُظهر أثر الرِّفق في تهذيب السُّلوك وبناء التَّوازن النَّفسي.

2. السَّعي إلى إثبات الوجود وجذب الانتباه

 قد يلجأ الطِّفل إلى السُّلوك العدواني حين يشعر بالتَّهميش أو الإغفال داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي؛ فالطِّفل، بطبيعته، يحتاج إلى الاعتراف بوجوده وتقدير ذاته، وعندما يُحرم من هذا الإشباع العاطفي، قد يحاول التَّعويض عبر سلوكيات لافتة، حتَّى وإن كانت سلبيَّة، ليؤكِّد حضوره في وعي الآخرين. وقد ورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "مَنْ لَمْ يُحْسِنْ خُلُقَهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ قَرِينُهُ" (2)، وهو معنى يمكن تطبيقه على تربية الطِّفل، حيث إن غياب الإدارة الحكيمة لاحتياجاته النَّفسيَّة قد ينتهي إلى انحراف في سلوكه.

3. التَّأثر بالمحتوى الإعلامي واللغوي

 تُسهم المشاهد المتكرِّرة للعنف في البرامج والأفلام في تشكيل تصورٍ لدى الطِّفل بأنَّ العنف وسيلة مقبولة لتحقيق الأهداف، خصوصًا في ظلِّ غياب التَّوجيه أو الرّقابة. كما أنَّ اللغة التي يسمعها الطِّفل، إذا كانت مشحونة بالألفاظ الجارحة أو العدوانيَّة، تتحوَّل إلى مخزونٍ لغوي يعيد إنتاجه في تفاعلاته اليوميَّة. وفي هذا المجال، يؤكِّد القرآن الكريم على تهذيب الخطاب، كما في قوله (سبحانه): (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (3)، في دلالةٍ على أنَّ الكلمة تمثِّل أداة بناءٍ للسُّلوك، وليست مجرَّد وسيلة تواصل.

4. نموذج القدوة

 سلوك الوالدين ومن يحيط بالطِّفل مرجع عمليٌّ يقتدي به في تشكيل أنماطه السُّلوكية. فإذا كان الطِّفل يشاهد في بيئته أنَّ الاعتداء يُستخدم وسيلةً لنيل المطالب أو فرض السَّيطرة، فإنَّ هذا النّموذج يترسَّخ في ذهنه بوصفه سلوكاً فعَّالًا ومشروعًا. ولا يقتصر تأثير القدوة على الوالدين؛ وإنَّما يشمل المعلمين والأقران وسائر الشَّخصيات المؤثِّرة في محيطه. وقد ورد عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام): "كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ؛ فَإِنَّ ذلِكَ دَاعِيَةٌ" (4)، في إشارةٍ إلى أنَّ السُّلوك العملي أبلغ أثرًا من القول في توجيه الآخرين.

5. طبيعة الألعاب والأنشطة التَّرفيهيَّة

 ولا سيَّما في البيئة الرَّقميَّة المعاصرة، حيث ينجذب بعض الأطفال إلى الألعاب التي تقوم على العنف والقتل والصراع، ممَّا يضاعف لديهم الاعتياد على هذا النَّمط من السُّلوك ويُضعف حساسيتهم اتِّجاه آثاره. ومع التكرار، قد تنتقل هذه الأنماط من الفضاء الافتراضي إلى الواقع السُّلوكي، ما لم تُقابل بتوجيهٍ واعٍ يوازن بين التَّرفيه والتَّربية.

