ليس من السهل إنشاء قناة فضائية عربية داخل إحدى الدول العربية بدون أن تكون هذه القناة أما تابعة للحكومة، أو محابية للخطاب الرسمي، أو أنها تجارية ولا علاقة لها بالسلطة.

من غير هذه المجالات لا يمكن الحديث عن قناة فضائية معارضة وتعمل داخل حدود الدولة، والخيار الوحيد لها أن تنشيء مقراً لها في دولة معارضة للنظام الحاكم، ومن هناك تصرخ بأعلى صوتها منادية بالحرية للشعب وبالموت للحاكم.

وحتى خارج الحدود قد تضايقها قرارات تصنعها الظروف المحيطة بالدولة المستضيفة، كما حدث مع قناة "مكملين" الفضائية المصرية التي أعلنت في بيان رسمي، (الجمعة 29 نيسان 2022)، وقف بثها نهائياً من تركيا وإغلاق استديوهاتها بعد ثمانية أعوام.

القناة التابعة للإخوان المسلمين والمعارضة بشدة لحكم الرئيس عبد الفتاح السياسي قررت نقل كافة أعمالها إلى خارج تركيا والسبب كما تقول أنها تريد أن "تنطلق انطلاقة جديدة" من دون تحديد مقر عملها الجديد.

وبينما استفادت القناة طوال الثماني سنوات الماضية من الخلافات الظاهرة على العلاقات المصرية التركية، إذ استخدمتها تركيا ومعها بعض المؤسسات الإعلامية الأخرى للضغط على نظام الحكم المصري، فقد خسرت كل شيء حينما عادت العلاقات المصرية التركية إلى مجاريها الدبلوماسية.

كانت هذه المؤسسات الإعلامية تعتاش على خلافات الدول، لذلك تكون هي أولى ضحايا الصلح وعودة العلاقات الدبلوماسية.

أزمة إعلام المنفى

غالبية الدول العربية لديها وسائل إعلام في المنفى، وفي العادة تجد مقراتها في الدول التي تعيش قطيعة مع الدولة الأم للمؤسسة الإعلامية، تستفيد القناة من حالة الصراع لترفع اسمها في عالم وسائل الإعلام، لا سيما وأن الدولة المستضيفة تسخرها كوسيلة من وسائل الضغط السياسي.

المأزق الذي تقع فيه جميع القنوات من هذا النوع، أنها تولد في لحظات الصراع، وديمومة حياتها من ديمومة الصراع نفسه، وفي حالات كثيرة تنسى إدارة القناة أنها تعادي النظام الحاكم فقط، لتجد نفسها عدوة لبلادها بالكامل، ترفض أي شيء، فالمهم لديها استمرار الصراع وعدم التوصل لأي تفاهمات مع النظام.

وتتوقع من الدولة المستضيفة استمرارها في الصراع مع النظام، لكن هذا سوء فهم لطبيعة العمل السياسي والعلاقات التي تحكم الدول، فدولة مثل تركيا لا يهمها من حيث لغة المصالح إذا ما كان عبد الفتاح السيسي في السلطة أو محمد مرسي، ما يهمها من يتفاهم معها ويحقق لها فائدة سياسية، قد تدافع لمدة عن مرسي وجماعة الإخوان، لكنها تدافع عنهم من منطق المصلحة لا غير.

وإذا حقق السيسي هذه المصلحة للأتراك فلا بأس من تسليم قيادات الإخوان الهاربين في تركيا إلى السلطات المصرية.

هذا درس لكل من يريد تأسيس قناة فضائية معارضة للنظام الحاكم في بلده، لا تعتمد على الخارج، لأنه لا ينظر إليك إلا باعتبارك سلعة سوف يستغني عنها متى ما قبض ثمنها الذي يحدده في بورصة المصالح الدولية.

أين المفر؟

لا مهرب من البلد إلا بالعودة إليه، وفي حال عودة فريق عمل أي قناة فضائية معارضة إلى البلاد ستكون أبواب السجون مفتحة لهم على مصراعيها، والمشانق معطرة بدماء رفاقهم الذين سبقوهم في الإعدام.

إذا كانت الدول الخارجية تستخدم المعارضين العرب كسلعة وسلاح تضرب به الأنظمة القمعية، فإن الأنظمة العربية لها مسار واحد للتعامل مع حرية الإعلام، وهو السير على الطريق الذي يرسمه النظام، وكل من يخالف يفنى أو ينفى.

وانبثق من هذه السياسة القمعية ولادة إعلاميين أما يتزلفون للحاكم وينشرون ما يريد، أو يذهبون إلى أقصى درجات العداء والتطرف ضد الحاكم.

وما بين المتزلف والمتطرف لا تجد الحقيقة أي وسيلة تنقلها في طريقها الوعر نحو عقول المواطنين، تائهة هي الحقيقة ولا مركب لها، والحديث عن الحريات في قاموس المعارضة والتنمية في قاموس السلطة لا يأتي إلا في سياق الصراع على من يتقلد السلطة.

ولا حرية للشعب في خياراته المعلوماتية لأنها معلومات تشبه الرصاص الذي يتقاذفه المحاربون، كل معلومة تصقل جيداً ويحذف منها ما يضر بمصلحة الناشر ويكبّر ما ينفعه، فتصل الحقيقة مشوهة للجماهير، ومنها تخلق لنا عقول فيها كثير من التشويه وسوء الفهم لما يجري حولهم من أحداث.

اضف تعليق