ان الذين جنّدوا أنفسهم من أجل التكسب والتطبيل فقط، ولم يكن لهم موقف مبدئي واضح ومؤشّر، كالذين أشرنا إليهم، لا يمكن معاملتهم على أنهم "مثقفو دولة" أو أصحاب اجتهاد سياسي، وإنما لهم وضع خاص يبقى في ذمّة الناس وقراءتهم الأخلاقية للمرحلة التي جمعتهم بهؤلاء.. وموقفهم منهم...
يتجدد الجدل باستمرار بشأن علاقة المثقف بالسلطة، حتى بات الكلام في هذا الأمر أشبه بالدوران في حلقة مفرغة. فالمثقف، بوصفه منتجًا للفكر والأدب والفن، يجب أن يكون دوره تنويريًا. ويرى البعض أن من مكملات هذا الدور أن يكون معارضًا للسلطة باستمرار! ولعل هناك من لعب هذا الدور (المعارض)، ولو دون قناعة، ليكسب رضا الآخرين أو لكي لا يُتَّهم بمداهنة السلطة.
الشيء المهم الذي يتناساه البعض عندما يتحدثون عن هذه المسألة الملتبسة بعض الشيء، هو أن مفهوم السلطة لم يعد كما كان في العهود السابقة، وكذلك مفهوم المثقف هو الآخر تغيّر، ولم يعد يعني ذاك الذي يسكن البرج العاجي وينظّر من مكانه.
بدأ مفهوم السلطة بالتغيّر عندما أصبحت الدول تُدار وفق نظريات حديثة، كالليبرالية، والاشتراكية، والماركسية، وغيرها من النظريات التي وقف خلف إنتاجها في القرون الأخيرة مثقفون ومفكرون أصلًا، استجابة لمعطيات الحياة المتجددة وضرورة التواصل الإيجابي بين الشعوب. وهذه النظريات أخذت طريقها إلى الواقع والسلطة من خلال حركات وأحزاب وتكتلات سياسية ضمّت، بالضرورة، مثقفين ومبدعين من مختلف الاختصاصات، ممن وجدوا في تلك الأفكار ما يدعوهم إلى تبنّيها ودعمها.
بما أن المصالح المتعارضة بين الدول تدفع غالبا نحو الخصومات والتصادم، لذا يجد المثقف نفسه في مأزق، سواء كان مؤدلجًا (عقائديًا) بالفعل، أو متماهيًا مع المشروع السياسي في بلده أو في أي بلد آخر، لأنه سيعلو بصوته ويعبر عن موقفه عند حصول حدث ما. أو قل هذا ما كان عليه مثقفون ومبدعون من مختلف بلدان العالم، أثناء الحروب والأزمات التي حصلت مع بلدانهم أو بين بلدان أجنبية. هؤلاء لايصحّ ان يوصفوا بمثقفي سلطة كونهم "مبدئيون" او منحازون لقناعاتهم الفكرية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم على حق دائمًا، وأن رؤيتهم يجب أن تُقدَّس، وإنما يجب أن تُفهَم.
فالماركسي، مثلًا، يصعب عليه أن يجد نفسه معارضًا لنظام في بلده يتبنّى النهج نفسه وقد اصطدم ببلد يتعارض معه مبدئيًا. والشواهد أكثر من أن تُحصى، لأن أعدادًا كبيرة جدًا تركت وراءها كمًا هائلًا من النتاج الثقافي والإبداعي الذي يعكس قصة مواقفهم تلك. وفي المقابل، تجد أن هناك كثيرين من الأدباء والمثقفين ممن يتعارضون مع النهج الاشتراكي والماركسي، وقد وقفوا مع بلدانهم الرأسمالية (الليبرالية) عند حدوث الأزمات والحروب، أو عند حصول منعطفات حاسمة انطلاقًا من قناعاتهم.
"مثقف الدولة" هو الوصف الغائب في جدالات الكثيرين بهذا الشأن. فمثلًا، كيف يمكن قراءة او تقييم موقف أندريه مالرو، وزير الثقافة الفرنسي في عهد ديغول، بينما بلده وقتذاك يستعمر أكثر من بلد في العالم، وان كان هو شخصيا يناهض فكرة الاستعمار؟ وهل يُحمَّل مالرو المسؤولية لأنه أصبح جزءًا من جسد الدولة، أو يُطلَب منه أن يتجنب تحمّل المسؤولية الثقافية في بلده لحين تخلّصه من حمله الاستعماري؟!
شيء آخر أكثر أهمية، وهو أن هناك كثيرين من المثقفين ممن يتصدون للعمل النقابي الذي يمثل بابا للمنتسبين للمشغل الثقافي المعين، باتجاه الدولة بمفهومها المؤسسي وايضا بابا للدولة باتجاه هؤلاء المنتسبين، بغية جعل النشاط الثقافي الوطني اكثر فاعلية .. والأمر كذلك مع من يمسكون بالمؤسسات الثقافية الرسمية في بلدانهم، ممن يعملون على إثراء واقعهم والارتقاء به. وإن تسلّل إلى نشاطهم هذا لون "سلطوي" أو صار مرافقًا له، لاسيما في البلدان المتخلفة نسبيا، فهل يتخلون عن مسؤولياتهم بانتظار أن يصبح المناخ مثاليًا؟!
من دون أدنى شك، أن الذين جنّدوا أنفسهم من أجل التكسب والتطبيل فقط، ولم يكن لهم موقف مبدئي واضح ومؤشّر، كالذين أشرنا إليهم، لا يمكن معاملتهم على أنهم "مثقفو دولة" أو أصحاب اجتهاد سياسي، وإنما لهم وضع خاص يبقى في ذمّة الناس وقراءتهم الأخلاقية للمرحلة التي جمعتهم بهؤلاء.. وموقفهم منهم.
اضف تعليق