المحور الثَّالث: علاج العدوانيَّة

قبل تناول العلاجات التَّربويَّة للحدِّ من السُّلوك العدواني لدى الأطفال، تبرز ضرورة التَّمييز بين ما يُعدُّ سلوكًا عابرًا، وما يشكِّل مؤشِّرًا على اضطرابٍ يستدعي التَّدخل. فالعدوانيَّة، في بعض مراحل النُّمو المبكرة، قد تظهر بوصفها استجابة طبيعيَّة محدودة، ترتبط بضعف القدرة على التَّعبير الانفعالي أو بعدم اكتمال مهارات الضَّبط الذَّاتي. ويُلاحظ ذلك بوضوح لدى الطِّفل قبل سنِّ الرَّابعة؛ حيث قد تصدر عنه أفعال كالمشاجرة العابرة، أو محاولة الاستحواذ على ممتلكات الآخرين، أو العبث بها من دون إدراكٍ كاملٍ لآثارها؛ فقد ورد في عن صالِح بن عقبة قال: سَمِعْتُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ (عليه السلام) يَقُولُ: "تُسْتَحَبُّ عَرَامَةُ(5) الصَّبِيِّ فِي صِغَرِهِ لِيَكُونَ حَلِيماً فِي كِبَرِهِ. ثُمَّ قَالَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِلَّا هَكَذَا"(6)؛ غير أنَّ هذه المظاهر، إذا تحوَّلت إلى نمطٍ متكرِّر، أو تجاوزت حدودها الطَّبيعية لتأخذ طابع الإيذاء المقصود - سواء على المستوى الجسدي أو اللفظي - فإنَّها تنتقل من كونها حالة طبيعيَّة إلى حالةٍ تستدعي المعالجة الواعية. فاستمرار السُّلوك العدواني من دون تقويمٍ مناسب قد يُشارك في ترسيخه كجزءٍ من شخصيَّة الطفل، وقد يرافقه في مراحل عمريَّة لاحقة، ويؤثِّر في علاقاته الاجتماعيَّة.

ومن المهمِّ التَّأكيد في هذا السِّياق أنَّ الدَّعوة إلى معالجة العدوانيَّة لا تنطلق من منطق إثارة القلق أو تضخيم المخاوف لدى الوالدين؛ بل من منطلق الوعي بالتَّداعيات الواقعيَّة التي قد تترتب على إهمال هذا الجانب؛ إذ تكشف الدِّراسات الاجتماعيَّة عن حالاتٍ تطوّر فيها السُّلوك العدواني إلى نتائج جسيمة، وصلت في بعض الأحيان إلى إلحاق أذى بالغ بالآخرين أو التَّسبب بعاهاتٍ مستديمة. وهذا ما يفرض تعاملًا جادًّا، يقوم على الفهم لا على ردود الفعل الانفعاليَّة.

وتنقسم أساليب علاج العدوانيَّة على قسمينِ:

القسم الأوَّل: العلاجات المعرفيَّة والنَّفسيَّة

1. المعرفة التَّربويَّة

يكشف الواقع التَّربوي أنَّ الجهل بآليات التَّعامل السَّليم مع الطِّفل يُمثِّل عاملًا مؤثِّرًا في نشوء هذا النَّمط من السُّلوك؛ فمقابلة العدوانيَّة بالعدوان لا تُفضي إلى تقويمها؛ وإنَّما تُكرِّسها وتُعيد إنتاجها في صورةٍ أكثر حدَّة، نتيجة ما يتلقَّاه الطِّفل من رسائل ضمنيَّة تُشرعن العنف بوصفه وسيلةً مقبولة للتَّعامل.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى بناء نموذجٍ تربوي متوازن، يقوم على الاعتدال بين الإفراط والتَّفريط؛ فلا يُترك الطِّفل لأسلوب التَّدليل غير المنضبط الذي يُضعف قدرته على التَّحمّل وضبط الذَّات، ولا يُواجه في المقابل بقسوةٍ منفلتة تُربك توازنه النَّفسي وتُغذِّي لديه مشاعر الخوف أو التَّمرُّد. وفي هذا المجال، تُشكِّل لغة الحوار مع الطِّفل أداةً مركزيَّة في المعالجة؛ إذ الإصغاء إلى مشاعره ومحاولة فهم دوافعه يُسهمان في تفكيك التَّوترات التي قد تدفعه نحو السُّلوك العدواني. فالطِّفل، حين يُمنح مساحةً للتَّعبير ويُشعَر بالاهتمام، تقلُّ حاجته إلى استخدام العنف كوسيلةٍ لإثبات ذاته أو تفريغ انفعالاته. 

2. تعزيز السُّلوك الإيجابي 

يقوم هذا المنهج على مبدأ علمي مفاده أنَّ السُّلوك الذي يُقابل بالتَّقدير والتَّشجيع يميل إلى التكرار والاستقرار، بينما السلوك الذي يُهمل أو لا يجد تقديرًا يتضاءل تدريجيًّا. ولهذا، فإنَّ استخدام الكلمة الطَّيبة، والثَّناء الصَّادق، أو حتَّى تقديم مكافأة بسيطة، يُسهم في ترسيخ القيم الإيجابيَّة داخل البناء النَّفسي للطِّفل، ويُحوِّلها إلى عادات مستقرة.

وقد أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى، حيث يجمع بين التَّحفيز والتَّوجيه، كما في قول الله (تعالى): (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (7)، وهو مبدأ يقوم على ربط الفعل الإيجابي بنتيجة مشجعة، حتَّى تزداد الاستمراريَّة في السُّلوك الصَّالح. 

3. توفير الأمن والطَّمأنينة

حين ينشأ الطِّفل في بيئةٍ يغلب عليها الأمن والهدوء النَّفسي والتَّفاؤل، تتشكَّل لديه حالة مستقرة تُساعد على زيادة الشُّعور بالثِّقة والانتماء، وتحدُّ من ظهور أنماط التَّوتر التي قد تتحوَّل لاحقًا إلى سلوك عدواني.

إنَّ الأسرة التي يسودها الاضطراب، وارتفاع الأصوات، تُنتج غالبًا طفلًا مضطربًا من النَّاحية الانفعاليَّة؛ إذ يتعرَّض باستمرار لمصادر قلقٍ تُضعف قدرته على التَّكيّف السَّليم. في المقابل، فإنَّ الأسرة التي تقوم على الهدوء والتَّفاهم والرَّحمة تبني شخصيَّة متَّزنة قادرة على التَّعبير عن انفعالاتها بطرقٍ سوية من دون اللجوء إلى العنف أو العدوان.

وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب مهم من احتياجات الطِّفل النَّفسيَّة والاجتماعيَّة في سياق قصَّة النَّبي يوسف (عليه السلام)، حين قال إخوته لأبيهم النَّبي يعقوب (عليه السلام): (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(8)؛ حيث تكشف هذه الآية عن جملة من الحاجات الضَّروريَّة للطِّفل، تتجاوز حدود الغذاء والملابس لتشمل الحاجة إلى اللعب، والشُّعور بالأمان، والرَّاحة النَّفسيَّة، والانفتاح على بيئة طبيعيَّة خالية من التَّوتر.

4. بناء القناعة وترسيخ البدائل السِّلميَّة 

 وذلك، بالعمل على بناء قناعات لدى الطِّفل يُدرك من خلالها خطورة السُّلوك العدواني، ويُدرك في المقابل جدوى الأساليب السِّلميَّة في التَّعبير عن الاحتياجات والانفعالات. فالتربية الفاعلة تُنتج طفلًا واعيًا بطرق التَّعبير الصَّحيحة عن غضبه أو رفضه أو رغباته، بحيث يتحوَّل الحوار والهدوء وضبط النَّفس إلى بدائل طبيعيَّة للعنف. وهذا التَّحول يحدث عبر عمليَّة تربويَّة تدريجيَّة تُعيد تشكيل إدراك الطِّفل لمعنى القوَّة، من كونها سيطرة وعدوانًا إلى كونها قدرة على ضبط الذَّات وإدارة الانفعال.

ومن القصص النَّافعة في هذا المجال أنَّه" كان هناك طفل يصعب إرضاؤه، أعطاه والدُه مجموعة من المسامير، وقال له: قم بطرق مسمار واحد في سور الحديقة في كلِّ مرَّة تفقد فيها أعصابَك أو تختلف مع أيِّ شخص.

 في اليوم الأوّل قامَ الولدُ بطرق 37 مسمارًا في سور الحديقة، وفي الأسبوع التَّالي تعلَّم الولد كيف يتحكم في نفسه، وكان عدد المسامير التي توضع يوميًّا ينخفض. 

الولد اكتشف أنَّه تعلَّم بسهولة كيف يتحكم في نفسه أسهل من الطَّرق على سور الحديقة.

 في النِّهاية أتى اليوم الذي لم يطرق فيه الولد أيَّ مسمار في سور الحديقة؛ عندها ذهب ليخبر والدَه: أنَّه لم يعد بحاجة الى أن يطرقَ أيَّ مسمار.

قال له والده: الآن قم بخلع مسمار واحد عن كلّ يوم يمر بك دون أن تفقدَ أعصابَك.

 مرت عدَّة أيّام، وأخيرًا تمكَّن الولد من إبلاغ والده أنَّه قد قام بخلع كلِّ المسامير من السُّور.

قام الوالدُ بأخذ ابنه الى السُّور؛ وقال له: بني قد أحسنت التَّصرف؛ ولكن انظر الى هذه الثقوب التي تركتها في السور لن تعود أبدًا كما كانت.

 عندما تحدث بينك وبين الآخرين مشادَّة أو اختلاف وتخرج منك بعض الكلمات السَّيئة؛ فأنت تتركهم بجرح في أعماقهم كتلك الثقوب التي تراها.

 لهذا لا يهم كم من المرَّات قد تأسفت له؛ لأن الجرح لا زال موجودًا.

جرح اللسان أقوى من جرح الأبدان"(9).

وقد ورد في القرآن الكريم تأكيد على خطورة الكلمة وأثرها، كما في قول الله (تعالى): (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (10)، في إشارة إلى أنَّ القول هو فعلٌ محسوب الأثر والمسؤوليَّة.

كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: "اللِّسَانُ سَبُعٌ إِنْ خُلِّيَ عَنْه عَقَرَ" (11)، وهو تعبيرٌ بليغ يبيِّن خطورة الكلمة إذا لم تُضبط، وأنَّها قد تُحدث من الأثر ما يفوق الأذى الجسدي أحيانًا.

القسم الثَّاني: العلاجات البيئيَّة والسلوكيَّة

1. الحزم التَّربوي في التَّعامل مع البوادر المبكرة للسُّلوك العدواني

إنَّ التَّساهل مع البوادر الأولى، إذا خرجت عن حدودها الطَّبيعيَّة، قد يفتح المجال أمام تحوّلها إلى سلوكٍ متكرِّر يكتسب مع الزَّمن طابعًا اعتياديًّا يصعب تعديله لاحقًا.

غير أنَّ الحزم المطلوب هنا يشير إلى وضوح الموقف التَّربوي وثباته، بحيث يُدرك الطِّفل أنَّ السُّلوك العدواني مرفوض بشكلٍ قاطع، مع بيان أسبابه وآثاره، وتوجيهه نحو البدائل المقبولة. وهذا النَّوع من الحزم القائم على الوعي يوفِّر للطِّفل إطارًا ضابطًا يساعده على التَّمييز بين المقبول والمرفوض من التَّصرفات.

2. تقويم السُّلوك بعيدًا عن العنف

إنَّ رفض العنف في التَّربية لا يعني إلغاء مبدأ التَّقويم أو غياب الضَّبط؛ وإنَّما يستدعي إعادة تعريف العقاب ضمن إطارٍ تربوي منضبط، يعتمد على التَّوجيه، والحرمان المنظَّم من بعض الامتيازات، أو لفت النَّظر بأساليب غير مؤذية، بما ينسجم مع المنهج الذي أشار إليه القرآن الكريم وهدي أهل البيت (عليهم السلام). فالعقاب، حين يُمارس ضمن حدودٍ مدروسة، وبعيدًا عن الإهانة أو الإيذاء، يمكن أن يؤدي وظيفة تربويَّة وإصلاحيَّة.

وقد أكَّد القرآن الكريم على اعتماد اللين والحكمة في الإصلاح، كما في قول الله (سبحانه): (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(12)، وهو مبدأ يرفض مقابلة الخطأ بخطأ مماثل، ويؤسِّس لأسلوبٍ إصلاحي يقوم على تهذيب السُّلوك لا الانتقام منه. كما ورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ، فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْه شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْه"(13)، وهو توجيهٌ يعمِّق مفهوم السَّيطرة الأخلاقيَّة على النَّزعات الانتقاميَّة.

وفي هذه الدَّائرة، تظهر إشكاليَّةٌ تربويَّة شائعة، تتمثَّل في توجيه بعض أولياء الأمور أبناءهم إلى الردِّ على الاعتداء بمثله بعد انتهائه، بدافع استعادة الحقِّ أو تحقيق التَّوازن. غير أنَّ هذا التَّوجُّه يُرسِّخ في وعي الطِّفل مبدأ العنف المتبادل، ويُحوّل العلاقات الإنسانيَّة إلى ساحة صراعٍ مفتوح، تُدار بمنطق القوَّة لا بمنطق القيم. إنَّ التَّربية الواعية لا تُنكر حقَّ الطِّفل في الدِّفاع عن نفسه ضمن الحدود المشروعة؛ لكنَّها في الوقت ذاته تُعلِّمه أنَّ ضبط النَّفس، واللجوء إلى الحوار، وطلب المساندة من الجهات المسؤولة، تمثِّل خيارات أكثر حكمةً واستدامة.

3. التَّحقق من العوامل الصحيَّة والاستعانة بالتَّخصص الطِّبي

قد تكون بعض الاضطرابات أو الحالات المرضيَّة الكامنة عاملًا مؤثِّرًا في ارتفاع مستوى التَّهيُّج والانفعال، ومن ثمَّ ظهور سلوكيات عدوانيَّة لا تعبِّر بالضَّرورة عن قصدٍ واعٍ بقدر ما تعكس خللًا في التَّوازن الجسدي أو العصبي.

إنَّ تجاهل هذا البعد قد ينتهي إلى معالجة سطحيَّة للسُّلوك دون الوصول إلى جذوره الحقيقيَّة. لذا لابدَّ من التَّحقق من وجود مشكلات صحيَّة محتملة، كاضطرابات الجهاز العصبي، أو المرض المزمن، أو غيرها من الحالات التي قد تؤثِر في الاستجابة الانفعاليَّة للطِّفل. وفي حال الاشتباه بذلك، فإنَّ اللجوء إلى المختصين في المجال الطِّبي يُمثّل خطوةً منهجيَّة ضروريَّة لتشخيص الحالة بدقَّة ووضع خطة علاجيَّة مناسبة.

4. التَّوجيه نحو المحتوى البنَّاء

فالمحتوى الذي يُظهر العنف بوصفه وسيلةً مشروعة لتحقيق الأهداف، أو يُقدّمه في إطارٍ جاذبٍ ومُحبّب، قد يُسهم في تطبيع هذا السُّلوك داخل وعي الطِّفل، ويُضعف حساسيته اتِّجاه آثاره السلبيَّة. في المقابل، فإنَّ البرامج التي تزرع التَّعاطف، وتُشجِّع على الحوار، وتُبرز نماذج إيجابيَّة في حلِّ النِّزاعات، تعمل على إعادة تشكيل إدراك الطِّفل لمعنى القوَّة، بحيث ترتبط بالقدرة على التَّفاهم لا بالسَّيطرة والإيذاء.

5. اختيار الرِّفقة والبيئة المناسبة

السُّلوك الإنساني لا يتكوَّن في فراغ، وإنَّما يتشكَّل عبر التَّفاعل المستمر مع المحيط الاجتماعي، حيث تمارس الجماعة القريبة -من أقرانٍ وأصدقاء- دورًا حاسمًا في تثبيت الأنماط السُّلوكيَّة أو تعديلها. وممَّا يلاحظ أنَّ الأطفال يميلون إلى محاكاة التَّصرفات التي يشاهدونها في أقرانهم، لا سيَّما حين تقترن هذه السُّلوكيات بقبولٍ اجتماعي أو شعورٍ بالانتماء، ممَّا يجعل الرفقة بيئةً حاسمة في توجيه النَّزعات العدوانيَّة نحو التَّفاقم أو الاحتواء.

وفي ضوء ذلك، فإنَّ تهيئة بيئة اجتماعيَّة إيجابيَّة تقوم على التَّعاون والاحترام المتبادل، واختيار رفقةٍ تتَّسم بالسُّلوك المتوازن، يمثِّل إطارًا وقائيًّا يحدُّ من فرص تَشَكُّل النَّزعات العدوانيَّة، ويُعيد توجيه الطَّاقات الانفعاليَّة لدى الطِّفل نحو أنماطٍ أكثر اتزانًا. كما أنَّ البيئة المشبعة بالقيم الأخلاقيَّة والضَّوابط السلوكيَّة تخلق نوعًا من الرقابة الذَّاتيَّة غير المباشرة؛ حيث يتعلَّم الطِّفل – عن طريق التَّفاعل اليومي- أنماط الاستجابة المقبولة اجتماعيًّا، ويبتعد تدريجيًّا عن السُّلوكيات الحادة أو المؤذية.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أثر البيئة والرِّفقة في تشكيل السلوك، كما في قول الله (تعالى): (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)(14)، حيث يشير إلى ضرورة ملازمة الصَّالحين لما لذلك من أثرٍ في تهذيب النَّفس وضبط ميولها. وفي المقابل، يعرض القرآن نموذج النَّدم النَّاتج عن الرِّفقة المنحرفة في قول الله (عزَّ وجلَّ): (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا)(15)، وهو تصوير دقيق لانعكاسات الصحبة السلبيَّة على المسار السُّلوكي للفرد.

6. توظيف النَّشاط البدني واللعب

فالطِّفل بطبيعته يمتلك قدرًا من الطَّاقة الحركيَّة والانفعاليَّة، وإذا لم تُوجَّه هذه الطَّاقة بصورةٍ صحيحة، فقد تتحوَّل إلى سلوكيات غير منضبطة، من بينها العدوان. لذلك؛ يشجِّع المختصون على ممارسة الأنشطة الرِّياضيَّة؛ لأنَّها توفّر مجالًا آمنًا لتفريغ التَّوتر والضَّغط، وتُنمّي في الوقت ذاته مهارات اجتماعيَّة مهمَّة، كالتَّعاون، واحترام القواعد، وتقبُّل الخسارة، والعمل ضمن فريق. ومع تكرار هذه الخبرات، تتراجع حدَّة الانفعالات السلبيَّة، ويكتسب الطِّفل قدرةً أعلى على ضبط النَّفس والتَّفاعل الإيجابي مع الآخرين. كما أنَّ اللعب الحرّ، خصوصًا في البيئات الجماعيَّة، يُضعف مشاعر العداء التي قد تتكوَّن نتيجة الاحتكاكات اليوميَّة.

وفي ضوء ما تقدَّم، يتَّضح أنَّ العدوانيَّة لدى الطِّفل هي انعكاسٌ مركَّب لتفاعلٍ بين البنية النَّفسيَّة، والخبرة التربويّة، والبيئة الاجتماعيّة. إنّها لغةٌ غير منطوقة، يُفصح بها الطِّفل عمَّا يعجز عن قوله، ويُترجم من خلالها اختلالات في التَّوازن الدَّاخلي أو خللًا في أنماط الاحتواء والتَّوجيه.

ومن هنا، فإنّ المعالجة الحقيقيّة لا تبدأ عند ظاهر السُّلوك؛ بل تمتدُّ إلى جذوره، حيث تُبنى من جديد علاقة الطِّفل بذاته، ويُعاد تشكيل وعيه بوسائل التَّعبير، وتُرمَّم البيئة التي تحتضنه لتكون أكثر رحمةً واتزاناً. فكلّ سلوك عدواني هو نداءٌ خفيّ يستدعي فهمًا أعمق لا حكمًا أسرع، واحتواءً أصدق لا رفضًا قاطعًا.

إنَّ التَّربية الواعية لا تسعى إلى كبح الطِّفل بقدر ما تهدف إلى تهذيبه، ولا تعمل على إخماد طاقته؛ وإنَّما على توجيهها، بحيث يتحوَّل الغضب من قوةٍ مدمِّرة إلى طاقةٍ منضبطة، ويتحوَّل الاندفاع إلى وعي، وردَّة الفعل إلى اختيارٍ مسؤول. وفي هذا المسار، تظهر قيمة الرَّحمة بوصفها أساس الإصلاح، والحكمة بوصفها أداة التَّقويم، والصَّبر بوصفه طريق البناء.

وأخيرًا، فإنَّ بناء طفلٍ متزنٍ سلوكيًّا هو استثمارٌ في سلام المجتمع واستقراره؛ لأنَّ الطُّفولة حين تُهذَّب، تُنقذ المستقبل من كثيرٍ من التَّصدُّعات، وتؤسِّس لجيلٍ يحمل في داخله القدرة على التَّعايش، لا النِّزاع، وعلى البناء، لا الهدم.

...........................................

الهوامش:

1. سورة آل عمران/ الآية: 159.

2. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص418.

3. سورة البقرة/ الآية: 83.

4. الكافي: ج3، ص202.

5. العرام: الشدة والقوَّة والشراسة. وعرمنا الصبي، وعرم علينا، وعرم يعرم، ويعرم عرامة، وعرامًا: أشر. وقيل: مرح وبطر. لسان العرب: ج10، ص124.

6. الكافي: ج6، ص51. 

7. سورة الزلزلة/ الآية: 7.

8. سورة يوسف/ الآية: 12.

9. ينظر: قصص ومعاني: ص20.

10. سورة ق/ الآية: 18.

11. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص478.

12. سورة فصلت/ الآية: 34. 

13. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص470.

14. سورة الكهف/ الآية: 28.

15. سورة الفرقان/ الآية: 28.

اضف تعليق